النساء في مقدمة ضحايا سنوات الجمر في المغرب

منصف السليمي
mlm_70@yahoo.com
á

Gro▀ansicht des Bildes mit der Bildunterschrift: مناضلات مغربيات من أجل حقوق الإنسان
تعرضت النساء المغربيات خلال العقود الماضية للقمع الشديد. ومع كشف الحقائق عن انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب، تنكشف الانتهاكات التي مورست ضدهن. في هذه الأثناء تخوض أعداد منهن معركتي إعادة الاعتبار وبناء المجتمع المدني.

ليست وحدها الثقافة السائدة عن المرأة في العالم العربي هي التي تحجب دورها إلى مواقع خلفية، بل أيضا الأدبيات والسير التي كتبت عن سنوات القمع الشديد في البلاد العربية. ففي هذه الأدبيات تم تغليب سير تضحيات الرجل العربي، وقد لا يكون ذلك خاطئا تماما، لكن الخلل الكبير الذي يمكن رصده هو الغياب الملحوظ لدور المرأة في تلك الأدبيات.

إن متابعة تطورات التجربة السياسية المغربية تكشف أن تضحيات أجيال من نشطاء وقادة الحركات السياسية كانت مخضبة كذلك بدماء نساء ضحين على نحو غير مسبوق. وفي مقابلة أجريتها دويتشه فيله قالت المعتقلة المغربية سابقا فاطنة لوبيه ان نساء منطقة جبال الأطلس المتوسط في المغرب يشكلن نموذجا للمرأة المكافحة. وتطلق لوبية على نساء الأطلس " أطلسيات"، وهو عنوان كتابها الجديد الذي يفتح صفحة جديدة غير مألوفة في أدبيات السجون في المغرب. ويتحدث الكتاب عن فلاحات وربات بيوت وأميات مارسن العمل السياسي وتعرضن لأبشع أنواع التنكيل والقمع أيام الملك الراحل الحسن الثاني.




المرأة أقوى من الجلاد




Bildunterschrift: Gro▀ansicht des Bildes mit der Bildunterschrift: المرأة تعرضت للقمع الشديد خلال العقود الماضيةوفاطنة لوبيه هي بدورها نتاج سنوات القمع الشديد، إذ تعرضت وهي في سن المراهقة للاعتقال والسجن بسبب نشاطها في الحركة اليسارية "الى الأمام". وفي إحدى شهاداتها تذكر إن " الجلاد كان يستهدف فيها شخصية الأنثى". وتضيف إن الجلادين كانوا يتضايقون جدا وهم يمارسون عليها أبشع أنواع التعذيب في معركة غير متكافئة حاول فيها الجلاد طمس كرامة ضحيته. هذه الضحية التي قاومت وأثبتت له إنها مكافحة على عكس تصوره عنها كمتاع فراش فقط.



غالبية الملفات تعود للنساء



تظهر الشهادات والمؤلفات الجديدة إن ضحايا عقود الاضطهاد أو ما يسمونه سنوات الجمر من النساء لم يكن ممن مارسن النضال السياسي فقط، بل أيضا فئات واسعة من الفتيات والنساء اللواتي كن ضحايا لقوى سياسية داست على أجسادهن رغم أنهن بريئات "حتى من السياسة"!



وخلال جلسات الاستماع الذي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة لشهادات ضحايا سنوات القمع في المغرب، وبثت مباشرة على التلفزيون الرسمي المغربي، كانت نسبة النساء للواتي صعدن إلى منصة الشهادات تشكل 35 في المائة من مجموع الذين تقدموا بشهاداتهم، أما نسبة اللواتي تقدمن بملفات لهيئة الإنصاف والمصالحة لجبر الضرر وتعويضهن عن معاناتهن خلال سنوات الانتهاكات الجسيمة فقد تجاوزت 55 في المائة من مجموع الملفات التي ناهز عددها 17 ألف ملف قدم للهيئة.


المرأة ضحية في سن مبكرة

Bildunterschrift
: Gro▀ansicht des Bildes mit der Bildunterschrift: السجن كان مصير بعض السيداتوقد تبين من خلال تقليب صفحات ماضي المغرب الحديث، ضمن مسلسل المصالحة الجارية في البلاد، أن أعداد النساء اللواتي يحملن آثار وبصمات سنوات الجمر كبير جدا. كما أن بعضهن قضين ومعهن مأساتهن أمثال سعيدة المنبهي التي صمدت طويلا تحت التعذيب في المعتقل قبل موتها فيها خريف 1977. وكانت سعيدة في الخامسة والعشرين من عمرها تتقد حياة وجمالا. أما وفاتها فجاءت بسبب إهمالها في السجن وهي في حالة إضراب عن الطعام للمطالبة بحقوقها كمعتقلة سياسية.
في إحدى الجلسات التي عقدت بمدينة الخنيفرة لفتت لكبيرة العسلي أنظار المتتبعين لتلك الجلسات إلى بعض أشكال التعذيب التي مورست. فقد جاءت إلى الجلسة على كرسي متحرك لتقدم شهادتها من خلال جسدها الذي كان أكثر تعبيرا عن هذه الأشكال. وتحمل لكبيرة رصاصة استقرت في جسدها. وهي لم تكن سوى ابنة مسؤول محلي في الخنيفرة تعرض للمطاردة بهدف التصفية. وقد طال رصاص مطارديه الفتاة الصغيرة.



ا
لانتهاكات الجنسية من قبل أجهزة الأمن



وهنالك وجه آخر لمعاناة النساء ضحايا سنوات الاحتقان في المغرب. وهي معاناة جرى حجبها لزمن طويل. ويتعلق الأمر هنا بالانتهاكات الجنسية للفتيات والنساء من قبل أجهزة الأمن. وربما ساهمت القيم الجماعية في حجب تلك الانتهاكات، لكن هنالك عدد من الناشطات المصممات على رفع الستار عن هذه الحقبة بكل ما تحمله من فضائع.

وفي إحدى الشهادات فاجأت خديجة المالكي، ظروف تعرضها للاغتصاب من قبل رجال المخابرات الذين اعتقلوها من بلدة حدودية شرق المغرب. ولم يكن عمرها يتجاوز آنذاك أربعة عشر عاما. وكانوا يريدون منها اعترافات عن أشياء لا تعلمها، مثلا أرادوا منها معرفة أين يختبئ والدها احمد المالكي الذي كان فارا خارج البلاد. ويعيد ذلك المشاهد المريرة لذاكرة المغاربة عن تضحيات المرأة المغربية في عهد الاستعمار.

خطوة غير مسبوقة
كانت جلسات الاستماع إلى شهادات الضحايا التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب تجربة غير مسبوقة في العالم العربي، رغم من أن بعض المراقبين يرون فيها نواقص لأنها تفتح عينا واحدة على هذه التجربة. فهي تعرض من جهة شهادات الضحايا، بينما تغمض الأخرى عندما تمتنع عن تقديم المسؤولين عن الانتهاكات للمحاسبة.