الشيوعية : بداية مرحلة جديدة بيان الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية( سبتمبر 2008)- الفصل الثان

 

حين نفحص بنظرة ومنهج علميين ، التجربة الغنية للبلدان الإشتراكية الأولى والمرحلة الأولى من الثورة الشيوعية ككلّ ، يمكن أن نرى أن الشكل ليس ، كما يصمّون أذننا على الدوام ، أن الثورة الشيوعية بمحاولتها التخلّص من الرأسمالية كانت تبحث دون جدوى تجاوز الميزة الثابتة التى لا تتبدّل والتى تجعل الناس يهتمون بالمصالح الأنانية كحافز " أدنى" ، حافز يتعيّن أن يكون المبدأ المرشد والموجه للمجتمع الإنساني، خشية أن تنتهك "الطبيعة الإنسانية " وبالتالى يدفع المجتمع نحو الكارثة ويخضع الناس للإستبداد . المشكل كان أن هذه الثورة بينما جلبت تغييرات عميقة فى الظروف ولدى الناس ، نتيجة المبادرة المتصاعدة الوعي للناس الذين تبنوا وجهة النظر الشيوعية ، فإنها لم تحدث فى فراغ وبأناس "أوراق بيضاء" بل فى ظروف وبأناس نشأوا ضمن المجتمع القديم وب"بقايا" ذلك المجتمع (وآلاف السنين من العادة التى تجسد وتبرّر علاقات الإستبداد بين الناس). والمجتمعات الإشتراكية الجديدة التى ولدتها هذه الثورات وجدت فى عالم ما زالت تهيمن عليه الإمبريالية ذات السلطة التى ما برحت هائلة جدا إقتصاديا وسياسيا وعسكريا.

    ومثلما فهم ماركس ولينين بصورة أساسية ومثلما إكتشف  ماو وشرح بصورة أتمّ ، ليست الإشتراكية هدفا فى حدّ ذاته : ليست بعدُ الشيوعية وإنما هي <span>مرحلة إنتقالية</span> إلى الشيوعية ، يمكن بلوغها ليس فى هذا البلد أو ذاك البلد بالذات وإنما على النطاق العالمي فحسب، بالإطاحة بجميع الطبقات الحاكمة الرجعية والقضاء على جميع العلاقات الإستغلالية والإضطهادية  فى كلّ مكان. وأثناء كامل هذه المرحلة الإنتقالية الإشتراكية ، لكون الدول الرجعية ستواصل الوجود لبعض الوقت وتواصل تطويق وتهديد الدول الإشتراكية التى تولد ولكون بقايا المجتمع القديم ، فى علاقات الإنتاج والعلاقات الإجتماعية و البنية الفوقية السياسية والإيديولوجية و الثقافية ، التى تستمرّ فى الوجود ضمن المجتمع الإشتراكي نفسه ، حتى وإن أدى التقدّم فى الطريق الإشتراكي إلى تقليص هذه البقايا وتحويل جوانب هامة منها بإتجاه الهدف النهائي ،الشيوعية ...لكلّ هذا تظلّ إمكانية أن تفتك يد الماضي الذى لم يمت بعدُ و لا زال قويا، دفّة المجتمع وتوجهه إلى الخلف. بإختصار لهذه الأسباب يظلّ قائما خطر إعادة تركيز الرأسمالية طوال المرحلة الإنتقالية الإشتراكية ويمكن الكفاح ضد هذا وإلحاق الهزيمة به فقط بمواصلة الثورة ، داخل البلد الإشتراكي ذاته والقيام بذلك كجزء وبينما يتمّ دعم وتشجيع الثورة الشيوعية عبر العالم قاطبة.

     والإنقلاب على الإشتراكية وما هو حقا إعادة تركيز الرأسمالية فى الإتحاد السوفياتي والصين لم يكن مسألة "ثورة أكلت أبناءها" ... أو مسألة "ثوريين شيوعيين متآمرين تحولوا إلى طغاة مستبدين" لماّ وصلوا إلى السلطة...أو مسألة " قادة بيروقراطيين ، متحصنين فى السلطة مدى الحياة، يخنقون الديمقراطية (البرجوازية)، أو مسألة " نتيجة حتمية لتأبيد تنظيم المجتمع المراتبي" أو مسألة أي من الأفكار الخاطئة ... واللاعلمية جوهريا والتى لا يتوقف الترويج لها هذه الأيام لمهاجمة الشيوعية.

     إن الذين هزموا الثورة فى الإتحاد السوفياتي وفى الصين كانوا بالفعل أناسا فى المراتب العليا فى الحزب والدولة الثوريين ، لكن ما كانوا مجموعة لا وجه لها ولا طبقة، بيروقراطيين مهووسين بالسلطة لأجل مصلحتهم الخاصة. مثلما وصفهم ماو ، هم أناس "فى السلطة أتباع الطريق الرأسمالي". كانوا يمثلون لا الشيوعية بل الرأسمالية وبصفة خاصة بقايا الرأسمالية التى لم يتمّ بعدُ كليا إجتثاثها وتجاوزها ولم يكن ذلك ليحدث على المدى القريب وضمن حدود بلد إشتراكي معيّن أو آخر. 

   كون هؤلاء التحريفيين كانوا موظفين سامين فى الحزب وجهاز الدولة لا يكشف نوعا من العيب الجوهري فى الشيوعية أو فى الثورة الشيوعية أو المجتمع الإشتراكي كما تشكّل إلى الآن. إنه لا يشير إلى الحاجة إلى البحث عن طرق وأنماط أخرى تماما لصنع عالم جديد راديكاليا. فأسباب هذه الإنقلابات على الإشتراكية عميقة وهي متسقة مع فهم شيوعي علمي للمجتمع وبوجه خاص للإشتراكية كمرحلة إنتقالية من الرأسمالية إلى الشيوعية : إنها تكمن فى التناقضات التى فى جوانب هامة منها موروثة من المجتمع القديم الذى تمّت الإطاحة به غير أن هذه المظاهر والتأثيرات لم يجر تحويلها بعد تحويلا تاما. وهذه التناقضات بما فيها التناقضات بين العمل الفكري والعمل اليدوي ،المرتبطة بتقسيم المجتمع إلى طبقات وشكلت هي نفسها تقسيما كاملا وعميقا فى كافة المجتمعات التى تحكمها الطبقات الإستغلالية ، تفرز الحاجة إلى طليعة شيوعية منظمة لقيادة الثورة ، وليس فقط الإطاحة بالنظام الرأسمالي ولكن ثم مواصلة الثورة فى ظل المجتمع الإشتراكي وفى نفس الوقت تفرز خطر خيانة الثورة والإنقلاب عليها من قبل أناس فى مواقع قيادية فى صفوف الطليعة. ونظرا للتطوّر التاريخي الحالي للمجتمع الإنساني والطرق الممكنة للتغيير الآن ( لنتذكّر المقارنة بنظرية التطوّر فى العالم الطبيعي والعلاقة بين الضرورة والتغيير ، مسألة البدائل الفعلية ، فى العالم الواقعي ، إذا ما كنّا نروم تغييرا جذريا لهذا العالم ، بغية إجتثاث الإستغلال والإضطهاد والقضاء عليهما.) ليس قيادة مقابل لا قيادة ،او ديمقراطية مقابل لاديمقراطية أو دكتاتورية مقابل لادكتاتورية ، وإنما هي مسألة <span>طريق إشتراكي  أم طريق رأسمالي،</span> مسألة قيادة تتخذ توجها أم آخر ، ديمقراطية ودكتاتورية فى خدمة تعميق نوع أو آخر من النظامين، بإتجاه تعزيز وتأبيد الإستغلال والإضطهاد أو بإتجاه القضاء عليهما فى النهاية وبذلك فى الأخير القضاء على الحاجة لحزب طليعي أو دولة عندما تتوفر الظروف المادية والإيديولوجية التى تجعل ذلك ممكنا مع إنتصار الثورة الشيوعية عبر العالم قاطبة.(8)

 

    ملخص هذه النقطة هو أن المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية مضت بعيدا ، وحققت أشياء ملهمة لا تصدّق ، القتال من أجل تجاوز العراقيل الواقعية حقا التى واجهتها وفى التقدّم صوب عالم حيث سيتمّ فى النهاية القضاء على العلاقات الإستغلالية والإضطهادية وسيتمتّع الناس ببعد جديد من الحرّية وسيأخذون على عاتقهم وسينجزون تنظيم ومواصلة تغيير المجتمع فى كافة أنحاء العالم ،بمبادرة واعية وطوعية غير مسبوقة فى تاريخ البشرية. لكن ليس بالأمر الغريب أن وجدت أيضا نواقص هامة وأخطاء حقيقية وأحيانا أخطاء جدّية للغاية ، فى كلّ من الخطوات العملية التى إتخذها قادة تلك الثورات والمجتمعات الجديدة التى ولدت وفى مفاهيمهم ومناهجهم. وهذه النواقص والأخطاء ليست<span> سبب</span> هزائم المحاولات الأولى للثورة الشيوعية لكنّها ساهمت وإن كان بصورة ثانوية فى تلك الهزائم وأبعد من ذلك كلّ هذه التجربة للمرحلة الأولى بكلّ من إنجازاتها الملهمة حقّا وأخطاءها ونواقصها الحقيقية جدّا وأحيانا الجدّية جدّا، حتى وإن كانت عموما ثانوية ، ينبغى التعلّم منها بعمق من كلّ الجوانب لأجل إنجاز الثورة الشيوعية فى الوضع الجديد الذى ينبغى أن نواجهه والقيام بما هو أفضل هذه المرّة.

<span> / التحديات الجديدة والتوليف/التلخيص الجديد :</span>IV

     عندما إستولى التحريفيون على السلطة فى الصين سنة 1976 وطفقوا يعيدون تركيز الرأسمالية ، لفترة من الزمن لم يواصلوا فقط التظاهر بأنهم شيوعيون بالمعنى العام بل إدعوا كذلك بصفة خاصة أنهم يواصلون السير على هدي خطّ ماو وتراثه الثوريين. فى تلك الوضعية ما كان الشيوعيون عبر العالم فى حاجة إليه حقا هو الحفاظ على روح ومقاربة نقديين وتحديد هدف وإنجاز تحليل علمي لما كان قد حصل عمليا ولماذا والتمييز بين الشيوعية والرأسمالية، بين الماركسية والتحريفية كما وجدوا و كما جرى التعبير عنهما فى تلك الظروف الملموسة المعقدة. حينها  لم يكن من اليسير القيام بذلك الأمر وجلّ الشيوعيين فى العالم الذين نظروا للصين الماوية كنموذج ومشعل ثوريين أخفقوا فى القيام بذلك، وبالتالي إماّ إتبعوا عن عمى حكام الصين الجدد التحريفيين وسلكوا طريقا يؤدى إلى المستنقع وإماّ بأشكال أخرى تخلّوا عن نظرة الثورة الشيوعية وأهدافها.

    إستجابة للحاجة الماسة ورفضا لمسايرة ما حدث فى الصين ببساطة لأنه يحدث بإسم الشيوعية وبإستغلال السمعة العظيمة التى تمتّعت بها الصين الثورية وتمتع بها ماو بصفة صحيحة فى صفوف الثوريين والشيوعيين عبر العالم ( وبكلفة إنشقاق كبير داخل حزبنا) تصدّى بوب آفاكيان لمهمّة إنجاز تحليل علمي لما حدث فى الصين ولماذا ثم صارع من أجل فهم أن إنقلابا تحريفيا جدّ فعلا فى الصين وأن إعادة تركيز الرأسمالية تمّت فعلا. وإلى جانب ذلك قدّم عرضا منهجيا لمساهمات ماو فى تطوير علم وإستراتيجيا الثورة الشيوعية.(9)فى زمن إضطراب كبير ويأس  وفوضى فى صفوف "الماويين" عبر العالم ، لعب عمل بوب آفاكيان هذا دورا حاسما فى تركيز القاعدة الإيديولوجية و السياسية لتجميع الشيوعيين الباقين عقب خسارة الصين والتأثيرات المدمّرة لذلك على الحركة الثورية والشيوعية فى كافة أنحاء العالم.

    لكن برزت حاجيات حتى أعظم الآن. وبينما كان يقود حزبنا ،واصل بوب آفاكيان، خلال الثلاثين سنة الماضية تعميق تحليل علمي لتجربة الحركة الشيوعية العالمية وللمقاربة الإستراتيجية للثورة الشيوعية. وأفرز هذا العمل ظهور توليف /تلخيص جديد ،تطويرا للإطار النظري لإنجاز هذه الثورة.

    ومثلما يشير " القانون الأساسي" لحزبنا ، الوضع العالمي الراهن بما فى ذلك هزيمة الموجة الأولى من الثورة الشيوعية " يبرز من جدبد الحاجة الملحّة للشيوعية " و " بينما لا توجد أية دولة إشتراكية فى العالم ، هناك تجربة الثورات الإشتراكية وهناك جملة الأعمال الغنية النظرية العلمية التى تطوّرت خلال الموجة الأولى من الثورات الإشتراكية عليها نشيّد الصرح الجديد. بيد أن نظرية وممارسة الثورة الشيوعية يتطلبان التقدّم لمواجهة تحدّيات هذا الوضع و التعاطي علميا مع التجربة العامة للموجة الأولى من الثورة الإشتراكية والإنعكاسات الإستراتيجية للتغيرات الواسعة التى تحدث فى العالم وإستخلاص الدروس الضرورية من كلّ ذلك.

    لقد إضطلع بوب آفاكيان بهذه المسؤولية وطوّر جملة من الأعمال والمنهج و النظرة الشيوعيين تستجيب لهذه الحاجيات والتحدّيات الكبرى."

وفى هذه الجملة من الأعمال والمنهج و النظرة ، فى هذا التوليف/التلخيص الجديد الذى أنجزه بوب آفاكيان ،هناك تشابه مع ما قدّمه ماركس فى بداية الحركة الشيوعية ، هناك تركيز فى الظروف الجديدة الموجودة ، إثر نهاية المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية لإطار نظري لتجديد تقدّم تلك الثورة. لكن اليوم ، وبهذا التوليف /التلخيص الجديد ، بالتأكيد<span> ليس</span> الأمر مسألة "عود على بدء" كما لو أن ما يدعى إليه يرمى إلى التخلّى عن كلّ من التجربة التاريخية للحركة الشيوعية و المجتمعات الإشتراكية التى ولدتها و "جملة الأعمال الغنية للنظرية الثورية العلمية " التى تطوّرت فى خضم هذه التجربة الأولى. ستكون هذه مقاربة غير علمية وفعلا رجعية. بالأحرى ، المطلوب – وما قام به بوب آفاكيان- هو البناء على كل ما حدث قبلا ،نظريا وعمليا- وإستخلاص الدروس الإيجابية و السلبية من ذلك ورفع هذا إلى مستوى توليف/تلخيص جديد و أرقى.

    وعروض ومنشورات أخرى لحزبنا وفرت نقاشا أشمل وأكثر منهجية لهذا التوليف/التلخيص الجديد(10). وهنا بإختصار سنلقى الضوء على بعض أهمّ عناصره :

◙ من الناحية الفلسفية والمنهجية ، يعيد هذا التوليف/التلخيص الجديد فى معناه الأساسي ، إرساء الماركسية على أكمل وجه على جذورها العلمية. إنه يعنى أيضا التعلّم من التجربة التاريخية الغنية منذ زمن ماركس ، مدافعا عن الأهداف و المبادئ الجوهرية للشيوعية ،التى ثبت أنها صحيحة أساسا ،وناقدا ونابذا المظاهر التى ثبت أنها خاطئة أو لم تعد قابلة للتطبيق ومؤسسا شيوعية على أساس علمي أتمّ وأصلب.

   فى المفهوم الأصلي للتطوّر التاريخي للمجتمع الإنساني نحو الشيوعية ،حتى كما صاغه ماركس ،وجدت نزعة ، وإن كانت بالتأكيد نزعة ثانوية ، نحو نظرة نوعا ما ضيقة وخطّية. وتجسّد هذا مثلا فى مفهوم " نفي النفي" ( نظرة أن الأشياء تسير بطريقة بحيث أن شيئا معينا ينفيه شيئ آخر بدوره يؤدى إلى نفي أعمق ويتضمّن عناصر من الأشياء السابقة لكن الآن على مستوى أعلى).

   وهذا المفهوم إستعير من النظام الفلسفي الهيجلي الذى مارست فلسفته تأثيرا هاما على ماركس (وإنجلز) حتى حينما ، أعادوا فى الأساس صياغتها وركزوا نظرة هيغل الجدلية على قاعدة مادية ، هذه النظرة الهيجلية المتميزة بالمثالية الفلسفية ( نظرة أن التاريخ فى جوهره كشف للفكرة). كما جادل بوب آفاكيان ، " نفي النفي " يمكن أن ينزع نحو "الحتمية" كما لو ان الشيئ حتما سينفيه شيئ آخر على نحو معيّن ، مؤديا لما هو تقريبا تلخيص محدّد سلفا. وحين يطبّق على البحث فى تاريخ المجتمع الإنساني ، بطريقة تجعله ببساطة مركّبا (مثل صيغة : مجتمع بدائي (مشاعي) خال من الطبقات ينفيه مجتمع طبقي بدوره سينفيه ظهور مجدّدا لمجتمع خال من الطبقات ، لكن الآن على أساس أرقى، ببلوغ الشيوعية عبر العالم) فإن النزعة نحو الإختزالية فى ما يتصل بالتطوّر التاريخي للمجتمع الإنساني المعقّد للغاية و المتنوّع ، النزعة نحو "نظام مغلق"  ونحو "الحتمية" تبدو أوضح وإشكالية أكثر.

    ومن جديد ، كان هذا نقيصة ثانوية فى الماركسية عند تأسيسها ( وكما جادل بوب آفاكيان كذلك : " الماركسية ،الشيوعية العلمية، لا تجسّد وفى الحقيقة ترفض كل مفهوم ..لاهوتي بأن هناك نوعا من الإرادة و الغاية وفقهما تسير الطبيعة أو يسير التاريخ" (11) . لكن مثل هذه النزعات أكدت نفسها بالكامل مع تطوّر الحركة الشيوعية وصارت ضارة بشكل خاص ومارست تأثيرا سلبيا ، على تفكير ستالين الذى بدوره أثّر على نظرة ماو الفلسفية حتى حين نبذ ماو وقطع إلى حدود هامّة مع نزعات ستالين نحو "التخشّب" والمادية الميكانيكية، نوعا ما ميتافيزيقية. والتوليف/التلخيص الجديد لبوب آفاكيان يجسّد مواصلة لقطع ماو مع ستالين لكن أيضا فى بعض جوانبه قطيعة أبعد بما تأثّر به ماو ذاته، حتى وإن ثانويا، من ما صار نمط التفكير فى الحركة الشيوعية فى ظلّ قيادة ستالين.

◙ الأممية.

 فى بداية الثمانينات ، فى عمله "كسب العالم؟" (12) قام بوب آفاكيان بنقد واسع لتيارات خاطئة فى تاريخ الحركة الشيوعية ، وبصفة خاصة ، التوجّه نحو القومية ، نحو فصل النضال الثوري فى بلد معيّن وحتى رفعه فوق النضال الثوري من أجل الشيوعية عبر العالم. وقد فحص طرق تمظهر هذه النزعة ذاتها فى كلّ من الإتحاد السوفياتي والصين ، لما كانتا بلدين إشتراكيين والتأثّر الذى مارسته على الحركة الشيوعية بصورة أوسع وضمن ذلك أحيانا تحركات واضحة لإلحاق النضال الثوري فى البلدان الأخرى بحاجيات الدولة الإشتراكية القائمة

 ( أولا فى الإتحاد السوفياتي ، ثم فى الصين لاحقا ). فضلا عن هذا أجرى آفاكيان تحليلا أعمق للقاعدة المادية للأممية ولماذا فى النهاية وبمعنى شامل ، المجال العالمي هو الأكثر حيوية ، حتى بمعنى ثورة فى أي بلد معيّن، لا سيما  فى هذا العصر الرأسمالي- الإمبريالي كنظام إستغلال عالمي ، وكيف أن هذا الفهم يجب أن يدمج فى نظرة الثورة ، فى بلدان معيّنة وكذلك على النطاق العالمي.

   بينما كانت الأممية دائما مبدأ جوهريا فى الشيوعية منذ بداية تأسيسها ، فإن آفاكيان لخّص الطرق التى كانت موضع مساومة خاطئة فى تاريخ الحركة الشيوعية وكذلك عزّز الأساس النظري لخوض هذا الصراع لتخطّى مثل هذه الإنحرافات عن الأممية ولإنجاز الثورة الشيوعية بطريقة أممية صريحة. 

◙ حول طبيعة دكتاتورية البروليتاريا و المجتمع الإشتراكي كمرحلة إنتقالية نحو الشيوعية . بينما تشرّب بعمق وتعلّم من ودافع بحزم عن ونشر المساهمات العظيمة لماو بصدد طبيعة المجتمع الإشتراكي كمرحلة إنتقالية إلى الشيوعية والتناقضات والنضالات التى تميّز هذه المرحلة الإنتقالية والتى بحلّها ، فى إتجاه أو آخر ، تكون حيوية للتقدّم صوب الشيوعية أو العودة إلى الرأسمالية، أقرّ بوب آفاكيان وشدّد على الحاجة لدور أعظم للمعارضة وتبنى أكبر للخميرة[بمعنى الصراعات] الفكرية ومجال أوسع للمبادرة والإبداع فى الفنون فى المجتمع الإشتراكي. ونقد نزعة "تحويل الشيئ فى الذهن إلى شيئ خارج الذهن"، نزعة تحويل البروليتاريا ومجموعات المستغَلين الآخرين (أو المتغَلين سابقا فى المجتمع) ، نزعة ترى أناسا معينين فى تلك المجموعات ك<span>أفراد</span> ، كممثلين لأوسع مصالح البروليتاريا كطبقة والنضال الثوري الذى يتناسب مع المصالح الجوهرية للبروليتاريا ، بالمعنى الأشمل. وقد ترافق هذا بنظرات ومقاربات ضيقة ، براغماتية وتجريبية تحدّد ما هو فعّال أو ما يمكن تحديده (أو إعلانه) على أنه حقيقة بما يرتبط بالتجارب والنضالات المباشرة التى تشارك فيها جماهير الشعب وبالأهداف الفورية للدولة الإشتراكية وحزبها القائد ، فى كلّ وقت معيّن. وهذا بدوره دفع هذه النزعات التى كانت عنصرا مميّزا للإتحاد السوفياتي وكذلك للصين لمّا كانا إشتراكيين بإتجاه مفهوم "الحقيقة الطبقية"، التى هي بالفعل تتعارض مع الفهم العلمي بأن الحقيقة موضوعية ولا تتغيّر وفقا لمختلف المصالح الطبقية، و لا تعتمد على النظرة الطبقية التى يحملها الباحث عن الحقيقة. إن النظرة والمنهج الشيوعيين العلميين ، لو إستوعبا وطبّقا كعلم حيّ وليس كدوغما ،لوفّرا ،بمعنى عام ،الوسيلة الأكثر إتساقا ومنهجية وشمولية للتوصّل إلى الحقيقة لكنها <span>ليست </span> نفس الشيئ وقول إنّ للحقيقة ذاتها طابعا طبقيا أو أن الشيوعيين سيتوصلون للحقيقة فيما يتعلّق بالظواهر المعنية ، بينما الناس الذين لا يطبقون أو حتى الذين يعارضون النظرة والمنهج الشيوعيين ليسوا قادرين على بلوغ حقائق هامّة. ومثل هذه النظرة " للحقيقة الطبقي" التى وجدت إلى درجات مختلفة وبأشكال متنوعة داخل الحركة الشيوعية نظرة مادية إختزالية وجلفة وتذهب ضد وجهة النظر والمنهج العلميين الفعليين ل<span>لمادية الجدلية</span>.

   وكجزء من التوليف/التلخيص الجديد ، نقد بوب آفاكيان وجهة النظر الإحادية الجانب فى الحركة الشيوعية تجاه المثقفين نحو رؤيتهم فقط ك<span>مشكل</span> والإخفاق فى الإعتراف الكامل بالطرق التى يمكن ان تساهم فى السيرورة الغنية التى سيصل بها الناس فى المجتمع ككل إلى فهم أعمق للواقع وقدرة أشدّ على الصراع المتزايد الوعي لتغيير الواقع صوب الشيوعية.

    ومن جديد ، كما يشرح ذلك " القانون الأساسي" لحزبنا :

" ويشمل التوليف/التلخيص الجديد تقديرا عظيما للدور المهمّ للمثقفين والفنانين فى كل هذه السيرورة  فى متابعة رؤاهم الخاصة وكذلك فى مساهمة أفكارهم فى الخميرة الأوسع كلها – وكل هذا مجدّدا ،ضروري للحصول على سيرورة أغنى بكثير...

    بإختصار، فى هذا التوليف/التلخيص الجديد الذى طوّره بوب آفاكيان ،ينبغى أن يوجد لبّ صلب يتمتّع بالكثير من المرونة. وهذا ، قبل كلّ شيئ ، منهج ومقاربة ينطبق بصورة واسعة جدا...وإدراك جلي للمظهرين [اللبّ الصلب و المرونة] وترابطهما ،ضروري فى فهم الواقع وتغييره، فى جميع المجالات وحاسم فى إنجاز تغييرات ثورية فى المجتمع الإنساني...

   مطبقة على المجتمع الإشتراكي ، تتضمّن هذه المقاربة للب الصلب والكثير من المرونة ، الحاجة إلى لبّ قيادة وتوسّع ، لبّ له فكرة واضحة عن الحاجة لدكتاتورية البروليتاريا وهدف مواصلة الثورة الإشتراكية كجزء من النضال العالمي من أجل الشيوعية ومصمّم على مواصلة خوض النضال ،عبر جميع المنعرجات والإلتواءات. وفى نفس الوقت ، سيوجد بالضرورة أناس وتيارات متنوعة فى المجتمع الإشتراكي يدفعون نحو إتجاهات مختلفة وكلّ هذا يمكن فى النهاية أن يساهم فى سيرورة بلوغ الحقيقة وبلوغ الشيوعية. وسيكون هذا شديدا أحيانا وصعوبة تبنّى كل هذا (بينما ما زالت تقاد كافة السيرورة الشاملة بإتجاه الشيوعية) ستكون شيئا مثل الذهاب ،على حدّ قول بوب آفاكيان، إلى عملية التفكيك و التركيب مرارا وتكرارا وكلّ هذاعسير لكنه ضروري وهو سيرورة مرحّب بها."

   وكنقطة ناظمة لكل هذا ،شدّد آفاكيان على توجّه "محرّرو الإنسانية" : الثورة التى يجب القيام بها والتى يجب أن تكون الجماهير القوّة الدافعة الواعية فيها ، لا تتعلّق بالإنتقام ولا بتغيير فى الواقع داخل إطار ضيّق ( "الأول يصبح الأخير والأخير يصبح الأول") وإنما هي تتعلّق بتحويل العالم بأسره حتى لا يوجد أناس هم "الأولون" وآخرون هم " الأخيرون" ، فالإطاحة بالنظام القائم وإرساء دكتاتورية البروليتاريا ومواصلة الثورة فى هذه الظروف غرضه كله وهدفه هو القضاء على كافة الإنقسامات الإضطهادية والعلاقات الإستغلالية ضمن البشر و التقدّم لعصر جديد تماما فى تاريخ الإنسانية.

◙ النظرة الإستراتيجية للثورة :

   أعاد التوليف/التلخيص الجديد لآفاكيان تركيز أرضية العمل الشيوعي وأثرى الفهم الأساسي اللينيني لحاجة جماهير الشعب لتطوير الوعي الشيوعي ليس فقط ولا رئيسيا عبر تجربتها الخاصة وصراعاتها المباشرة لكن أيضا عبر الفضح الشامل لطبيعة ومميزات النظام الرأسمالي الإمبريالي و توضيح قناعات وأهداف ونظرة ومنهج الشيوعية التى يقدّمها للجماهير بطريقة منهجية وشاملة منظّمة حزبية طليعية ، رابطة الكفاح فى وقت معيّن مع وموجّهة إياه نحو الهدف الإستراتيجي الثوري ، بينما كذلك "يعرض أمام الجماهير" المسائل والمشاكل الأساسية للثورة ويشركها فى صياغة وسائل معالجة هذه التناقضات والتقدّم بالكفاح الثوري. بقيادة بوب آفاكيان ،التوجّه الإستراتيجي الجوهري الضروري لإنجاز العمل الثوري وظهور شعب ثوري ،بالملايين والملايين و ثمّ إغتنام الفرص حين تتوفّر فى النهاية ( والقدرة على القتال والكسب فى هذه الظروف) وتتطوّر وتواصل مزيد التطوّر(بإرتباط بهذا ، راجعوا "الثورة و الشيوعية : الأسس والتوجّه الإستراتيجي " كتيب "الثورة" 2008).

   كلّ هذا يفنّد تفنيدا حيّا الذين يجادلون بأن الثورة ليست ممكنة فى البلدان الإمبريالية أو أن جهود الشيوعيين العملية و النظرية يجب أن تنصب هناك على النضال من أجل إصلاحات و"حلول" للمشاكل المباشرة للجماهير ، بطريقة تقطع مع الأهداف الثورية والنظرة الشيوعية ، والتى ستؤدى ، فى الواقع ، إلى الإبتعاد عن ذلك طالما أن تأثيرات جماهير الشعب ستقودها إلى طريق مسدود ، طريق الإحباط وفى الأخير إلى التأقلم مع النظام الإضطهادي القائم.

    وفى نفس الوقت، كما طوّر هذا التوليف/التلخيص الجديد ، فإن التوجه الإسترتيجي الجوهري  للثورة فى البلدان الإمبريالية مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، لفت آفاكيان الإنتباه أيضا إلى التحدّيات الجديدة للنضال الثوري ، و الحاجة إلى مزيد تطوير الإستراتيجيا الثورية ، فى البلدان التى تهيمن عليها الإمبريالية الأجنبية ، نظرا للتغيرات الكبرى فى العالم ، وفى أغلب هذه البلدان ، فى العقود الأخيرة. 

  و وضع هذا التوليف/التلخيص الجديد فى العديد من أبعاده الحاسمة (التى لم نستطع سوى تناولها بإقتضاب هنا ) الثورة و الشيوعية على أساس علمي أصلب. ومثلما شدّد على ذلك آفاكيان ذاته :

    " غاية فى الأهمية هو عدم التقليل من أهمية التوليف/التلخيص وقوّته الإيجابية الكامنة : نقد أخطاء ونواقص هامة و القطع معها بينما نقدّم و<span>نعيد بريق </span> ما كان إيجابيا فى التجربة التاريخية للحركات الشيوعية العالمية و البلدان الإشتراكية التى وجدت إلى الآن، وبمعنى حقيقي نعيد إحياء – على قاعدة جديدة وأكثر تقدّما – <span>قابلية نجاح </span>ونعم ال<span>رغبة</span> فى عالم جديد ومختلف جذريا ،و إقامة هذا على أساس أصلب من المادية الجدلية...لذا لا يتعيّن أن نستهين بإمكانية هذا كمصدر للأمل و الجسارة على قاعدة علمية صلبة."(13).

<span> / الشيوعية فى مفترق طرق : طليعة للمستقبل أم بقية الماضي؟</span>V

   إزاء التحدّيات و الصعوبات المستمرّة فى الفترة الخالية ، فسح التجميع الأولي للشيوعيين الذى حدث بعد الهزيمة فى الصين ونهاية المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية ، إلى مدى هام فى المدّة الأخيرة لخلافات حادة . فمن جهة حزبنا الذى لخّص خطّه الأساسي فى " قانوننا الأساسي " الجديد ،سوية مع بعض الآخرين المنجذبين نحو التوليف/ التلخيص الجديد ومن جهة أخرى ، تياران معارضان سواء متعلقين دينيا بكافة التجربة السابقة و النظرية والمنهج المرتبطان بها أو (جوهريا وليس فى الكلمات) متخلين عن كلّ هذا جملة و تفصيلا.

  بمعنى معيّن جرى توقع ذلك فى إجابات "كسب العالم؟" حين نشر لأوّل مرّة ، تقريبا قبل ثلاثة عقود من الآن. ومن ناحية أخرى وجد الذين فى الحركة الشيوعية العالمية أزعجهم ما قيل فى "كسب العالم؟" مدّعين أنه قلّص تجربة الحركة الشيوعية إلى "راية مستهجنة" (وهي إجابة بحدّ ذاتها تعكس نظرة دغمائية و هشّة لما هي الشيوعية ، عوض رؤيتها وإدراكها كما هي فعلا : علم ثوري نقدي حي ومتطوّر ، وإحدى مظاهره المساءلة الذاتية المستمرّة ) ومن ناحية أخرى إلى جانب الذين رحبوا ب"كسب العالم؟" لأسباب صحيحة ، هناك الذين رحبوا فعليا به <span>لكنهم</span> فعلوا ذلك بنظرة ترغب فى أن يشكّل وتدا يفتح الباب لنبذ التجربة التاريخية برمتها والتخلى عنها ، التجربة التاريخية التى يتطرّق لها "كسب العالم؟" بشكل نقدي من وجهة نظر مختلفة جوهريا ، تعترف موضوعيا بأن هذه التجربة كانت رئيسيا إيجابية وحققت تقدّما غير مسبوق تاريخيا بالنسبة للإنسانية ينبغى بصلابة الدفاع عنه ولكن أيضا تعترف بوجود مشاكل ونواقص وأخطاء بعضها جدّي للغاية تحتاج التعمّق فيها وتفحصها نقديا و التعلّم منها كذلك. فى ذلك الوقت ، كانت هذه الردود المتضاربة بشأن "كسب العالم؟" فى حالات جنينية وضمن إطار عام من الوحدة المحدّدة بصورة واسعة. وفقط مع تطوّر الأحداث فى العقود القليلة التالية ومع تجربة مواجهة مزيد من الصعوبات (بما فى ذلك تراجعات فى النضالات ، بدا فى وقت معيّن أنها توفّر أرضية جديدة وتجسيدا لإعادة إحياء الحركة الشيوعية فى العالم)، تطوّرت هذه النظرات المعارضة وإحتدّت .

    واليوم ،فى جانب الذين يرفضون فحص التجربة التاريخية للحركة الشيوعية فحصا نقديا ، من الشائع وجود ظاهرة التأكيد على "الحقيقة الطبقية" و تحويل الشيئ الداخل فى الذهن إلى شيئ خارج الذهن بالنسبة للبروليتاريا المرتبطة بها وعموما نظرة للنظرية و المبادئ الشيوعية كنوع من الدوغما ، قريب من التعاليم الدينية ، و جوهريا " نعرف كلّ ما نحتاج إليه ، لدينا جميع المبادئ المطلوبة ويتعلّق الأمر فقط بتنفيذ الحكمة الموروثة ". وفى القطب المعاكس ، يوجد الذين لهم فهم للتجربة التاريخية للحركة الشيوعية وبشكل خاص أسباب الصعوبات و النكسات و الهزائم ، سطحي وضعيف أيضا ، يجهل أو يستبعد التحليل الشيوعي العلمي للتناقضات العميقة التى ولّدت خطر إعادة تركيز الرأسمالية فى المجتمع الإشتراكي ، والذين يحاولون تعويض ذلك التحليل بالنظرة المستندة إلى المبادئ و المعايير الديمقراطية البرجوازية ومفاهيم الشرعية البرجوازية الديمقراطية المرتبطة بالسيرورة الشكلية للإنتخابات وبتنافس الأحزاب السياسية ، وهو أمر شائع فى المجتمع الرأسمالي ومتوافق جدّا مع ويؤدى إلى ممارسة الطبقة الرأسمالية للسلطة السياسية. والذين يتمسّكون بهذه المواقف ، حتى حينما يواصلون إدعاء لبس عباءة الشيوعية ، متلهّفون لنبذ مفهوم دكتاتورية البروليتاريا وتجربة دكتاتورية البروليتاريا و النأي بأنفسهم عنهما وفى كثير من الحالات حتى عن التلفّظ بذلك. وبالفعل ، مثل هؤلاء الناس يبحثون عن "تحرير أنفسهم" من أكثر تجربة تحرّرية فى تاريخ الإنسانية إلى الآن !  ويدعون أنهم يريدون التحرّك للأمام بسرعة ، إستجابة لمتطلبات الظروف الجديدة... لكن لديهم روابط مع الأدوات الخاطئة وهم يتحركون بسرعة<span> فى الإتجاه العكسي</span>  منسحبين على عجل نحو الديمقراطية البرجوازية والحدود الضيقة للحق البرجوازي (14) ، عابرين القرون من القرن ال21 إلى القرن 18.

    وفى حين أن هذه التوجهات الخاطئة التى حدّدناها هنا تتضمّن إختلافات هناك أيضا مظهر هام فيه هي متشابهة وفى الواقع تشترك  فى مظاهر هامة. فى الحقيقة تجدر الملاحظة بأن فى السنوات الأخيرة وجدت ظاهرة أن بعض المجموعات "تتقلّب" بين قطب وآخر ، لاسيما  بين الدغمائية و التيارات المرتبطة بها إلى معانقة الديمقراطية البرجوازية ( وإن ظلّت تتقنّع بالشيوعية). وإليكم بعض أهمّ السمات المشتركة بين هذه التيارات :

♦ عدم الإضطلاع أو عدم الإنخراط مطلقا بأي طريقة منهجية ، فى تلخيص علمي للمرحلة الأولى من الحركة الشيوعية وبوجه الخصوص للتحليل الثاقب لماوتسى تونغ لخطر وقاعدة إعادة تركيز الرأسمالية فى المجتمع الإشتراكي. وهكذا ، بينما قد تدافع أو قد كانت تدافع فى الماضي عن الثورة الثقافية فى الصين ، تفتقر إلى أي فهم حقيقي وعميق للماذا كانت هذه الثورة الثقافية ضرورية ولماذا وبأية مبادئ وأهداف أطلقها ماو وقادها. إنها تحوّل الثورة الثقافية ، فى الواقع ، إلى مجرّد حلقة أخرى فى ممارسة دكتاتورية البروليتاريا أو من جهة أخرى تعيد تأويلها على أنها نوع من الحركة الديمقراطية البرجوازية "المناهضة للبيروقراطية" تمثّل فى جوهرها نقضا للحاجة لطليعة شيوعية ودورها القيادي المؤسساتي فى المجتمع الإشتراكي ، عبر المرحلة الإنتقالية إلى الشيوعية .

♦ النزعة المشتركة لتحويل "الماوية " لمجرّد وصفة لخوض حرب الشعب فى بلدان ما يسمّى بالعالم الثالث بينما تهمل مجدّدا أو تقلص أهمية أهمّ مساهمة من مساهمات ماو فى الشيوعية : تطويره لنظرية وخطّ مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا وكافة التحليل الثري والمنهج العلمي اللذان عليهما تأسّس ذلك و اللذان جعلا تطوير تلك النظرية وذلك الخطّ ممكنا .

♦ الفلسفة التجريبية و البراغماتية و التجريبية . ومن جديد بينما يمكن أن يتخذ هذا تعبيرات متنوّعة تبعا لوجهات النظر والنظرات المتنوعة الخاصّة، فإن الشائع عندها هو إبتذال النظرية والإستهانة بها ، محوّلينها ل "مرشد للعمل" فقط بالمعنى الأضيق والأكثر مباشرة، معاملين النظرية كما لو أنها ، جوهريا ، إفراز ممارسة خاصة ومحاولين عقد مقارنة بين الممارسة المتقدّمة ( التى ، من جانب هؤلاء الناس ، تتضمّن عنصرا من التقييم الذاتي والإعتباطي ) و النظرية المتقدّمة المفترضة. إن وجهة النظر الشيوعية العلمية ،المادية الجدلية ، تؤدّى إلى فهم أن الممارسة هي مصدر ومحكّ النظرية ، لكن على عكس هذه التشويهات التجريبية الضيقة ، يجب فهم هذا على أن الممارسة بالمعنى الواسع ، شاملة التجربة الإجتماعية و التاريخية الواسعة ، وليس فقط التجربة المباشرة لشخص أو مجموعة  أو حزب أو أمّة. تأسيس النظرية الشيوعية ذاتها ومزيد تطويرها يبيّن ذلك بقوّة : منذ زمن ماركس ، تشكّلت هذه النظرية وأثيرت إنطلاقا من جملة واسعة من التجارب ، فى جملة واسعة من الحقول المختلفة وخلال تطوّر تاريخي واسع النطاق ، فى المجتمع و الطبيعة. ستتحوّل مقولة أن الممارسة مصدر النظرية ومقولة " الممارسة معيار صحّة النظرية " إلى <span>كذب عميق </span>إن جرى تأويلها وتطبيقها بأسلوب ضيّق ، تجريبي وذاتي.

♦ بصورة هامة للغاية ، هذه التوجهات "المتناقضة تناقض إنعكاس المرآة " الخاطئة تشترك فى كونها تحوّلت إلى أو إنسحبت إلى نماذج من الماضي، من هذا النوع أو آخر( مع أن النماذج الخاصة يمكن أن تختلف) : إما متعلّقين بدغمائية بالتجربة الماضية للمرحلة الأولى من الثورة الشيوعية ( أوبالأحرى ، لفهم ناقص إحادي الجانب وفى النهاية خاطئ) أو الإنسحاب إلى مجمل العصر الماضي والثورة <span>البرجوازية </span> ومبادئها : عائدين إلى ما هو فى الجوهر نظريات القرن18 للديمقراطية (البرجوازية ) بقناع او بإسم " شيوعية القرن 21 " وفى الواقع مساوين "شيوعية القرن21 " هذه بديمقراطية مفترضة " نقية " أو " لاطبقية " ، ديمقراطية فى الواقع ، طالما وجدت الطبقات ،لايمكنها إلآ أن تعني ديمقراطية <span>برجوازية</span> <span>ودكتاتورية</span> برجوازية (15). كل هذا فى الوقت الذى يجرى فيه إهمال أو إعتبار متقادم أونبذ كدوغما ( أو حصره ضمن تصنيف بلا معنى " أبجديات الشيوعية " يعترف بها بصفة مجرّدة وبعد ذلك توضع جانبا بإعتبارها غير صالحة للنضال العملي) الفهم الشيوعي العلمي الجوهري الذى دفع ثمنه أصلا ومرارا و تكرارا دم بلايين المضطهَدِين منذ زمن كمونة باريس ، فهم أن الدولة القديمة ،الرجعية يجب أن تحطّم وتفكّك ويجب أن تولد دولة جديدة راديكاليا ممثّلة المصالح الثورية للمستغِلِين السابقين فى تغيير المجتمع باسره وتحرير الإنسانية جمعاء وإلاّ فإن أي مكاسب حققها النضال الثوري ستبدّد وتحطّم وسيقضى على القوى الثورية.(16)

     فقط بالقطع مع هذه التوجهات الخاطئة والإنخراط بعمق والتحوّل إلى أرضية أصلب من نظرة الشيوعية ومنهجها ومبادئها كما جرى تطويرها إلى حدّ الآن (وينبغى مزيد تطويرها بإستمرار) ينهض الشيوعيون بالمسؤولية والتحدّى العظيمين لأن يكونوا فعلا طليعة المستقبل ولا يأسرون أنفسهم فى أن يكونوا [أو يفسدوا] ويصبحوا بقية الماضي، وبالقيام بذلك يخونون الجماهير الشعبية عبر العالم التى تمثّل لهم الثورة الشيوعية السبيل الوحيد للخروج من جنون ورعب العالم الراهن صوب عالم يستحق حقا العيش فيه.

 <span>/ ثورة ثقافية صلب الحزب الشيوعي الثوري :</span> VI

   ولم يكن حزبنا ذاته بمنأى عن تأثير الخطوط التحريفية التامة الخاطئة . وفى الواقع ، الخطوط والنزعات التى نقدنا هنا لم توجد فقط صلب حزبنا ، على إمتداد سنوات ، بل إلى المدّة الأخيرة ، مارست دفعا قويّا وشكّلت خطرا حقيقيا يهدّد بأن يكفّ حزبنا عن أن يكون حزبا شيوعيا ثوريا وعوض ذلك يفسد ويتحوّل إلى مجموعة أخرى من الإصلاحيين ، حتى وإن أبقت ،على الأقلّ لفترة من الزمن ، لباس الشيوعية.

    طوال فترة الثمانينات والتسعينات ، تطوّر وضع صلب حزبنا فيه بالفعل وجد <span>حزبان</span>، يمثّلان جوهريا طريقين متعارضين . من ناحية، كان هناك الخطّ "الرسمي" للحزب ، و التطوير الجاري له كما تجسّد بوجه خاص فى التوليف/التلخيص الجديد الذى كان ينجزه بوب آفاكيان ، وبالأساس ،عبّرت عنه جريدة الحزب ( "العامل الثوري" ، الآن " الثورة " ) ووثائق ومنشورات أخرى للحزب. لكن فى نفس الوقت، فى تصاعد معارضة التوليف/التلخيص الجديد و الخط الشيوعي الثوري ككلّ وجدت نظرات تحريفية تمايزت فى بعض الخصوصيات لكنها كانت مشتركة موضوعيا ، فى أنها تصبّ فى التخلّى عن النظرة والأهداف الشيوعية الثورية متأقلمة مع النظام الإمبريالي وقابلة به وفى أفضل الأحوال عاملة من أجل إصلاحات ضمن هذا النظام الفظيع.

   ما هي أهمّ مظاهر هذه الخطوط التحريفية وأهمّ العوامل المؤدية إلى نموّها وتزايد تأثيرها داخل حزبنا ؟

•--- الهزيمة فى الصين ونهاية المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية (مرفوقة بعقود من "الإستقرار " النسبي فى أقوى بلد إمبريالي فى العالم، إثر هذه الهزيمة وإنحسار الإنتفاضة العظيمة للستينات إلى بداية السبعينات فى الولايات المتحدة وكذلك على النطاق العالمي ) لم تحدث فقط بلبلة وإحباط لدي الكثيرين الذين أرادوا وقاتلوا من أجل تغيير جذري للعالم وأيضا للناس بشكل أوسع ، وإنما كان هذا صحيحا ضمن الشيوعيين وداخل حزبنا. تتكوّن الأحزاب الشيوعية من أناس يجتمعون على أساس فهم علمي متقدّم لضرورة وإمكانية الثورة ،غايتهم مستقبل مغاير جوهريا وأفضل بكثير بالنسبة للإنسانية، لكنهم يوجدون ويقومون بعملهم فى النظام القائم ، ليسوا ولا يمكنهم و لايجب ان يكونوا منفصلين وليس أقلّ منغلقين عن بقية العالم والظروف التى يفرضها و التأثيرات التى يمارسها.

   وفى نفس الوقت ، مستغلين هزائم ونكسات الثورة الشيوعية ، قام المدافعون عن النظام القديم ومادحوه طوال عديد العقود الماضية بهجوم إيديولوجي مستمرّ على الشيوعية وكان لهذا تأثير على الدفع نحو التأقلم مع الإمبريالية ،خصوصا فى بلد مثل الولايات المتحدة ، بلد قويّ لدرجة كبيرة.

   متحدّثا لإجتماع حزبي هام قبل بضعة سنوات حيث تطرّق مباشرة ونقد بشدّة الخطوط التحريفية داخل الحزب ، ساق بوب آفاكيان الملاحظات التالية :

" دعونا ننظر مجدّدا إلى هذا. تحدثت عن كيف أننا لا نزال نعاني من تأثيرات خسارة الصين. لا يجب أن نستهين بهزيمة الصين وكلّ ما نجم عنها وكلّ ما قام به الإمبرياليون وبنوه على ذلك الأساس. خسارة الصين وكلّ ما كانت تمثّله بالنسبة للبروليتاريا العالمية والثورة البروليتارية العالمية ، بعد الثورة الثقافية [فى الصين] وبعد مشاركة الملايين والملايين فيها وفى سيرورة هامة من إعادة تشكيل وجهة نظرهم للعالم ونعم هذا شيئ لا زلنا نتفاعل معه ، سواء فى الواقع الموضوعي أوفى تفكيرنا نحن. 

   وإذا ما أضفنا إلى كل هذا كامل ظاهرة "موت الشيوعية" والهجوم المستمرّ المعادي للشيوعية و التشويه والإتراء من كافة الإتجاهات وبكافة الطرق للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى فى الصين والثورة الصينية والإشتراكية ودكتاتورية البروليتاريا ، إذا ما فكّرنا فى تبعات كلّ هذا ونحن ماديون ونطبّق الجدلية ، من الصعب جدا التفكير فى أن لنا مناعة ضد تداعيات كلّ هذا وأنه فقط يأثّر على الناس خارج الحزب. حتى فى تفكيرنا وفى ذواتنا إن أردتم إستعمال هذه المفردة ، فى أعماق أعماقنا ، أليست لدينا أسئلة حول إذا ما كنا على خطإ بشأن كلّ هذا : لماذا خسرنا؟ إذا كنّا على حق وإذا كان ما نطمح إليه صحيح لماذا إنتهى الأمر على هذا النحو؟  لا أعتقد أنه هناك عديد الرفاق الذين يستطيعون قول إن تلك الأسئلة لم تأرّقهم ، و على الأرجح اكثر من مرّة.

  لدينا إجابة على تلك الأمور إلآ أنه يجب التعمّق فى الإجابة ويجب مواصلة التعمّق وينبغى أن نكون علميين. ينبغى أن نطبّق المادية الجدلية ".

    المشكلة هي أنه بينما كان بوب آفاكيان وبعض الآخرين فى الحزب "يتعمّقون" فى هذا ، مطبّقين النظرة العلمية و المنهج المادي الجدلي، لم تكن غالبية الحزب ، على المستويات كلّها ، تفعل وعوض ذلك كانت إلى درجة كبيرة "تقبل" الإفتراءات ضد الشيوعية وتتحوّل إلى ما حدّده لينين بدقّة بالنزعة العفوية للسقوط تحت كلاكل البرجوازية ، إيديولوجيا وسياسيا : الإنسحاب إلى حدود الديمقراطية البرجوازية و الحقّ البرجوازي و التذيّل للنظرة التى تميّز الحركات الإصلاحية بما فى ذلك "سياسة الهوية " والنسبية الفلسفية المرتبطة بها ( فكرة أنه ليست هناك حقيقة موضوعية ، أو أن الحقيقة الموضوعية لا يمكن تحديدها بأية درجة من اليقين، و أن هناك مجرّد مجموعات وأفراد مختلفين لهم "روايات" مختلفة وجميعها على حدّ سواء صحيحة أو غير صحيحة ) مستبدلة الثورة بالإصلاح كهدف أساسي.

•--- تميّزت التحريفية داخل حزبنا بالميزات التحريفية المعروفة لمدّة طويلة داخل الحركة الشيوعية والتى فضحها لينين كذلك وقد تجسّدت فى مفهوم أن " الحركة كلّ شيئ والهدف لا شيئ "، والتوجّه الحتمي إلى أن ما هو ضروري هو الممكن والممكن هو ما قد أُنجز بعدُ وهذا يعنى "الإنصهار" فى صفوف الجماهير بالمعنى الخاطئ ، على أساس ضيّق وبنظرة ضيقة للصراع ، مع ترك الثورة والشيوعية جانبا أو فى أحسن الحالات بطريقة لا معنى ولا حياة لها ، " الثبات على" العمل الإصلاحي وإحباط أي مغزى ورابطة حقيقيين بالنشاط الحزبي الجاري وفى الواقع قبر الثورة والشيوعية. كان أعضاء الحزب عادة مشغولين جدا بكلّ شيء بإستثناء الثورة و الشيوعية.

    جوهريا ، كان هذا شكلا من أشكال "الإقتصادوية" . تاريخيا، فى الحركة الشيوعية ، مفاد الإقتصادوية هو تركيز الإنتباه الطبقة العاملة على ظروفها المباشرة وعلى النضالات "بوسائل قابلة للتطبيق على أوسع نطاق" لكسبها ، يوما ما ، للإشتراكية و الشيوعية وهي نظرة عرضها لينين بصفة شاملة ودحضها مؤلفه الشهير "ما العمل؟" ، أين بيّن أن هذه المقاربة لن تؤدّي مطلقا إلى بناء حركة ثورية غايتها الشيوعية بل ستساهم فى حصر الحركة و الجماهير المشتركة فيها ، ضمن إطار الرأسمالية . فى معارضة هذا ، أكّد لينين أنه فى حين من المهمّ بالنسبة للشيوعيين أن يشتركوا فيها ويرتبطوا بالنضالات الهامة للجماهير وحتى أن يبذلوا الجهد لقيادة العديد من هذه النضالات ، فإنه عليهم أن يقوموا بذلك ك<span>شيوعيين</span>. وعملهم يعتمد على فضح ميزات وطبيعة النظام الرأسمالي ، عبر التحريض و الدعاية المناسبين واللازمين عارضين أمام الجميع قناعاتنا وأهدافنا الشيوعية <span>وبهذه الطريقة </span> يربطون نضالات وتحركات اليوم بالهدف الثوري والشيوعية ، وتوجيه هذه الصراعات و الجماهير الشعبية من النضال العفوي و السقوط تحت كلاكل البرجوازية نحو الهدف الثوري. منذ زمن لينين ، صارت الإقتصادوية  تتخذ معنى أوسع لتطبيق "الوسائل الأكثر قابلية للتطبيق" ليس فقط النضالات ضمن شرائح مختلفة عديدة مركّزين نظر العمل الشيوعي على تنظيم مثل هذه النضالات فعلا وليس دائما قولا ، متعاطين مع أفق الثورة والشيوعية كشيئ مطلق ينتمى إلى فترة مستقبلية غير محدّدة ، لا صلة حيّة لهما بالحركات والنضالات الراهنة فى أي وقت معيّن.

 

to read this in English go to link provided below:

http://revcom.us/Manifesto/Manifesto.html

We are happy to announce the publication of a draft version of an Arabic translation of the Manifesto from the RCP, USA, "Communism: The Beginning of a New Stage." We thank the reader who translated this, and the many people who contributed their efforts to going over the translation. And we ask anyone fluent in both languages to contribute their thinking on how to make the translation even better.