بقلم: مريم التيجي قبل حوالي عشر سنوات، وخلال لقاء جمعني بالدكتور المهدي المنجرة، عافاه الله، سألته عن ما كتبه حول الانتفاضة القادمة، فاجأني اليقين الذي تحدث به وهو يؤكد لي أنها قدر لا مفر منه لشعوبنا، وأنها قد تأتي على الأخضر واليابس، كان يرسم صورة قاتمة، جعلتني أشرد متخيلة شوارعنا وطرقاتنا وقد تحولت إلى ساحات لمواجهات دامية، محاطة بالخراب، وقد هجر الأمن كل أركانها، تمنيت أن تخطئ حسابات عالم المستقبليات.. بعد لحظات انتشلني الدكتور المنجرة من ذهولي عندما أضاف أننا نستطيع تخفيف الخسائر إلا أننا لن نتمكن حتما من تلافي وقوع ما أصر على تسميته بالانتفاضة القادمة. "كلما أسرعنا بتبني إصلاحات حقيقية، كلما خفت الخسائر"، منذ أن سمعت هذه العبارة من الدكتور المهدي المنجرة، لم تغب عن ذاكرتي، وبعد أن خففت خطوات السنين وقع هذه الكلمات، استعدتها بقوة وأنا أتابع الأحداث الدامية في كل من تونس والجزائر ترى هل هي الشرارة الأولى التي قد تشعل خارطة ما يسمونه بالوطن العربي طولا وعرضا؟ هل انتبه المسئولون الأمنيون في المغرب لهذا الأمر مما جعلهم يعطون توجيهات صارمة بعدم التدخل لفض الاحتجاجات بالعنف؟ حسب ما أكد لي مصدر أمني لسنوات كان آخر ما يمكن تصوره أن ينتفض الشعب التونسي الذي حكم لسنوات بالنار والحديد ،على رأي بيسمارك، لكنه تجاوز القبضة الأمنية، ولم يعد في قلبه مكان للخوف وانفجر. ترى هل ستكون تونس الخضراء أول غصن يحترق ويشعل فتيل الانتفاضة التي لن توقف لهبها إلا مياه المحيط الأطلسي غربا، وقد لا تتوقف عند أي مدى شرقا؟ أول انطباع يعلق بذهنك عندما تزور تونس، أنك وسط شعب هادئ، متحضر، غير انفعالي، لذا عندما تطالعك الأخبار بأن عشرات القتلى سقطوا في يوم واحد خلال مواجهات بين هذا الشعب الذي تخلى عن هدوئه وبين قوات الأمن، تتساءل هل صدقت نبوءة المنجرة، واشتعلت الانتفاضة. أما عندما تشتعل دولة نفطية مثل الجزائر، ليس بسبب براميل البترول ولا بسبب أنابيب الغاز، ولكن بسبب جوع أبنائها وحرمانهم من حقهم في العيش الكريم والسكن الكريم، فقد لا تنطفئ الشرارة قريبا.. تمنيت لو كانت ظروف الدكتور المهدي المنجرة الصحية تسمح لي أن أسأله، إن كانت هذه طلائع الانتفاضة التي تنبأ بها.. لا أحد يعرف ماذا سيحدث غدا، وكيف ستتطور الأمور، لكن كل شيء يقول بأن القادم أسوأ...