الحكومة تدوس "قوانينها" وتكرس"الأبارتيد" العلمي

صادق مجلس الحكومة المنعقد يوم 17 يناير 2008 على مجموعة من مشاريع مراسيم تهم قطاع التعليم العالي ببلادنا، وهي في مجملها مشاريع نجمت عن اتفاق 13 غشت 2007 بين النقابة الوطنية للتعليم العالي والحكومة السابقة، وهو اتفاق خيب آمال فئات عريضة من الأساتذة الباحثين خصوصا ما تعلق منه بجوانب لا تنهض إلا بمهمة تكريس مزيد من الحيف في حق هذه الفئات.

ويستوقفنا في هذا الباب نص مشروع مرسوم رقم 2.08.12 بتغيير وتتميم المرسومين رقم 2.96.793 ورقم 2.96.804 بتاريخ 19 فبراير 1997 في شأن النظامين الأساسيين الخاصين بهيئتي الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي وبمؤسسات تكوين الأطر العليا، الذي يتألف من أربعة مواد، اخترنا أن نقف عند المادة الثالثة منها والتي تتمم أحكام المرسوم رقم 2.96.793 في شأن النظام الأساسي للأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، ويتمثل التتميم في هذا الباب بإضافة مادتين إلى هذا المرسوم هما المادة 37 المكررة، والمادة 37 المكررة مرتين، والمادة 37 في المرسوم المشار إليه هي المادة الأخيرة من الباب الثاني منه والذي يحمل عنوان: أحكام تتعلق بالأساتذة الباحثين المتدربين والمرسمين.

وتبدأ المادة 37 المكررة المضافة بهذه العبارة: (خلافا للمقتضيات التنظيمية الجاري بها العمل) وهي عبارة واضحة الدلالة، وتفيد إفادتها بأن المادة نسجت أو حيكت خارج المقتضيات التنظيمية أي خارج أي إطار تشريعي وفي غياب تام لأية مرجعية قانونية ، أي أنها بمعنى آخر تتعارض وتتنافى بهذه الصفة مع التشريعات القائمة، وهو ما لا يتأتى معه النظر إليها كتتميم لمواد المرسوم المذكور، وإنما النظر إليها باعتبارها خروجا عنه، وانتهاكا لبنوده وتجاوزا لمقتضياتها للحد الذي تتعارض فيه كلية مع مضامينها، أي أن المادة في جوهرها تضع أسس القطيعة مع طبيعة المرسوم وتنقض كثيرا من مقتضياته، أو هي إلغاء لها على صعيد الممارسة. وهو ما يثير التباسا وإشكالا تشريعيا ربما يضع على المحك دلالات ومفهوم التتميم بدرجة أولى ومفهوم التشريع وشروطه بدرجة أكبر، إذ أن صيغة ( خلافا للمقتضيات... ) المشار إليها تفتح أبواب التشريع على مصراعيه ويمكن استنادا إليها إنجاز ما لا نهاية له من نصوص تنظيمية وتطبيقية ، وبشكل لا يخلو من عبثية وردود فعل مزاجية تنشأ على طول مسافة وامتدادات صيغ مخالفة كل المقتضيات، وهو ما يطرح السؤال الحاد حول مدى شرعية نصوص تنظيمية أو تطبيقية تتأسس على مناقضة ومخالفة المقتضيات التشريعية القائمة، وإلى أي حد يمكن اعتبار مخالفة هذه المقتضيات سندا تشريعيا أو أصلا من أصول القانون؟

وبعد تلك العبارة الاستهلالية تقرر المادة ما يلي: "يعفى من التأهيل الجامعي أستذة التعليم العالي المساعدون المتفرعون عن الأساتذة المساعدين المشار إليهم في الفقرة الرابعة من المادة 33 والمقطع 2 من الفقرة الثانية من المادة 37 أعلاه، والحاصلون على شهادة معترف بمعادلتها للدكتوراه المنصوص عليها في الفقرة 3 من المادة 33 ..." وفي الفقرة الأخيرة منها تقرر أيضا: "يسمح للمعنيين بالأمر بالمشاركة في مباراة التوظيف في إطار أستاذ التعليم العالي طبقا لأحكام المادة 12 المشار إليها أعلاه دون الإدلاء بشهادة التأهيل الجامعي..."

وإجراء الإعفاء من التأهيل الجامعي هنا يعني وجها من أوجه " خلافا للمقتضيات..." أي أنه تجاوز ودوس للقوانين الجاري بها العمل، وخاصة ما تعلق منها بتحديد إجراءات تنظيم المباراة الخاصة بتوظيف أساتذة التعليم العالي، وتحديد الشروط والإجراءات المتعلقة بتنظيم التأهيل الجامعي، والإعفاء على هذا المستوى يعني إجراء استثنائيا وغير مشروع يتوخى توفير حماية فئة أساتذة التعليم العالي المساعدين المشار إليها، وتبريئها من الخضوع للمقتضيات التشريعية المعمول بها، ومنحها حصانة وامتياز عدم تطبيق القوانين عليها، أي وضعها فوق القانون وسلم الارتفاع عليه، وإقامة نوع من عدم الإنصاف واللاعدل لتجاوز المرجعيات القانونية وعدم احترام قدسيتها.

ويكرس هذا الإعفاء ميزا "عنصريا" ولنقل ميزا علميا يمكن نعته بـ "الأبارتيد العلمي"، إذ أن منطق عبارة "خلافا للمقتضيات التنظيمية.." يرتكز على أساس الاعتقاد بتفوق إحدى الشهادات الجامعية لعامل انتمائها لبلد معين هو فرنسا، وتكريس امتيازها و عناصر تميزها الاجتماعي والاقتصادي.

وبالعودة إلى المادة 33 التي تحيل إليها المادة نجد أنها تتعلق بعملية إعادة إدماج الأساتذة الباحثين ( الأساتذة المساعدين) قبل 1997، في الإطارات الجديدة التي استحدثها مرسوم 19 فبراير 1997، ونقف عبر هذه المادة على مجموع فئات من الأساتذة المساعدين موزعة كما يلي:

1 ـ الأساتذة المساعدون الذين بلغوا الرتبة الأولى على الأقل من الدرجة .ب. وتم إدماجهم في إطار أستاذ التعليم العالي المساعد...

2 ـ الأساتذة المساعدون الذين بلغوا الرتبة الخامسة من الدرجة أ، وأعيد إدماجهم دون أقدمية في الرتبة الأولى بالدرجة أ الخاصة بأساتذة التعليم المساعدين، وبناء على ملف علمي وباقتراح من اللجنة العلمية....

3 ـ الأساتذة المساعدون المرسمون غير البالغين الرتبة الخامسة من الدرجة أ، وهؤلاء لن تتم إعادة إدماجهم إلا بعد مناقشة أطروحتهم لنيل الدكتوراه...

4 ـ الأساتذة المساعدون الحاصلون على شهادة معترف بمعادلتها للدكتوراه... وتم إدماجهم في إطار أستاذ التعليم العالي بعد ترسيمهم ، مع الاستفادة من أقدمية اعتبارية لمدة ست سنوات.

5 ـ الأساتذة المساعدون غير المتوفرين على الشروط المشار إليها، وسيظلون خاضعين لمقتضيات مرسوم 17 أكتوبر 1975..

فالمادة تشمل خمس فئات من الأساتذة المساعدين تمت إعادة إدماجهم بتفاوت وميز صارخ، ويمكن اعتبار الفئة الرابعة منهم، الفئة الأكثر حظوة وامتيازا إذ أعيد إدماجها وفق معايير استثنائية وغير موضوعية، حيث تمت عملية الإدماج على معادلة شهادتهم بالدكتوراه الجديدة، وهو ما لم يتم مع أي من الفئات الأخرى، وعلى قاعدة الترسيم وهو كذلك ما لم يتم مع الفئات الأخرى، وعلى أساس منحهم أقدمية ست سنوات اعتبارية، وهو أيضا ما حرمت منه الفئات الأخرى، بل إن معظم الفئات الأخرى تم الإجهاز على أقدميتها، وجردت من كل حقوقها في هذا الباب لتبدأ حياتها المهنية من الصفر أو نقطة الانطلاق.

يعني هذا مرة أخرى أن مرسوم 1997 لا يمكن أن يظل نموذجا مرجعيا لأنه مليء بالتجاوزات والثغرات وكرس امتيازات بدون أية مبررات أو أية مسوغات علمية موضوعية أومهنية لهذه الفئة دون سواها وخارج المقتضيات القانونية والأعراف الأكاديمية. ويبدو أن المادة 37 المكررة تجعل هذا التمييز والميز مرجعية لتضع في سلة امتيازاتها الإعفاء من شهادة التأهيل الجامعي، والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تم التركيز على هذه الفئة في مرسوم 1997 ويتم التركيز عليها كذلك في 2007 لمنحها امتياز الإعفاء من شهادة التأهيل الجامعي، فكلا المرسومين لا يقدمان أو يبسطان حيثيات هذا الامتياز وأسبابه، ولا يبرران في الوقت ذاته فعل إقصاء الفئات الأخرى من الحساب، هل هذا الامتياز مثلا ينبني على المؤهلات العلمية أو التربوية أو الأكاديمية أو أية عناصر وعوامل أخرى، إن المرسومين يغلقان الباب عمليا ويمنعان التحديد في هذا الشأن، ولذلك يمكن اعتبار عبارة" خلافا للمقتضيات التنظيمية..." هي القاعدة التاريخية التي تستند المادة الجديدة إليها في بناء امتيازاتها المضافة.

وانطلاقا من هذا فإن المادة 37 المكررة هي انقلاب على القوانين والأعراف والتقاليد الأكاديمية والثوابت العلمية والجامعية ، وهي ضربة موجعة ومؤلمة أشد ما يكون الإيلام للأساتذة الباحثين حاملي دبلوم الدراسات العليا ودكتوراه السلك الثالث وما يعادلهما، وحاملي شهادات الدكتوراه أيضا، وهي لا تنهل إلا من معين يبدو أنه يسعى بقوة نحو خلق مسافات من الامتيازات لن يتم تجاوزها على الدوام.

ومن هذا البعد يمكن اعتبار هذه المادة توطينا جديدا لقانون الميز والفصل العنصري بين الشهادات الجامعية العليا، وخرقا مبينا لجوهر الدستور المغربي الذي ينص في فصله الخامس أن " جميع المغاربة سواء أمام القانون" وما تفصح عنه المادة على المستوى العملي هو أن المغاربة ـ الأساتذة الباحثين ـ ليسوا على الإطلاق سواسية أمام القانون، وأن فئات منهم فوق هذا القانون، وأسمى منه بشهاداتهم العليا، وهي بذلك لا تحترم منطوق هذا الفصل إذ تصنف أغلب فئات الأساتذة الباحثين خارج دائرة ( قانونها ).

كما أنها خرق عملي كذلك لما ينص عليه الدستور في الفصل الثاني عشر الذي يقول: " يمكن لجميع المواطنين أن يتقلدوا الوظائف والمناصب العمومية وهم سواء فيما يرجع للشروط المطلوبة لنيلها.." والمادة في فقرتها الأخيرة تخل بهذا الفصل إخلالا بائنا، وذلك باستثنائها هذه الفئة من الخضوع للشروط المطلوبة لنيل إطار أستاذ التعليم العالي ، وإعفائها من الإدلاء بشهادة التأهيل الجامعي.

كما أن المادة أيضا مخالفة تماما لمقتضيات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولا سيما المادة 7 منه التي تنص على ما يلي:" كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة عنه دون أية تفرقة" فهي تتحدى مظاهر هذه السواسية وتصادر حق التمتع بحماية متكافئة في ظل الخضوع للقانون، وتمارس التمييز والتفرقة في هذا الباب دون أية مبررات علمية موضوعية وعملية.

كما تتناقض مع مقتضيات الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخاصة المادة السابعة منه الفقرة "جـ" التي تنص عل ضمان " فرص متساوية لكل فرد بالنسبة لترقيته في عمله إلى مستوى أعلى مناسب دون خضوع في ذلك لأي اعتبار سوى اعتبارات الترقية والكفاءة." وهو ما يتعارض معه مضمون المادة حيث تستند إلى معايير من خارج المنظومة التشريعية، وتغلق باب الفرص المتساوية.

كما أن المادة تتناقض أيضا مع جوهر ما تنص عليه الاتفاقية الخاصة بالاعتراف بدراسات التعليم العالي وشهاداته ودرجاته في الدول العربية والدول الأوروبية المطلة على البحر الأبيض المتوسط المبرمة بنيس بتاريخ 17 دجنبر 1976 والمنشورة بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.79.187 بتاريخ 8نونبر 1979 بالجريدة الرسمية (ع. 3515/ 1980 ) وكذلك الاتفاقية المتعلقة بالاعتراف بدراسات التعليم العالي وشهاداته ودرجاته العلمية في الدول العربية الموقعة بباريس بتاريخ 22 دجنبر1979 والمنشورة بالجريدة الرسمية ( ع. 3946/ 1988 ) بمقتضى الظهير الشريف رقم1.84.16 بتاريخ 14 نونبر 1986 والتي تنص في مادتها الأولى في باب "تعاريف" على أن الاعتراف بإحدى الشهادات لا يترتب عنه بأي حال من الأحوال إعفاء حامل تلك الشهادة من الخضوع للشروط الإضافية والتي تنص عليها القوانين المرعية في كل دولة....

ومجمل هذه العناصر في تقديرنا تجعل المادة 37 المكررة المشار إليها نقطة سوداء في اتفاق 13 غشت 2007 وفي تاريخ التشريع المغربي في حقل التعليم العالي،إذ تحبل بكثير من عناصر مصادرة الحقوق الأساسية الفردية والجماعية، وتستعيد وجها للعبة توزيع الامتيازات المجانية وتكتيك فئة ضد فئة لضرب مصالح الأساتذة الباحثين وتشتيت صفهم ومصيرهم الموحد.

سعيدي المولودي

كلية الآداب. مكناس