Widad_.jpgالاسلحة الاسرائيلية الجديدة ـ اختبار ام كسب اعتبار؟

وداد عقراوي
widad.akrawi@woea.dk
www.widad.org

اشارت تقارير صادرة في السنة الماضية الى ان اسرائيل تستخدم اسلحة تجريبية في قطاع غزة، وهذه الاسلحة تحدث اصابات بدنية خطيرة مثل بتر الاطراف والحروق الشديدة. السلاح المشار اليه هنا يشبه السلاح الذي يحمل اسم "DIME" وتعني Dense Inert Metal Explosive والذي هو نوع من المتفجرات الصغيرة نسبياً ولكنها فعالة جداً وتم تطويرها من قبل قوات الجيش الاميركي، وهذا السلاح يتسبب في انفجارات قوية ومميتة لمسافات محدودة. استعمال العبارة '' معدن خامل" في الاسم "DIME" لا يكرس فكرة جعل المعدن خاملاً، سواء كيميائياً او بيولوجياً، بل يشير الى عدم اشتراك المعادن الداخلة في تركيبة السلاح في عملية احداث الانفجار، فعلى سبيل المثال يستخدم مسحوق الألمنيوم في تركيبة السلاح لزيادة قوة الانفجار فقط.

اصابات خطيرة بين مخفية وظاهرة
بالرغم من تصريحات السلطات الاسرائيلية بخصوص هذا السلاح الذي يقال بان الغرض من استعماله هو "لاصابة الهدف دون احداث اضرار او اصابة اشخاص اخرين من المارة"، الا ان التقارير الطبية وروايات شهود العيان من الاطباء في القطاع، فضلاً عن التجارب التي اجريت في المختبرات الايطالية، كلها تؤكد حدوث اصابات خطيرة دون مبرر. ففي غزة هناك عدد كبير من الجرحى بارجل مقطعة وكأن "شرائح من اجسادهم تم بترها بواسطة منشار"، وجثث محترقة تماماً وجرحى في حالة يرثى لها جراء شظايا وجسيمات معدنية، تبين بان الكشف عنها او الاستدلال اليها لم يكن ممكناً بواسطة جهاز اشعة اكس. وكانت هناك علامات نتيجة للحرارة والحروق قرب نقاط البتر، لكن دون ترك اي دليل بان الشظايا المعدنية هي التي تسببت في البتر. وعثر الاطباء على مسحوق في جثث الضحايا واعضائهم الداخلية.

اهو سلاح في مرحلة الاختبار.... ام مرحلة كسب الاعتبار؟
استناداً الى المعلومات المنشورة على المواقع التكنولوجية للقوات الدفاعية الامريكية فان نتيجة استعمال هذا السلاح "مدمرة بشكل لا يصدق فيما يتعلق بالانفجار في المساحات الصغيرة" و "القوة التدميرية للخليط تتسبب في اضرار اكبر بكثير من اضرار مجرد انفجار". يقال بان السلاح في طور التجريب، ولم يستخدم بعد في ساحة المعركة، ولكن ما نلاحظه هو ان السلاح يمر بمرحلة كسب الاعتبار لاستغلاله واستثماره مستقبلاً في الاتجار.

شظايا قاتلة من تركيبة غير مألوفة
اثبت تحليل عينات الجسيمات المأخوذة من جروح جرحى من قطاع غزة في مختبر جامعة بارما في ايطاليا بان "تركيز الكاربون عالي جداً مع وجود مواد غير عادية" مثل النحاس، الالمنيوم والتنغستين. نستنتج من ذلك بان القذائف المستخدمة تحتوي على الياف الكاربون المغلفة والمليئة بمسحوق التنغستن والمتفجرات. جزيئات التنغستن بحد ذاتها عبارة عن مادة معدنية موصلة، تقاوم درجات الحرارة العالية جداً، وتنتشر في دائرة قطرها اربعة امتار وتسبب الوفاة. اذ ان الانفجار يختلط بمسحوق كثيف جداً من سبائك معدنية ثقيلة يدخل في تركيبها الهكس امين (CH2)6N4 او hexamethylenetetramine والذي هو عبارة عن مركب عضوي يمكن الحصول عليه من خلال تفاعل الفورمالديهد (او الميثانول) مع الامونيا. انه مسحوق أبيض بلوري تتراوح حجم حبيباته بين 80-800 ميكرومتر. وهو متوسط الذوبان في الماء ودرجة ذوبانه في معظم المحاليل العضوية جيدة.

قد تكون من سخرية القدر ان يتم اختيار المادة التي استخدمت اثناء الحرب العالمية الاولى لتحسين صنع الاقنعة الواقية ضد الغازات السامة الاكثر فتكاً مثل الفوسجين، والمادة التي تستخدم حتى في ايامنا هذه كمضادات حيوية في المستشفيات، لتصبح الان مشتركة في خليط مع الكوبالت والنيكل أو الحديد لتعطي ناتج شظايا قاتلة، تقطع الارجل والعظام والانسجة اللينة، ويمكن بعد ذلك ان تعرّض الانسان لخطر السرطان لانها قد تتسبب في تلف الحمض النووي مباشرة وعدم استقرار المورثات (الجينات) او قد تولد اضطرابات في العمليات البيوكيمياوية التي تحدث في خلايا الجسم، تلك العمليات التي تجعل الجسم قادراً على القيام بوظائفه.

السلاح غير محرم دولياً
استخدام مثل هذه الخلطة يشير الى ان السلاح هو من نوع "DIME" والذي ولسوء الحظ ليس محظوراً بعد بموجب القانون الدولي، لانه لم يجرب بصورة رسمية معلنة. هناك مخاوف كبيرة كما اشرنا ان يكون السلاح مسرطناً وضاراً جداً للبيئة التي ينفجر فيها. ان استخدام مثل هذه الاسلحة يشكل خطراً مميتاً على السكان المحليين، وكل من يتعاون مع الجهات التي تطور هذه الاسلحة يعتبر شريكاً لكل ما ستخلفه من مآسي بشرية وانسانية.

حقائق علمية حول التنغستين
التنغستن هو العنصر الكيميائي الذي يرمز اليه بـ " W"، بسبب اسمه اللاتيني ""wolframium" وعدده الذري 74. هو صلب وثقيل مثل الفولاذ وناقل للحرارة. وللتنغستن استعمالات كهربائية والكثير من سبائكه ومركباته تستخدم على نطاق واسع في الكثير من التطبيقات العملية وعلى الاخص في المصابيح.
يتمتع هذا العنصر باعلى نقطة ذوبان وهي 3422 درجة مئوية، واقل ضغط بخاري واعلى درجة شد تحت درجات حرارة تصل فوق 1650 درجة مئوية، وهو في ذلك يعتبر الوحيد من نوعه من بين كل المعادن. مقاومته للتآكل ممتازة. يكوّن معدن التنغستين الاوكسيدات بتعرضه الى الهواء، ولكن يمكن اكسدته برفع درجة الحرارة. اضافة كميات قليلة من التنغستن الى السبائك الصلبة يزيد من درجة صلابتها كثيراً.
التنغستين يتألف من خمس نظائر مشعة، عمرها النصفي طويل جداً ولذلك يمكن اعتبارها بانها مستقرة.

المحاولات واوجه التشابه
بعث اطباء من المنظمات الغير حكومية المعنية بحقوق الانسان برسالة الى وزير الدفاع الاسرائيلي عامير بيرتز يطلبون فيها ايضاحات عن اصابات الفلسطينيين.
ما نرجوه من الرأي العام الدولي هو المبادرة بالاهتمام بهذه الاسلحة لكي لا يصل بنا المطاف يوماً الى الوقوف وجهاً لوجه امام تطورات المصانع، بعد الاستعانة بكل ما تحويه المراجع، كما حصل وكان في جنوب لبنان. فالنـزاع الذي شهدته المنطقة في يوليو – أغسطس 2006 ترك حوادث مميتة تتكرر بين الحين والاخر... الاصابات الناتجة عن القنابل العنقودية مفجعة، تلك القنابل التي ثقلت اعباء العديد من الجرحى بعاهات دائمة.

وكانت منظمة العفو الدولية قد نشرت وثيقة في 29 يناير 2007 جاء فيها وجوب ضمان قيام إسرائيل بتسليم خرائط القصف بالقنابل العنقودية في جنوب لبنان، ودعت الحكومة الاسرائيلية الى فرض حظر على استخدام تلك القنابل وتقديم الخرائط لمواقع الالغام الأرضية التي زرعتها قواتها في جنوب لبنان في العام الماضي. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد صرحت ببواعث قلقها في تقرير مرفوع الى الكونغرس حول امكانية ارتكاب اسرائيل لمخالفات للاتفاقية الامريكية – الاسرائيلية السرية حول استخدام القنابل العنقودية، فقامت منظمة العفو الدولية بحّث الحكومة الاسرائيلية على "تسليم الخرائط التفصيلية وإحداثيات المناطق الواقعة في جنوب لبنان التي ألقت فيها قواتها مئات الآلاف من القنابل العنقودية خلال النـزاع الذي دام 34 يوماً مع حزب الله". كما دعت منظمة العفو الدولية حكومة الولايات المتحدة باعتبارها مورّد للعديد من القنابل العنقودية التي اطلقتها القوات الاسرائيلية في جنوب لبنان، على حمل السلطات الاسرائيلية على تقديم التسهيلات والخرائط وغيرها من المعلومات ذات الصلة، بهدف التقليل من مخاطر وقوع المزيد من الاصابات في صفوف المدنيين.

ما نخشاه الان هو حدوث الاصطدامات المتواصلة بين الاجساد والتنغستين، لذلك يجب الالتزام بفرض حظر الاسلحة على دول ومجموعات وجهات معينة الى حين وضع آليات فعالة تكفل عدم استعمال الاسلحة لاقتراف انتهاكات خطيرة للقانون الانساني الدولي. وينبغي على الدول التأكد من عدم نقل الاسلحة التجريبية عبر اراضيها وعدم ارسال اية معلومات او مواد اولية تدخل في صناعة الاسلحة التجريبية والتي يمكن أن يساء استخدامها لاغراض ارتكاب انتهاكات جسيمة ضد اية فئة مدنية ـ اي انتهاكات القانون الدولي لحقوق الانسان والقانون الانساني الدولي. هذا ما ستضمنه المعاهدة الدولية الخاصة بتنظيم تجارة الأسلحة بعد سنين.

حشد مشروع قرار المعاهدة في الامم المتحدة حول المباشرة للعمل من اجل المعاهدة تأييد اغلبية الاصوات في الامم المتحدة في الـ 26 من اكتوبر 2006. كانت امريكا الدولة الوحيدة التي صوتت ضد القرار، في حين امتنعت اسرائيل وعدد قليل من الدول العربية عن التصويت.
عشت لحظات ولادة هذا القرار في منظومة الامم المتحدة، باجتماعاته و مناقشاته، ولقاءاته وتفاصيل مداولاته... سهرنا عليه الليالي واخلصنا في العمل الدبلوماسي وثابرنا على التفاعل الوجداني... كسرنا الجمود مبكراً، بمضاعفة الجهود، وجابهنا السدود حيناً، متمسكين بالالتزام بالمواثيق الدولية والعهود... اكملنا جزءاً مهماً من مشوارنا وواظبنا على تعزيز آلية التنفيذ... جاءت نتيجة التصويت كنجاح ساحق لضحايا ارهاب الاسلحة، ولكل طفل شهد انتهاك هدوء طفولته، ولكل انسان هضم منه حق من حقوقه. فعلنا ذلك لعلمنا بانهم في امس الحاجة الى المساعدة والمساندة والتعضيد.

ملاحظة: اي اراء قد تنشر بخصوص اي موضوع اكتبه او اية حملة اقوم بها يعبر عن مواقف اصحابها ولا علاقة لي ولمنظمة العفو الدولية بمحتواها.