في الذكرى الثانية لرحيل الرفيق عبد الرحيم بورويص

2009 / 9 / 6
في مثل هذا اليوم 4سبتمبر2007،رحل عنا الرفيق عبد الرحيم بورويص.. فارقنا في وقت كنا في أمس الحاجة اليه ..
قال لي أحد الرفاق يوما بصيغة لمست فيها حنينا و حسرة :(ليت ذلك المرض الخبيث أصابني بدلا منه ؛  لأن ما قدمه لنا و ما تعلمنا منه ماهو الا النفر القليل مما كان يملكه..) .. خيِل اليَ حينها أن أي رفيق من رفاقه الذين عرفوه  أو حتى الذين جالسوه في  دردشات  أو نقاشات بسيطة عادية سيقول نفس الكلام ..
و الآن تسكنني صورة معينة لعبد الرحيم ..أذكر أنه كان يتحدث، وأنني كنت أستمع إليه بشيء من اللامبالاة و ببعض الفضول ..ثم صرت أصغي فأنتبه،فأذهب مع تموجات الفكر و تلاوينه و ما فيه من ملامح الجديد.. أذكر أنه كان يضعني في إحراج جميل كلما استفسرته عن موضوعة ما، لأنه طبعا كان يعرف أنني أريد منه جوابا جاهزا، لكن في كلامه كنت دوما أحس بالدعوة للعمل و البحث ..و كان يحيلني لقراءة الكتب التي فعلا أتوصل فيها إلى مداخل للإجابة عن الإشكالات المطروحة لديَ...
كلما استرجعت بعضا من جلساتنا، أجد نفسي مبحرا في عالمه المداعب لأفكار الحياة،..كنت أحس بكراهية شديدة لمن يقاطع جلستنا ؛وكأن مقاطعنا هذا جاء عكس منطق التاريخ.. لأن عبد الرحيم ،وبكل بساطة، يعلمك كيف تميز بين من ينتمي للحركة و بين من لا ينتمي لغير السكون،بين من ينتمي للحياة وديناميتها و بين من لا يريد أن يعيش إلا في ظلام الماضي..
عبد الرحيم، ذاك الطفل الذي نشأ في بلدة تالسينت(جنوب شرقي المغرب)، عرف منذ صباه كيف يشاكس في طرح التساؤلات حول ما يجري في الواقع.. وكلما نما إلا ونمت معه تساؤلاته.. و كلما تمكن من إيجاد إجابة لإشكال ما ، إلا و عاد لطرح سؤال آخر:(لكن يا رفاق، هذه القضية تطرح بدورها إشكالا آخر..)...
و من هذا التساؤل المتواصل ، أجد نفسي أتعلم شيئا فشيئا كيف ينبع الجديد من القديم و كيف يأتي الجديد ليلتهم القديم..كيف أستفيد من الماضي لأتفاعل مع الحاضر و أتطلع لبناء الآتي...
وأنت تجالس عبد الرحيم،تجدك تتعلم كيف تربي نفسك و تربي من حولك و تتربى منه .. تتعلم كيف تسأل، تستفسر، تبحث، تتمحص واقعك و تعود للنظرية لترشدك فتفعل فيه.. يعلمك كيف تصير ماركسيا دون أن تدري ذلك.. تتعلم كيف أن الماركسية ليست في ما كتبه ماركس و انجلز و لينين و ماو فحسب،بل عليك كذلك تمحص واقعك المادي وإدراكه جيدا و الفعل فيه،حتى لا يستحيل ما قرأته إلى عقيدة جامدة ،أو إلى مزايدات في المقاهي .. تدرك معه جيدا معنى{الماركسية علم و يجب أن تعامل كعلم}..تتعلم كيف تتواقت مع اللحظة ،لاتتسرع و لا تتباطأ، كيف تسير وفق منطق التاريخ و ليس عكسه..،متى و كيف تطور أفكارك عندما تكون قادرا على استيعاب الشروط التي تعيشها..
رحل عنا عبد الرحيم الرفيق في وقت يعيش فيه المناضلون حيرة و ترددا كنتيجة للالتباسات الفكرية لدى العديد منهم ..،في الوقت الذي كان بإمكانه الإسهام بقسط وافر في اتجاه بناء وضوح فكري وسياسي بين الماركسيين .الشيء الذي لن يكون_كما كان يقول لي مرارا_إلابنضال نظري حازم،ليس ضد الاتجاهات الفكرية البورجوازية وحسب،بل ضد كل الاتجاهات الفكرية التي تشوه أو تحاول تشويه فكر الطبقة العاملة..
رحيل الرفيف ليس خسارة لرفاقه وأصدقائه وحسب، بل خسارة للشعب الذي فقد واحدا من خيرة أبنائه الشرفاء..
يا رفيق ،أنت حي بيننا و فينا ،لازلت و ستبقى في قلوب كل من عاشرتهم، من جالستهم،..سيذكرك الرفاق الذين غادروا الزنازين أخيرا، والذين لازالوا صامدين في سجون الرجعية زهور و مراد و الآخرون.. سنذكرك جميعا فنم هنيئا، ولتصبح على وطن جميل..
نم هنيئا بين أحضان أمك.. وقل لأمك الطبيعة:
أنا أرضع من ثدي حياتك رغم سمِك
أنا بين ثنايا الكون، رغم أنفك رغم غمك
سأعيش في صدور الذين أحببتهم
في سهر الليالي و اجتماعات منتصف الليل واقتسام السجائر
وتجاذب الضحكات وقراءة الشعر والبشائر
أنا فيكم أنا في أحلامكم في آمالكم في كل الضمائر..
(شعر ع.ر لعرب
)