تقديم لا بد منه
منذ ولادته وحزب " النهج الديمقراطي" يبحث لنفسه جاهدا على أسس فكرية وسياسية تعطي المشروعية المفقودة شعاره الديماغوجي القائل بأن النهج الديمقراطي هو الاستمرارية لتجربة الحملم بشكل عام ومنظمة " إلى الأمام" يشكل خاص. وفي هذا السياق ذاته طلع علينا علي فقير عضو النهج الديمقراطي حول موقف النهج من قضية الصحراء الغربية بأكذوبة جديدة يقول فيها أن " أسس الموقف لم تتغير عن أسس منظمة "إلى الأمام" : حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره على أس الشرعية الدولية" (علي فقير:"النهج الديمقراطي و الصحراء الغربية"). ونظرا لخطورة هذا القول الذي يحاول خدمة لمشروع سياسي استسلامي تزوير التاريخ والحقائق، ونظرا للحصار والرقابة التي يمارسها هؤلاء السادة وغيرهم على تراث الحملم ، ارتأينا ضرورة نشر وثيقة تاريخية حول بدايات تشكل موقف الحملم من القضية الصحراوية. لنوضح كيف أن مشروع الاستمرارية في خطاب النهج أصبح يحول بجرة قلم الموقف من "فلسطين جديدة في أرض الصحراء"[1] والموقف من أن "الكفاح المسلح هو سبيل التحرير"(انظر تقديم مجلة أنفاس) إلى التحرير على أساس " الشرعية الدولية".
المقال هو منشور بمجلة أنفاس بالعربية من الصفحة 66 إلى الصفحة 76. والنسخة التي بين أيدينا مع كامل الأسف تتخللها بعض الفقرات الصغيرة التي لم نستطيع قراءتها نظرا لقدم النسخة ولكنها على كل حال فقرات لا تتعدى عشر كلمات، سوف نضع مكانها بعض النقط بين قوسين (..........) .
وبالمناسبة ندعو الرفاق الذين يتوفرون على وثائق للحملم أن يضعوها في متناول المناضلين. فقد أصبح باديا أن تلك الأدبيات لا تخضع لرقابة أجهزة الاستخبارات بل إنها تخضع حتى لرقابة مناضلي جيل السبعينات، من أجل ابتزاز المناضلين أو من أجل إخفاء حقيقة مواقف الحملم في مرحلة السبعينات[2] ومواقف النهج اليوم حتى لا يتكسر بسهولة شعار "الاستمرارية" الخادع وتبقى مساحات المناورة كبيرة لترويض القواعد والطاقات للقبول بالمواقف الراهنة.
إن هذا الجانب من النضال هو بكل تأكيد له أهمية متميزة في تعرية الانتهازية وإمداد المناضلين بالمادة التي تساعدهم على التقدم أكثر في تقييم ثوري لتجربة الحملم.
من جانبنا نعد الرفاق على أن عملية البحث ونشر التراث سوف تحضى بأهمية خاصة وجدية من طرفنا.
مزيدا من الوضوح
مزيدا من النضال
ضد تزوير التاريخ
و ضد عدم احترام دماء شهداء، قدموا حياتهم من أجل قضية ومواقف يحاول اليوم رفاق "الأمس" تطويقها ومحاصرتها.
فلسطين جديدة في أرض الصحراء
أنفاس
تقديــــــــــــــــــــــــم:
نعم،( فلسطين جديدة في أرض الصحراء). لأن من تمعن في اتجاه الأحداث، و تابع تطور مشكل الصحراء، وأدرك السياسة الاستعمارية الاسبانية، و أهمية المنطقة اقتصاديا وعسكريا. وغض النظر عن العجعجة اللفظية حول ( مغربية الصحراء) أو (جزائريتها) أو (موريتانيتها) لأنها جميعا تدور في نفس الفلك التقسيمي الاستعماري وتحتفظ بالصحراء كقاعدة عسكرية لضرب حركة التحرر الوطني و القوى الثورية في غرب البحر الأبيض المتوسط...
لا درك أن حديثنا عن فلسطنة الصحراء أو روديسيا الجديدة، ليس من باب الإغراء الصحفي المبتذل،إنه واقع تعيشه الجماهير الصحراوية، وتحبل به الاتجاهات الامبريالية.
و في هذه المرة، تقوم مجلة أنفاس من جديد لتدق ناقوس الخطر، وتوعي الجماهير المغربية بحقيقة ما يحاك لها في الخفاء ويهددها مستقبلا.
وخلاصتنا، وبكل جرأة، وبكل ثقة في قدرة الشعب العربي في المناطق المحيطة و في القوى الثورية الاسبانية.أن مسألة تحرر الصحراء توضع ضمن سياق تحرر الشعوب المحيطة بها، و بدعم قوي من القوى الثورية الاسبانية، ومنطلق هذه العملية التحررية، و دعامتها الأساسية، استقلال الجماهير الصحراوية في المبادرة من أجل التحرر. و كما تعلمنا كل التجارب الثورية، أن التحرر من الاستعمار لا يمكن أن يكون إلا بالكفاح المسلح، مع مراعاة خصائص البلد وقوته السكانية والجغرافية.
و لهذه الأسباب بالذات، نطرح ضرورة دعم مثل هذا النضال الفدائي من الخلف بقواعد انطلاق أخرى، ومن جميع الجهات المحيطة بالصحراء.
إننا أمام غزو استيطاني وخاصة بعد موت الديكتاتور العجوز فرانكو، أمام روديسيا جديدة أمام فلسطين جديدة في الموقع الغربي من البحر الأبيض المتوسط، و لأن العديد من القراء لا يعرف الكثير عن الصحراء، فقد حاول عرضنا أن يعطي معلومات أولية تعريفية مع الاحتفاظ بالخلاصات الأساسية.
و من الأفضل أن نعرض للقارئ المنهج الذي اتبعه التقرير- الدراسة:
(1) الموقع السكاني
(2) نبذة تاريخية
(3) الموارد الاقتصادية
(4) التركيب الاجتماعي و تطوره
(5) الحزب المسلم
(6) حوادث يونيه 70
(7) الأطماع المتنازعة والاحتمالات الواردة
(8) طريق التحرر
1. الموقع والسكان:
تتكون الصحراء من منطقتين أساسيتين: الساقية الحمراء، ووادي الذهب. وتسمى في الاصطلاح الحالي ب "الصحراء الإسبانية". وتقدر مساحتها ب 288 ألف كيلوميتر مربع. يحدها من الشمال المغرب، ومن الشرق الجزائر، ومن الجنوب موريتانيا، ومن الغرب المحيط الأطلسي.
يقدر عدد سكانها، مع التحفظ ب 250 ألف نسمة، جل السكان عرب، ويدينون بالإسلام، الذي يعتبر بالنسبة لهم إحدى المقومات الأساسية لشخصيتهم المتميزة ضد الغزو الإسباني.
2. نبذة تاريخية موجزة:
حاول الاستعمار التسرب للمنطقة منذ القديم، ولكنه فشل عدة مرات. وقد حاول في البداية استغلال التركيب القبلي، لإذكاء التناقضات والفتنة بين القبائل، ولكن محاولاته لم تنجح.
وبعد فترة، بدأ يتسرب عن طريق التعامل التجاري مع أهالي المنطقة، فأول قافلة تجارية دخلت المنطقة كانت في سنة 1880، وذلك عن طريق المقايضة بالسمك (بيع البضائع مقابل أخذ السمك) ثم صارت هذه القوافل الخارجية تبني مراكز لها، وهي عبارة عن "براكات" تقيم بها حامية قليلة العدد (10 جنود) مهمتها حماية البضائع المستوردة.
وفي سنة 1912، لم تشهد المنطقة أي استعمار مباشر، بل بقيت على تلك الحال حتى سنة 1956 وما بعدها. ولعل ذلك راجع في الغالب لفقر المنطقة واقتصار الاستغلال الأجنبي على اعتبار المنطقة سوقا صغيرة لترويج البضائع دون حاجة إلى وجود استعماري مباشر.
ورغم ذلك، فقد قاوم السكان حتى ذلك الوجود البسيط للاستعمار، وطالبوا بطرد الاسبانيين نهائيا، وحملوا السلاح في وجه إسبانيا بقيادة جيش التحرير المغربي. ويسجل التاريخ معركة الدشيرة العظيمة التي وقعت سنة 1956، ودامت 5 أيام، وتكبدت فيها قوات الاستعمار الاسباني خسارة 30 ألف جندي.
ومع مجيء استقلال المغرب سنة1956، وقع توقف جيش التحرير المغربي، لكن السكان لم يرضحوا. فطلب منهم المغرب أن ينظموا إلى القوات النظامية ورفض جزء منهم هذا الطلب باعتبار أن الاستقلال الشامل لم يتحقق، وأنه لا بد من استمرار الكفاح ومقاومة الاستعمار. وتجمهروا جنوب طانطان في مكان يدعى "الشبيكة"، وإثر ذلك وزعت عليهم السلطات المغربية منشورات تناشد عواطفهم وولاءهم، ولكن السكان تشبثوا بصلابة بمبدأ استمرار المقاومة من أجل تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب.
ثم قام النظام المغربي باتصال في مستوى عالي مع رؤساء القبائل، وذلك في مؤتمر " بوخشيبية" من أجل إقناعهم بالانضواء في القوات النظامية؛ لكن السكان رفضوا.
وأمام هذا الوضع، استغلت فرنسا الظرف، وأشعلت خلافا قبليا حربيا دام سنة تقريبا، وكان المغرب بدوره يساند في هذا الخلاف إحدى القبائل في صراعها مع الأخرى، وكان واضحا أن الهدف من هذه الدسائس من مختلف الجهات هي القضاء على بقايا جيش التحرير، وتصفية روحه بين السكان، وإشعال الفتن القبلية الأهلية لإلهاء السكان عن الأعداء الحقيقيين.
وحاولت فرنسا سنة 1958 تشكيل جمهورية في الصحراء، تكون عاصمتها تندوف، فرفض الشيوخ على أساس تأكيد الانتماء للمغرب.
ثم تقدمت إسبانيا، و رحبت بهم ومنحتهم بعض الأسلحة، واتخذت من قوادهم رؤساء عسكريين للمنطقة.
وبعد استقلال الجزائر، بقيت منطقة تندوف بدون تحديد، فأعلن السكان عن مغربية المدينة، ولكن الجزائر تدخلت فأجبرتهم على الاستسلام، ثم عملت على دمجهم في المجتمع الجزائري.
تنقلب على السكان، وتكشف عن نواياها الاستعمارية.
وفي سنة 1964، حين ظهر الفوسفاط، بدأت إسبانيا أمام الوضع الجديد، اضطرب السكان، فبدأ بعضهم يلجأ إلى المغرب، والبعض الآخر يعتزل، وبقي ينادي بعدم شرعية مواقف إسبانيا، ويحرض السكان.
وبدأت المعارضة تنموا في البوادي وبعض المدن، في الوقت نفسه الذي كانت إسبانيا تؤسس مدينة العيون، وتهجر الاسبانيين إليها، وتؤسس فيها مراكز التبشير المسيحي. إلا أن موقف السكان ظل سلبيا، ينحصر في المعارضة الصامتة. وفي سنة 1967، كانت إسبانيا قد هيأت كل شيء لتثبيت وجودها الاستعماري؛ إذ أقامت قواعد عسكرية لها في كل من مدينة "العيون" و"سمارة"، و " الداخلة"(.......................) للسكان، عند هذا الحد، بدأت تطورات سياسية هامة. سنرجع إليها في نقط أخرى آتية.
3. الموارد الاقتصادية.
يعتمد السكان في عيشهم أساسا على الحياة الرعوية ( تربية الإبل)، وصيد الأسماك، والتجارة. ومنذ سنة 1965، وقع تطور جديد أعطى لهذه المنطقة أهمية خاصة باكتشاف مناجم الفوسفاط والحديد، والبترول والغاز الطبيعي.
فيما يخص الفوسفاط، يوجد بالمنطقة احتياطي مهم، ويرتكز في منجمي "بوكراع"، و "تشلة"، اللذين سيتمكنان من تصدير كمية مهمة سنويا. ويمتاز هذا الفوسفاط بجودة نوعية حسنة.
ويرتكز الحديد في منطقة " الكويرة"، و" رأس بوجندور"، إلا انه لا زال لا يستغل، وكذلك أمر البترول والغاز الطبيعي.
واكتشفت الشركة الفرنسية " س.ج.ج" في شهر أكتوبر الأخير البترول في منطقة "أديات أمركبة" ( أمركبة نوع من النبات)، قرب "السمارة"، ويوجد هذا البترول على السطح تقريبا، وبكميات ضخمة، بحيث يسهل استغلاله. لكن البدء باستخراجه لا زال لم يقع.
هذه الموارد تجعل المنطقة محل أطماع استعمارية واسعة وكثيرة.
4. التركيب الاجتماعي وتطوره:
يتلخص الوضع الاجتماعي في استمرار وجود التكوين الرعوي القبلي، وبداية التمدن، وبداية التمايز الطبقي.
أ‌-التكوين القبلي:
يطغى التكوين الاجتماعي العشائري القبلي على (.................) الإنتاج المنحصرة في تربية الحيوانات، وخاصة منها الإبل، وحيث تنعدم الفلاحة، والاستقرار الجغرافي للقبائل.
وتنحصر الصناعة التقليدية في إطار عائلي موجه لسد الحاجات الخاصة بالقبيلة، ولا زال تسويق هذه البضائع في إطار سياحي مثلا ثانويا.
وتنظيم العمل في هذا المجال يعتمد على " وراثة الحرفة" واستخدام "المعلمين". وإذا كان نظام التوزيع الوراثي لملكية وسائل الإنتاج وموارد العيش حسب القانون الإسلامي ساريا، فإن استغلال مجموع الممتلكات يقع ضمن "العشار"، أي أن وسائل العيش يستفيد منها الجميع في إطار عائلي وقبلي، ويوازي هذا التنظيم، سيادة القيم الإنسانية المعروفة عند البدو من شهامة، وعقلية جماعية، وكرم الخ...
والأصل في شيخ القبيلة أي رئيسها، انه لا يمتاز على غيره إلا بكونه صاحب علم وشرف وكرم، ويشتغل بملكيته تماما كبقية أعضاء القبيلة.
أهم القبائل ست: الركيبات، أزكيين، أولاد تيدرارين، أولاد دليم، العروسيين، قبيلة ماء العينين.
ويختلف النشاط الاقتصادي السائد حسب القبائل، فمنها ما يوجد أغلبها خارج الصحراء في إحدى البلدان المجاورة، ومنها ما يغلب عليه الترحال، ومنها من يشتغل خصوصا بصيد السمك، أو بالتجارة. وطبيعي أن ينتج عن ذلك اختلاف في مستوى العلاقة وبالتالي مستوى التناقض حاليا مع الاستعمار، وكذلك مستوى الارتباط بإحدى البلدان المجاورة، من قبيلة لأخرى.
هذه الوضعية القبلية تعتبر عنصرا معرقلا لنمو الوعي الجماعي، ولحم مجموع الجماهير في نهوض عام و موحد ضد الاستعمار. ولعبت مختلف الدوائر الاستعمارية والرجعية على العقلية القبلية لعرقلة ذلك النهوض بالضبط ولمحاولة تحقيق أهداف سياسية في غير مصلحة الجماهير الصحراوية.
ب‌- بدايـــة التمدن:
أول عامل موضوعي " للتمدن"، أو لظهور اللبنات الأولية لنشوء مراكز حضرية كان مجيئ القوافل التجارية "الاستعمارية" التي كسرت وضعية " الانغلاق" وبدأت تروج العملة النقدية الخ... وتتمركز المصالح التجارية الامبريالية في "لاس بالماس" ( الجزر الخضراء). وتعتمد على وسطاء صحراويين تأخذ منهم أقساطا باهظة مقابل تسبيق البضائع لهم بعد أن ترى أن فيهم الضمانات الضرورية.
وهناك أيضا كعامل ثاني، إحداث جيش نظامي دائم ومأجور.
وهناك أخيرا، وعلى الخصوص، اكتشاف معادن الفوسفاط والحديد، وبداية استغلالها، ونمو مراكز حضرية لتجمع السكان واستقرارهم.
أهم المراكز الحضرية الأولية، الناشئة:
-العيون: وهي العاصمة، ويقدر سكانها ب 20 ألف نسمة. وهي أكبر مركز تجاري، كما تشهد حركة سياحية، يربطها خط للسكة الحديدية بالمنجمين الفوسفاطيين بوكراع، و تشلة. وتتوفر على ميناء كبير يتسع لأكثر من باخرتين للنقل. كما توجد فيها المدرسة الثانوية الوحيدة الموجودة في الصحراء.
- الداخلـة: ويسود فيها صيد السمك، كما نقلت إليها الولايات المتحدة الأمريكية القاعدة العسكرية التي اضطرت إلى إجلائها من ليبيا.
- السمارة: و بها ثكنات عسكرية، كما يوجد قربها احتياطي البترول.
- الكويرة: وهي مركز معدن الحديد. ولها أهمية سياسية نظرا لقربها من " أبطيح ازويرات" المدينة الموريتانية التي تتمركز فيها شركة استخراج الحديد، والحركة العمالية النضالية دائمة فيها، و الكويرة تنقل أصداء وتأثيرات هذه الحركة النضالية إلى بوكراع حيث يوجد أكبر تمركز للعمال ( حوالي 20000عامل مابين صحراويين وأجانب اسبانيين وغيرهم)
- المحبس: وهي أيضا ثكنة عسكرية، لها أهميتها الإستراتيجية نظرا لقربها من حدود البلدان المجاورة الثلاثة "الجزائر،موريتانيا، والمغرب.
وطبعا لا زالت البوادر الحضرية جنينية، بحيث لم تتبلور بعد كوحدات اقتصادية متكاملة التركيب، وبحيث ينحصر نموها في حدود الحاجات الاقتصادية والعسكرية للاستعمار، ولكنها مع ذلك أساس موضوعي لاضمحلال العلاقات العشائرية، وتطوير تناقضات اجتماعية جديدة.
ج‌- ملامح التمايز الطبقي:
أول ملاحظة في هذا الإطار أن الاستعمار بدأ يستقطب شيوخ القبائل، ويجعل منهم أدوات لسيطرته مقابل امتيازات مادية وسياسية؛ وقد صارت تتشكل هذه الفئة على أساس ارستقراطي رجعي وعميل.
وعادة ما تبدأ القبيلة بالشعور بامتيازات ووصاية الشيوخ وتعاملهم مع الغزاة الاسبانيين. ولا شك أن صعود الكفاح التحرري سيفضح بشكل صارخ خيانتهم التامة لقضية الجماهير. كما أنهم يعتبرون العماد المحلي للمناورات الاستعمارية الرامية إلى إجهاض الوعي التحرري وسد الباب في وجه العواصف الثورية التي تهدد أبعد المصالح الاستغلالية الأجنبية، المعدنية والتجارية والعسكرية.
- أما التجار فيشكلون فئة لا بأس بها، وهم عادة في تناقض مع الاحتكارات الاستعمارية التي تأخذ منهم أقساطا مجحفة؛ هذا بالإضافة إلى أن مقتضيات الكرم، وتسخير الأرباح الضئيلة لضمان عيش كثير من الأشخاص في آن واحد تدفع بكثير منهم نحو الإفلاس.
- هناك فئة من الصحراويين المنضويين في الجيش.
- أما الطبقة العاملة فحديثة العهد، إذ واكبت نشأتها عملية استغلال منجم الفوسفاط ( على يد شركة رباعية بمساهمة رؤوس أموال اسبانية وفرنسية وأمريكية وألمانية). ولا شك أن اتساع هذا الاستغلال سيفرض نموها الكمي أكثر فأكثر.
- لكن السلطات الاستعمارية الاسبانية تتبع منهجا خاصا في تكوين هذه الطبقة العاملة، فهي تفتح سجلات في القبائل لكل من يريد العمل في المناجم، وتأخذ منهم الصور، وعقود الازدياد، وغير ذلك، وفي كل مرة تستدعي قسما ضئيلا منهم للعمل في المنجم، لكن ليس بصفة دائمة، وإنما لمدة ثلاثة أشهر فقط، يتقاضى العامل خلالها أجرة قدرها الإجمالي 80 ألف فرنكا. وبعد هذه المدة يسرح العامل نهائيا من العمل على أساس أن يتقاضى من الشركة مقابل بطالته الدائمة تعويضا قدره 10000 فرنك للعامل المتزوج و 7500 فرنك للعامل الأعزب( شهريا). والرقم التقريبي لعدد العمال الصحراويين20 ألف عاملا، منهم 15000 تعيش في البطالة المعوضة. واغلب العمال المستقرين والدائمين هم إسبان، جلبتهم السلطات من بلدها للعمل في الميناء والسكك الحديدية وحتى في قسط من المناجم.
- ولا مجال للحديث عن أية حرية نقابية، وعن أية مساواة داخل العمل، طبعا. والسياسة الاستعمارية الخبيثة في تشكل الطبقة العاملة كطبقة مستقرة قائمة بذاتها يضر طبعا بإمكانيات النضال العمالي وتطور الوعي الجماعي للعمال. لكن وضع عدم الاستقرار، والاضطهاد داخل المعمل خلال فترة العمل، يسمح بنمو وعي مناهض للاستعمار، ينقله العمال إلى البادية عند عودتهم.
- وهناك أخيرا الفئات الشابة " المبلترة" والعاطلة، وتمثل أغلبية السكان؛ و لازالت إحدى خصائصها عدم الاستقرار الجغرافي بحيث تنتقل باستمرار بين البادية والمدينة. وهذه الفئة شديدة التذمر من الأوضاع الاستعمارية، وجذرية في موقفها من الشيوخ الخونة. وفي مقدمتها فئة متعلمة وعاطلة، تعلمت محليا، أو رجعت إلى بلادها بعد أن كانت في مدارس البلدان المجاورة كالمغرب. وهذه الفئة حيوية ومرتفعة الوعي طبعا، وعادة ما تجدها في قطيعة تامة مع مخلفات العقلية القبلية. ويمكن الجزم على أنها تمثل رأس ورمح حركة التحرر وعمادها الأول.
- وإلى جانب هذه الفئات المتقدمة من الجماهير، فإن "البادية" لا يمكنها أن تبقى في موقفها الغير الايجابي من الاستعمار طويلا. خصوصا وأن الاستعمار الاسباني في إطار تخوفاته، يعلف الشيوخ العملاء، ويستفز القبائل الرحل، إذ يفرض حدودا لنطاق تجولها، ويخضع الأسواق لرخصته ( منذ 1967) الخ.. ويقيم الثكنات والقواعد العسكرية في عدد من نقط أرض الصحـراء.
5. الحزب المسلم:
يمكن القول أن "الحزب المسلم" كان رد فعل أولي على محاولات الاحتواء والاستغلال من المصادر الامبريالية والرجعية.
ففي سنة 1967، كون المغرب " جبهة" من بعض الموظفين المغاربة الصحراويين، وأعطى رئاستها لمحمدي بن سالك، لتكون كواجهة لإقرار مطالب الحكومة المغربية أمام هيئة الأمم المتحدة في كون الصحراء مغربية (الجماهير الصحراوية لم تؤيد هذه "الجبهة" لأن ماضي زعمائها سيء).
واهتدت إسبانيا لنفس المنهج فشكلت بدورها وفدا ادعى أنه " الممثل الشرعي" للسكان، بقيادة المستشار ( راخيل) رئيس المخابرات الاسبانية في المنطقة.
وقامت موريتانيا من جهتها تطالب بالصحراء "كجزء من أراضيها". وأمام هذه المناورات بدأت قناعة أساسية تتكون عند السكان، وهي ضرورة تشكيل حركة مستقلة تناضل من اجل الحقوق الشرعية والحقيقية لسكان الصحراء، بالاعتماد على قدراتهم النضالية الذاتية بالدرجة الأولى، وبعيدا عن كل المناورات التي تحاك ضدهم، ومن أجل القضاء على الوصاية التي تحاول أن تفرضها عليهم الدوائر الامبريالية والرجعية.
و قد كان الحزب المسلم التعبير الأولي عن هذا الاتجاه. وقد تأسس في شهر دجنبر 1966، معتمدا في البداية على أفكار خطري ولد الجماني المعادية للوجود الاستعماري، ثم تعزز بأفكار بصري محمد ( بفتح الصاد)، الذي دخل المنطقة سنة 1967، هاربا من متابعة الشرطة المغربية، التي جرها عليه موقفه المعادي لتأسيس "الجبهة المغربية" والذي أعلن عنه في مجلة "الشموع".
وقد تكون الحزب في سرية تامة، في مدينة السمارة معتمدا على الأقرباء والأصدقاء المخلصين، وكون له صندوقا ماليا اعتمادا على الواجبات المالية التي يدفعها الأعضاء ( يدفع العضو في البداية2000 ريال اسباني ثم يدفع بانتظام 5% من أجرته). وقد انتمى إليه السكان من كل الفئات ( عمال، جنود، أصحاب المهن الحرة).
وحدد الحزب مبادئه الأساسية كما يلي:
I) تحرير الصحراء من الوجود الاسباني.
II) الانضمام إلى المملكة المغربية مع الاحتفاظ بحقوق السكان كاملة. لكن التطورات فيما بعد وضعت خلافا شديد الحدة بين قادة الحزب حول هذه المسألة.
III) طريق التحرير هي الحرب المسلحة، المعتمدة على جيش وطني من السكان.
و على هذا الأساس جمع الحزب الأموال، وحاول شراء الأسلحة، ولكنه لم يحصل عليها من أي البلدان الثلاثة المجاورة. ووقف عند مرحلة تكديس الأموال.
6. مسلسل حوادث جوان 1970 وأهميتها السياسية.
في سنة 1970 عرفت الدبلوماسية المغربية تحركا واسعا استهدف الحصول على بعض الغنائم، مع تكريس الوضع الاستعماري بشكل من الإشكال.
وفي إطار المزايدة أمام الرأي العام الدولي، نظمت إسبانيا حفلا كبيرا في مدينة العيون جلبت العديد من المبعوثين الصحفيين من كثير من البلدان، وعن كل وسائل الإعلام. وبعثت إسبانيا من جهة أخرى بشاحناتها لجمع السكان من البوادي لإشراكهم في الحفل.
وشعر الحزب المسلم باللعبة، فقرر المشاركة، وجمع عددا كبيرا من أنصاره وبنى خيامه الخاصة، ونظم حفلا خاصا به في ربوة تشرف على مكان الاحتفال الاسباني.
كان الموجودون في الخيام الاسبانية، من جالية اسبانية، ومستشرقين وشرذمة من الخونة ينادون بحياة " الرابطة الاسبانية ـ الصحراوية ".
وكان الشعب في صمت رهيب في خيام الحزب المسلم وبعت الحاكم العسكري للمنطقة رئيس الشرطة والخائن المساعد له، ليطلب من هؤلاء "الانضمام إلى السكان " في الخيام الاسبانية، والتباحث مع السلطات في مطالبهم. وأجاب الجميع : "الصحراويون موجودون هنا، أما الموجودون في خيامكم فهم اسبان مستشرقون أو عملاء للاسبان" وبعد استشارة رئيس الشرطة مع الحاكم العسكري العام وقع الاتفاق على " ضرورة تطويعهم". وذهب رئيس الشرطة ومعه فريق يقصد إجبارهم على القدوم. لكن السكان نهروه، وأعلنوا له أن دخول الخيام ممنوع عليه لأنهم لا يقبلون بتحرك اسباني في المنطقة بدون إرادة الصحراويين، من الآن فصاعدا.
وغضب رئيس الشرطة فأخرج مسدسه وأطلق النار وأردى أحد السكان قتيلا. (وقع ذلك يوم الأربعاء 17 يونيو 1970 على الساعة الخامسة عشية).
عندها أخذ أحد السكان صخرة وضرب بها قائد الشرطة على صدره وانتزع منه مسدسه، وأفرغ الرصاصتين الباقيتين في اتجاه الشرطة الاسبانية، ففرت هذه الأخيرة لتخبر الحاكم العسكري بما وقع.
وجمع الحاكم العسكري توقيعات ما يسمى بالسكان ( أي عملاء إسبانيا). و أعطى الأوامر للقوات النظامية بتطويق الحزب في خيامه وإطلاق النار عليه من كل صوب. ففر كثير من السكان وسقط آخرون شهداء، وظلت الطلقات النارية تسمع في مدينة العيون حتى الساعة الثانية ليلا، تم منع التجول لمدة 3 أيام. وقد صرحت إسبانيا بسقوط أحد عشر قتيلا. لكن الحقيقة أكبر من ذلك. ويضاف إليها أن إسبانيا أحرقت بالبنزين 35 شخصا في غابة وادي الساقية البعيدة عن العيون ب 20 كلم.
والمؤكد أن كل من عثر عليه الإسبانيون زجوا به في السجن. وقد حصلوا على كل وثائق الحزب وأمواله.
أما رؤساء الحزب، خصوصا بصري محمد، ومحمد بن لوشاعة بن البصير، وخمسة أفراد آخرين فإن السلطات الاسبانية وحدها عالمة بمصيرهم لحد الساعة.
وقد تبع هذه الأحداث ثلاثة تطورات أساسية:
- تعمق الوعي الوطني التحرري للسكان وتوسع الاستعدادات النضالية فيهم.
- - تعمق الاشمئزاز من موقف الأنظمة المجاورة، وبالتالي تعمق الإرادة على شق التحرير باستقلال سياسي، واعتماد على الإمكانيات الذاتية بالأساس.
- - غياب القيادة الوطنية، لأن المعارضة احتوتها السلطات الاستعمارية. ومن أهم الإشارات إلى ذاك أن خطري الجماني، أحد المؤسسين الأوليين للحزب المسلم، انظم إلى برلمان الصحراء. وقد نادى في البداية بالمغربة، ثم صار ينادي بالحماية لفترة مؤقتة يتم خلالها تكوين الأطر، وهو الآن من الممثلين الصحراويين السبعة المنتدبين في البرلمان الاسباني المدعو ( الكورتيس). (يتكون برلمان الصحراء من 40 عضوا، ينتدب من بينهم7 أعضاء إلى الكورتيس الاسباني). وهذه التطورات السياسية تجعل من الجماهير تتطلع إلى قيادة ثورية جديدة، لنضالها التحرري، وهي تعقد كل آمالها على الشباب.
7. الأطماع المتنازعة، والاحتمالات الواردة:
أول ظاهرة بارزة هي عمل إسبانيا على ضمان نفوذها ومصالحها الأساسية في المنطقة. وبالإضافة إلى التطويق العسكري، والقمع الوحشي، والمضي قدما في ابتزاز خيرات أرض الصحراء، صارت إسبانيا تشترك معها الامبرياليات الأخرى في الاستغلال، حتى لا تبقى معزولة في سياستها عن الامبرياليات العملاقة.
وضمن هذا الإطار تدخل سياسة الشركات المتعددة الأطراف لاستغلال المناجم. وهناك أيضا حدثان دبلوماسيان هامان، يرتبطان بعموم إستراتيجية الامبريالية في المنطقة، تلك الإستراتيجية الرامية إلى بناء قاعدة عدوانية سياسيا وعسكريا في المنطقة ومراقبة مجموع غرب الوطن العربي، وضرب حركات التحرر الإفريقية.
فقد وقعت إسبانيا وفرنسا سنة 1969، معاهدة للدفاع المشترك لتأمين مصالحهما الامبريالية في الصحراء وموريطانيا بالخصوص. كما وقع تمديد معاهدة بين أمريكا وإسبانيا سنة 1970، تقبل بمقتضاها إسبانيا بتمديد وجود القواعد الأمريكية في قلب إسبانيا، مقابل قيام أمريكا بتثبيت وجود إسبانيا في الصحراء، بقواعدها العسكرية في المنطقة، وبنفوذها السياسي لدى بعض الأطراف المنازعة لإسبانيا، وبنفوذها الدبلوماسي على الصعيد الدولي.
الظاهرة الثانية هي تطورات المحور الثلاثي: المغرب- الجزائر- موريتانيا.
والحلقة الهامة في هذا الصدد هي مؤتمر نواديبو المشهور، والذي فشل حسب اعتراف دبلوماسي.
ويظهر أن المؤتمر دار بوضوح حول موضوع التقسيم إلى ثلاثة أجزاء.
1. المنطقة الشمالية الغنية بالفوسفاط تتبع المغرب.
2. المنطقة الجنوبية الغنية بالبترول، تتبع موريتانيا.
3. يعطى للجزائر منفذ على المحيط الأطلسي لتمرير معادنها. ووقع خلاف بين المغرب وموريتانيا حول موقع منفذ الجزائر، حيث يريد كل طرف أن يقع في الجزء التابع للطرف الأخر.
وقد أساء هذا الموقف التقسيمي طبعا إلى سمعة الأنظمة القائمة عند جماهير الصحراء مرة أخرى، وأكد عندها إرادتها في شق طريق تحرير نفسها بنفسها.
أما فيما يرجع لتناقضات الأطماع بين دول المحور الثلاثي، فيظهر أنها قد خفت.
مما يشير إلى ذلك، من جهة موريتانيا، كلمة ولد دادة في المؤتمر الإفريقي الأخير1971، حيث قال " يجب أن نعمل على زوال الاستعمار من منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب، وهذا في موقفه لأنه قبل ذلك أكد في عدة مناسبات على " أن اعتراف المغرب بموريتانيا لا يلغي مطالب موريتانيا في الصحراء".
ويظهر أيضا أن الجرائر لم تعد تنازع النظام المغربي ربما مقابل:
· اعتراف المغرب بسيادة الجزائر على تيندوف.
· إقرار وضعية الحدود الحالية بين البلدين.
· اتفاق النظامين في معاهدة ايفران على الاستغلال المشترك لمعادن الحديد في الجبيلات قرب تيندوف.
وارتبط المغرب بدوره مع إسبانيا، بمعاهدة لحسن الجوار والتعاون الفني والثقافي.
وهناك الآن ثلاثة احتمالات لتطور الوضع السياسي للمنطقة.
- أولها التقسيم: ويروج في الدوائر الرسمية الاسبانية، حيث يقبل نظام الجنرال فرانكو بهذا التقسيم، ويرفضه الجنرالات المتشبثون بالسيطرة الكاملة والمباشرة على المنطقة. ويظهر أن المغرب قدم اقتراحا يتضمن إعطاء المغرب جزءا من الفوسفاط على أساس أن مردود استغلال المناجم يتم توزيعه بين أمريكا وإسبانيا والمغرب. ويتضمن أيضا سيادة المغرب على المنطقة، مع ترك "الداخلة" ( حيث صيد السمك ) في يد الاسبانيين لمدة 30 سنة مع الاحتفاظ بالقاعدة العسكرية الأمريكية فيها).
- ثاني الاحتمالات، وهو الحكم الذاتي ويتضمن أن تشكل حكومة من رؤساء القبائل ، لكن تحت الحماية الاسبانية لمدة معينة في انتظار "تكوين أطر محلية". وقد كان هذا الشعار رائجا حتى عام 1970، حيث صار يختفي.
- ثالث الاحتمالات هو حكم الأقلية الاسبانية، على طريقة روديسيا. ومن مقومات هذا الاحتمال:
1- هناك ترحيل الاسبانيين بأعداد كثيرة قصد جعلهم يشكلون ضغطا سكانيا على طريقة الاستعمار الإسكاني لأرض فلسطين. وقد بدأ هذا التهجير في الستينات، وتمنح لكل مهاجر إسباني أقدمية 10 سنوات زورا في المنطقة.
2- تعلق العسكريين بالمنطقة، التي أثروا على حسابها، ويلاحظ من جهة تعلق حركة تحرير " لاس بالماس" (جزر الخالدات) بالمنطقة حيث يريدون بناء دولة صحراوية بقيادة تلك الجبهة).
3- في حالة زوال النظام الفرنكي، فإن الصحراء مرشحة للانفصال أكثر فأكثر(............)
4- الاسبانيون يدعون السكان إلى مقارنة سلوكهم في المنطقة بأعمال البرتغاليين في جنوب إفريقيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
8- طريق التحرير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن المعطيات الأساسية في مسألة الصحراء، تلك المعطيات المترابطة بين بعضها البعض يمكن إجمالها كالأتي:
ـ استمرار و رسوخ الهوية العربية لجماهير الصحراء، وتشبثها بتلك الهوية.
ـ تصاعد الوجود الامبريالي باتجاه تحويل المنطقة الصحراوية إلى قاعدة عدوانية على مجموع المنطقة العربية والإفريقية المحيطة.
ـ انكشاف النوايا التوسعية والتقسيمية والاستغلالية البغيضة من طرف الرجعيات المحيطة بأرض الصحراء.
ـ تصاعد إرادة الجماهير الصحراوية في فرض استقلالها السياسي، و رفض الوصايات الدبلوماسية والسياسية، والاعتماد بالأساس على إمكانياتها الذاتية لشق طريقها في درب التحرير.
ـ غياب قيادة وطنية صلبة لحد الآن، خصوصا بعد أن تعرضت المعارضة القديمة للقمع، وبعد أن انضوت بقيتها ضمن المؤسسات الاستعمارية.
ـ ارتكاز كل الآمال في إعطاء القيادة الثورية البديل في الطلائع الشابة الثورية الصلبة.
هذه المعطيات، تمكن من تحديد الملامح العامة لتطور نضال جماهير الصحراء.
أ ـ الدور الطليعي لجماهير الصحراء في تحرير المنطقة :
إن من العوامل التاريخية الأساسية التي عرقلت نمو (............. ) والسيطرة الاقتصادية والعسكرية الامبريالية وضد الخونة المحليين، هو التدخل المستمر خلال كل الفترة التاريخية الماضية لتطويق وتفريق المبادرات التحريرية في الصحراء وفرض الوصايا عليها من طرف الرجعية المحيطة بأرض الصحراء، وخاصة منها من جانب الرجعية المغربية. و قد وقع دوما هذا التدخل الرسمي تحت غطاء مغربية الأراضي الصحراوية. ومن الواضح أن الإفلاس الملموس للرجعية على صعيد المعركة الوطنية، وتعدد ارتباطاتها وتوثق تبعيتها للامبريالية، يجعلها في الصف المعادي عمليا لتحرير الجماهير الصحراوية.
إن تعمق التناقض بين الجماهير الصحراوية والسلطات الاستعمارية يسير بموازاة انكشاف التعامل الرجعي ـ الامبريالي على حسابها، ويجعلها بالتالي تنفر من شعار " الانضمام للوطن الأم" في ظل الظروف السياسية والتاريخية الحالية.
ومن ثم يتخذ الدور السياسي المستقل لحركة التحرير الصحراوية طابعه الحاسم في شق الطريق الفعلي الصحيح للكفاح، طريق العنف الثوري المسلح، الذي أكدت حوادث يونيو 1970 حتميته وضرورته بالنسبة للجماهير الصحراوية المضطهدة. إن شق هذا الطريق تحت شعار محاربة الاستعمار الاسباني والهيمنة الامبريالية في الصحراء، بالاعتماد أولا على ذات الجماهير الصحراوية، ليتطلب رفض الوصاية السياسية من الرجعية المحيطة بأراضي الصحراء، بكل حزم.
2 ـ ارتباط تحرر الصحراء، بتحرر المنطقة العربية المحيطة:
إن المبدأ الأساسي أعلاه ليلغي الشعار اللفظي حول (...............) في تفاعل النضال التحرري في الصحراء مع النضال التحرري في البلدان المحيطة بالصحراء.
وهذا الطرح يلغي النزعات الإقليمية والشوفينية المختلفة سواء كانت من الجانب المغربي أو الموريتاني أو الصحراوي ذاته، ويستبدل ذلك بمبدأ التضامن النضالي بين حركات التحرر في المنطقة.
ذلك أن خصائص المجتمع الصحراوي المتمثلة في :
ـ ضعف عدد السكان .
ـ الطبيعة الجغرافية الصحراوية للمنطقة.
ـ وجود " لاجئين" صحراويين في المناطق المجاورة للصحراء داخل أراضي البلدان المجاورة.
وخصائص السيطرة العسكرية والإسكانية الاستعمارية، هذه الخصائص الموجزة تجعل من المستحيل تحقيق النصر على العدو الاستعماري إذا لم تعتمد حركة التحرر الصحراوية على قواعد خلفية جماهيرية ونضالية صلبة، تماما على غرار المسألة الفلسطينية والبلدان المحيطة بها. وهذا الارتباط لا يلغي الأهمية القصوى للمبادرة الكفاحية الصحراوية في تحريك مجمل الأوضاع المحيطة، ووضع حد للانتظارية الدبلوماسية بممارسة ثورية ملموسة، ورفع الوصاية باستعادة الثقة بالنفس لجماهير الصحراء. وانه لمطروح على الجماهير العربية في مجموع بلدان المنطقة أن تضع التضامن النضالي مع الجماهير الصحراوية في جدول نضالها الملموس، كما أن حركات التحرر في المنطقة سيكون مطلوب منها إقامة جبهة نضالية صلبة لمواجهة المخططات العدوانية والاستغلالية والتقسيمية الاستعمارية والرجعية من أية جهة كانت، واضعة أمامها باستمرار مصلحة الجماهير في التحرر الشامل من كل أشكال الهيمنة الامبريالية، ومتجاوزة كل منطق إقليمي وشوفيني من أية جهة كانت.
وان الجماهير المغربية على وجه الخصوص وطلائعها، نظرا لطبيعة الممارسات الرجعية البغيضة، وللمواقف الإصلاحية اللفظية عليها أن تلتزم بمبدأ التضامن الفعال والعملي مع نضال الجماهير الصحراوية، واضعة تلك العلاقة ضمن الترابط التاريخي بين ذلك الدعم النضالي، وأهدافها هي في التحرر من الامبريالية والرجعية العميلة.
وأخيرا فإن على الحركة الديمقراطية في إسبانيا ذاتها أن تتضامن نضاليا وجماهيريا وبكل الوسائل مع كفاح جماهير الصحراء وعموم المنطقة، ضمن نضالها ضد النظام الفاشي بقيادة فرانكو والرجعية الاسبانية.

[1] ان الوثيقة لم تصدر عن إحدى المنظمات الماركسية اللينينية، لكن تقديم مجلة أنفاس التي كانت تعبر عن مواقف الحملم يوضح أي تغير بين الامس و اليوم.
[2] نحن لا نريد من خلال هذا القول أن نجعل مواقف الحملم في مرحلة السبعينات مرجعا فكريا و سياسيا، لأن مرجعيتنا هي الماركسية اللينينية، و لأن هناك العديد من تلك المواقف كانت تفتقد الدقة... إن ما نحاول إثباته هو الابتعاد الكلي "للنهج الديمقراطي" عن تلك التجربة فكرا و م
مارسة.