كارول أندرياس (1933-2004)

النساء في قلب الثورة البيروفية

 

بمناسبة انعقاد مؤتمر تضامني مع الثورة في البيرو في 23 يناير 1994 بمنتريال والتي  ألتف حولها مئات الأشخاص، حظي فريق العمل الاجتماعي بشرف استقبال العالمة الاجتماعية "كارلوس أندرياس" من جامعة نوردرن  كولورادوا  NORTHERN COLORADO، هذه المناضلة ورفيقة درب الحركة الماوية العالمية أعطت تقديما يُقدر جداَ دور النساء في المسلسل الثوري الذي تدور رحاه في البيرو. توفيت كارول أندرياس في 8 ديسمبر 2004 إثر مضاعفات تضخم شرياني على مستوى الدماغ. لقد بقيت دائما في تواصل مع مناضلي ومناضلات الحزب الشيوعي (CO)PCR، حيث تابعت النشاطات باهتمام ومثابرة.

إننا نعيد هنا نص المداخلة التي ألقتها عام 1994، كما ترجم ونشر في صفحات جريدة" الاشتراكية الآنSocialisme Maintenant.

إنه لشرف عظيم أن أتواجد هنا معكم بمونتريال، إنها أول زيارة بالنسبة لي لهذه المدينة وهذا يمنحني فرصة لتوسيع آفاقي برفقة أناس أكثر قوة وذكاء.

لقد طلب مني المجيء للتكلم عن النساء في خضم الثورة البيروفية، لكن أريد أولا أن أضيف شيئا لما قاله رفيق العمل الاجتماعي حول الوضع العام كما تدركه أمريكا الشمالية من أسبوعين فقط أطلقت " النيويورك تايمز" صفحتين إعلانيتين مليئتين للشركات الراعية في الاستثمار بالبيرو. ولأجل الاستفادة من معدل إنتاج الغلة المقدر ب200% على الفوائد سعيا منهم لتشجيع الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الأكثر مردودية للاقتصاد البيروفي، القطاع النفطي وفي قطاع مناجم الذهب، تمت عنونة المقال بـــ" هل أنت فعلا عصرت كل عصير البرتقال؟" وكانت هاته العبارة  مصحوبة  بصورة لامرأة تعصر برتقالة في يدها. بهذه الطرق التي يتم انتقاؤها يتم التوجه للمستثمرين المحتملين الأمريكان بالبيرو.

في نفس الإعلان نوضح حالياَ أن 70% من المقايضة التجارية بالبيرو يتم تنفيذها من طرف شركات أجنبية. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن البيرو من بين البلدان الأكثر انفتاحا على الاستثمارات الأجنبية

دور النساء في الإنتاج البيـــــــــــروفي:

أود قبل أن أحاضر أكثر حول النساء في الحركة الثورية، أن افتتح بتوضيح أنه في كل زمن كنا نعتبر النساء في تحليل الطبقات الاجتماعية مجرد ملحق للرجال، لا نعترف بوضعهم الطبقي أو وضعهم السياسي. وقد كـــرر علماء الاجتماع الماركسيين هذا الخطأ وسببوا فيه بجسامة.

إنهم بهذا لا يسيئون فقط للنساء وإنما للثورة نفسها .والحال أن النساء البيروفيات برهنوا بصورة واضحة ،أن النساء لهم صلة جد خاصة بالدولة. وأن هذه الصلة مشروطة بالمكانة الخاصة التي يحتلونها في التنمية الاقتصادية والسياسية للبلاد .

عندما اجتاح الإسبان البيرو تم تشغيل التجمعات البلدية للبلاد حسب تقسيم للسلط بين الرجال و النساء فيما قبل كانت النساء تُدرن الإتحادات (التجمعات ) بشكل يومي ، هذا النوع من المجتمعات كان متواجداً في أحسن المناطق في العالم  وقد أثبتت الكتابات الأنتربولوجية أن الحال نفسه يسري على البيــرو. نعرف أيضا أنه في عهد الغزو أًًًًًَخلت الكثير من النساء المواطنات الأصليات المناطق النامية لاجئات للجبال بالبيرو المركزي، هروبا من المعاشرة غير الشرعية العنيفة والتي يرافقها قمعا يمارس عليــهن.

هذه الدعاية تمنح لرجال هذه التجمعات امتيازات تدريجيا، أولئك الذين يقبلون الخضوع بأي شكل من الأشكال لهذا النظام الجديد، حيث يسمح لهم باسترجاع امتلاك السلطة على نسائهن.

 لم يكن للشعب البيروفي ليقبل في كل مرة هذه القوانين الجديدة بالقدر الذي يمكن أن يفعل في أي بلد آخر محتل. لكن هذه المظاهر الجديدة تبرز بعمق التاريخ اللاحق للبيرو، في النطاق الذي سيسمح من الآن فصاعداً بأن يغدوا الرجال مخصصين للعب دور الوسيط بين مجموع تجمعاتهم والدولــــة المستعمــــرة.

  النسٍٍٍــــــــاء محرومات من سلطتهـــــــن

إن هذا يحفظ للرجال التعلم من الإسبان، إذ يسمح لهم بمزاولة التجارة، إنشاء حكومات بلدية إلخ ...بقدر ما تتجه البلاد نحو الرأسمالية ،يتم إقصائهم من قطاعات الإقتصاد حيت يتطور التصدير .

كان لهذا الطرد ومختلف التميز المقترف في حق النساء، نتائج هامة حين بدأ القرويون النزوح في اتجاه المناطق الحضرية هروبا من الظروف القاسية ............ماعدا تجريدهن نهائيا من هويتهن الأصلية، فإمكانيات  العمل الوحيدة التي أعطيت لهم تلخصت في الزج بهن لبيع لا شكلي لأجسادهن على الرصيف، العمل في البيوت أو الدعارة .

هؤلاء اللواتي بقينا بالجبال تواجهن مسؤولية هائلة من قبيل الدفاع عن تجمعاتهن ضد أي محاولة لاحتلال الأرض، وضد ما يتداول بخصوص التنمية الاقتصادية للعالم القروي .

كلما اتجهنا نحو المناطق الجبلية يقل عدد الرجال شيئا فشيئا، وفي واقع الأمر يجبر هؤلاء على مغادرة التجمعات بحثا عن العمل في المناطق الحضرية، أو في المناطق المنجمية بهدف إيجاد عمل جيدا. وهذا النزوح الإجباري للرجال تضطر بسببه النساء للقيام وحدهن بالعمل الفلاحي الذي كن يتقاسمن فيما مضى أعبائه مع أزواجهن ونفس السبب أي ابتعاد الرجال عن النساء والأطفال يدفع النساء للإنخراط في قلب النضال للدفاع عن الأرض بل وأيضا لحماية أعراف ولغة تجمعاتهن QUECHUA  كلغة رسمية. ثقل هذه المسؤولية ورط النساء في سياق حيث يحسسن شيئا فشيئا بالتناقض الاقتصادي للامبريالية.

            ايكيشو(Ayacuho) ما هي النقاشات النسائيــــة

هذه النماذج تسمح أان نؤكد أن النساء يلعبن دوراَ رئيسيا في الحياة السياسية والاقتصادية للبيرو ولو أن هذه الخصوصيات قابلة للتعلم في أحسن بلدان العالم، إلا أنه بالبيرو يتأكد الأمر بطريقة أكثر علانية.

في منطقة أيكيشو، حيث انطلقت الثورة، تعيش معظم النساء في الهضاب العليا للبيرو، حيث يزاولن الرعي والنسيج، يجب على الرجال المشي قرابة يومين للصعود والانضمام لهن، من جهتن تنزل النساء من الهضاب في المناسبات، في أوقات الزرع والحصاد لمساعدتهم كما هو الحال وقت مختلف المهرجانات. كما أن العائلات تشتغل في هذه المناطق فالنساء والأطفال يعيشون في الهضاب العليا والرجال سواء.

في الوقت الذي كنت أعيش فيه بالبيرو، في سنوات السبعينات، كنت أعمل مع ملاك عقاري، وعندما رجعت في سنوات الثمانينات كانت لي فرصة مرافقة سيدة تشتغل عند هذا المالك في منطقة الأبريماكApurimac   وجدنا    تجمعات هناك لهنود يشتغلون تبعا لنمط الحياة الذي سبق لي وصفه.

كان يلزمنا تسلق ما يقارب سبع ساعات من الزمن للانضمام لفريق الرجال الذين يعملون على مشروع بناء الطريق. بالمناسبة، نزلت بعض النساء من الجبال لأجل مساعدة رجال الورش لإنجاز مهام مختلفة.

كان هذا المشروع في تحرك منذ سنوات كثيرة وقد كان يرجى منه تسهيل التنقلات، أمكنة العمل اتجاه العائلات المستقرة في المناطق الجبلية. أثناء زيارتي كان هناك ممثل عن الحكومة بغية عقد اتفاقية مع أعضاء التجمع. كان مقترح الحكومة هو تمويلهم بكل التجهيزات الضرورية لتسريع بناء الطريق شرط قبول جعل هذه الطريق موصولة وجاهزة بالنسبة للحاجيات المحتملة للحكومة.

كل هذه المفاوضات سمع عنها في إسبانيا، وعلى طول النقاش، كان ممثل الحكومة يتوجه بخطابه للرجال خصيصا مُولياً ظهره للنساء الحاضرات. جلست معهن وعملت طبعا على تحريضهن وكيفية تجاوزهن للجهل أيضا. أدركت في كل الاجتماعات التي حضرت فيما مضى أن حضور النساء ضروري بصورة مطلقة لإعطاء اللقاء طابعه الرسمي ليس فقط في هذه الحالة، وإنما بصفة عامة. تتواجد أغلبية النساء في هذه الإجتماعات بفعل الظروف الخاصة للحياة بالبادية.

لقد أخبرتني النساء أنهن لا يردن أن يتورطن في هذه الاتفاقية مهما تكن. إن وجهة نظرهن حول المسألة واضحة جدا: الطريق المشيدة يجب أن تكون لخدمة المجتمع والقرية وليس لخدمة عصابة الحكومة.

كان لهذا الحدث أهمية جليلة بالنسبة لي، لقد أدركت أن النساء يمكن أن يحولن التهميش والإقصاء الذي يعيشونه إلى سلاح ضد الدولة خصوصا وقت الأزمة.

في سنوات الثمانينات، استوعبت أن وضعا من هذا القبيل يصبح رمزا لمقاومة النساء والأمر يسري في جميع البلدان، لأن النساء الأكثر تهميشا من طرف الدولة يلعبن دوراَ هاما و يتأكد أكثر فأكثر وهن يتمتعن ببعض القانون من داخل تجمعاتهن. والحال أنه في ظرفية الأزمة تستطيع النساء تقلد السلطة والقيادة.

لقد تمكنت من معاينة الظاهرة التالية من داخل بعض النقاشات المشركة: منذ قدوم ممثل الحكومة للقاء رجال الاتحاد وبالتالي مناقشة قرارات تم اتخادها وترجمتها في اسبانيا، كان الرجال جالسين حول الطاولة والنساء بقين جالسات للأرض فمنذ أن أبدين معارضتهن لأشياء قبلت، أخذن يناقشن أكثر فأكثر فيما بينهن، فخلصن إلى مقاطعة اجتماع الرجال لإبداء معارضتهن منذ هذه اللحظة أصبحت النقاشات تتم في أيكيشو(Ayacuho) وتديرها النساء، بهذا أصبحن قوة مسيطرة في التجمعات في مناطق كثيرة من البلاد.

هذه الحالة تواجدت قبل وجود الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) وحينما باشر هذا الأخير الثورة وحسم السلطة في مناطق محـــررة، كانت النساء أوائل المنظمين وبكثافة للحركة وكن متقدمات في الصفوف الأولى لكفاح التحريــــــر.

عندما سألت بعض الرجال من داخل الاتحاد، لماذا النساء هكذا متموضعات في قلب النضال أجابوني بأن ذلك مقصود، بهدف تقليص القمع المتوقع الذي تمارسه الدولة والجنود إذ أنهم لا يتجرؤون على مواجهة النساء.

وحينما طرحت نفس السؤال على النساء، كان الجواب ببساطة بأنهن من لهن المصلحة الأكبر في استرجاع أراضيهن والتحرر من اضطهاد الدولة، أما من جهة حجة أن الجيش أقل عنفا مع النساء فاليوم ليس صعبا إثبات أن هذا لن يخفف حدة القمع بل على العكس من ذلـــك.

حين تم إنشاء الحزب الشيوعي البيروفي(PCP)، كانت جامعة ايكيشو(Ayacuho) واحدة من أنذر الأماكن التي تلجها الساكنة الأصلية والنساء للدراسة، حاليا حسمت الحياة الاقتصادية لهذه المنطقة جذريا مع كل مسلسل الخوصصة الرأسمالية للاقتصاد ولا زالت لا تعير اهتمام لادعاءات الإصلاح الزراعــي الذي تختبر الحكومة إمكانية تطبيقه لإلغاء تكرار انتفاضات سنوات الستينات. تختبر الحكومة إذن تسريع التنمية في المنطقة وإعادة فتح الجامعة المغلقة منذ الحرب مع الشيلي جاعلة هذا المخطط ضمن برنامج عصرنة المنطقة المقترح من طرف الدولة.

إن أغلبية الطلاب من هنود المنطقة، واعتقد أن الفيدراليات الطلابية للبلاد حالها حال "أبيمايل غيزمان Guzman Abimael " نفسها، تلقت تأثير هذه الثقافة الأصلية حيث تتقلد النساء أيضا دور القائد.

لكن الحاجة أيضا لممارسة ثورية تنكشف بناءاَ على حماس وذكاء نساء أيكيشو (Ayacuho) اللواتي تمكن من تطوير هذا الشكل للاستقلال الذاتي الاقتصادي والاجتماعي اتجاه الرجال لكنهن يعشن وضعاَ تنديديا( نقديا Critique) بفعل التفكك البطيء للحياة المشاعية، إنهن يتكبدن عناء الإبعاد الإجباري للرجال في بحثهم عن العمل.

في هذا السياق إذن وحول هذه التأثيرات طورت الحركة الثورية البيروفية الوليدة شكلا نسائيا جد جبار ارتأى أن يكون له انعكاس على الكتابات النظرية لمارياتيكيMariategui المرشدة والمنظرة لحزب العمال والفلاحين الأول بالبيرو.

صنفت إذن كتابات مارياتيكيMariategui المجتمع البيروفي كمجتمع شبه إقطاعي وشبه استعماري. تحليل جد مشابه لما ذهب ماوتسي تونغ إلى تطويـــره في الصــــــين.

يضم عمل مارياتيكي Mariategui أيضا بعض المحاولات حول المسألة النسائية، حيت درس تطورها حينما كان يعيش بأوربا في غضون سنوات العشرينيات صنف النساء الئ 3 أنواع بورجوازيات ،بورجوازيات صغيرات، بروليتاريات وذلك بالتوالي بقدر الإضطهاد الذي تعيشه النساء بكل أشكاله لكن أضاف مارياتيكيMariategui أن النساء البروليتاريات اللواتي يستوجب تبنيهن من طرف الماركسيين والأحزاب التورية وضرورة تطويرهن .استعمل إذن مارياتيكيMariategui مصطلح النسائي féminisme  في هذا الإتجاه. ونساء أيكيشو بوجه الخصوص اللواتي ناضلن في الحركة الطلابية ،طورن هذه الفكرة ليس فقط استلهاما لتصورات مارياتيكيMariategui لكن أيضا من خلال تاريخهن .

عندما كنت أدرس في هينكايو huancay   منطقة تبعد بما يكفي عن إيكشو،كنا نسمع عن مناصري المسألة النسائية féministes   بهذه الجامعة ،وقد بدأنا فعلا مناقشة وجهة نظرهن مع أفاضل الماويين بليماlima  أركيبا Arquiba  وأماكن أخر، ولهذا العمل استدعينا نحن أيضا لمناقشة المسألة بفضل حضور بعض الطلبة والطالبات بوجه الخصوص والذين كانوا سابقا في أيكيشو Ayacuho .

كانوا ير غبون في نشر هذا النقاش في جميع شمال البلاد وبفضل ذلك طفا للسطح تصور نسائي شعبي لا يستخدم مصطلح féminisme prolétarian  كما يسمع به عند مارياتيكيMariategui، لأنه عكس ما يوجد بأروبا تشكل النساء بالبيرو نسبة قليلة من مجموع البروليتاريا وهن قليلي التطور في العصر الحالي، إنما يتم الحديث عنه بشكل أكثر هو الحركة النسائية الشعبية.

حاليا هؤلاء المناضلات يشكلون الجزء الأكثر نشاطا والأكثر ظهورا ليس فقط في الحركة الطلابية وإنما أيضا داخل الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) رغم حداثة تكوينه، بل الكثر من ذلك فالمواضيع الأولى التي نشرت من طرف الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) كانت تبحث في إشكالية المسألة النسائية.

يوجد جدل حول أصل هذه القضايا، وباختصار أشد حول إسم كاتبها يقال بانها كاتالين أندريانزين كتبت بعضا منها، وهي تعيش الآن في المنفى وتخضع للعلاج في مصحة بأوروبا نظراَ لما لاقته من صنوف التعذيب الذي عوقبت به قبل أن يسمح لها بمغادرة تراب البلاد. لم أتمكن من الحديث معها حول مواضيع هذه القضايا لكن عائلة أكستو لاتور اخبروني من جهتم أن غيزمان نفسها دونت بعضا منها. ومن كراسة حول تحليل المسألة كما طورها مارياتيكيMariategui. أتمنى يوما معرفة موضوع القصة.

                   الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) في طليعة نضال النســـاء

حاليا ينشر الحزب الشيوعي البيروفي (PCP) بلغة الكيشيا Quechua كل المواضيع المتعلقة قضايا اضطهاد النساء، فهو يمتلك برنامجا يفرض مجموعة مشاكل خاصة بالنساء والتي تشرح كيفية القضاء على هذه المشاكل عن طريق إنجاز الثورة.

تم توزيع هذه المواضيع ومنشورات الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) في وقت كان فيه مجموع اليسار التقليدي قد اعتبر المسالة النسائية مجرد تناقض بين الرجال والنساء ولم يعتقد إذن بضرورة الاهتمام بها حالا مفضلا انتظار ما بعد الثورة لمناقشة هذا النوع من المشاكل.

حظي الوضع الذي يخص النساء بالتطور من طرف الحزب الشيوعي البيروفي (PCP) غير أنه في ذلك العهد لم احتك مباشرة مع الحركة، لأعمل مع فريق آخر سيلتحق بعد مغادرتي باليسار الموحد بمناسبة الانتخابات البرلمانية1980.

في وقت مبكر شيئا، لما كان الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) قد قطع مرحلة السرية ولما لم يشن النضال المسلح بعد، فقد أتيحت لي فرصة العمل مع مناضلات ومناضلي الحزب في Les barriados مدن الصفيح الكوما comas حيث كانت تعيش عائلة زوجي آنذاك، كانت مدن الصفيح هذه واحدة من أوائل التشكيلات في هذا القطاع التابعة للمهاجرين القرويين الذين شرعوا في الاستيلاء على المساحات بالأحياء الواقعة في ضواحي المدن.

كان الحزب الشيوعي البيروفي يزاول عمله بشكل جد منفتح كباقي كل أحزاب اليسار.إلا انه كان يعتبر حزبا غير شرعي. ومن داخل مدن الصفيح هذه شكل بعض المناضلين لجنة للنضال. لقد تأثرت جدا بطريقة تحملهم للمسؤولية ولو أن موجهي هذه اللجان مجرد طلاب بسطاء، طلاب وطالبات قدموا حلولا لأكثر المشاكل تعقيدا من شاكلة غياب نظام " الواد الحار" النقص في وسائل النقل، وإعادة تموضع الطريق السيار البعيدة بــ5 كيلوميترات، حيث يستلزم إرجاع هؤلاء وأولئـــك الذاهبين للعمل كل يوم. والحال أنهم نظموا سير عمل كل اللجان بــ" الذهاب من منزل لمنزل داعين كل عائلة لانتخاب واحد أو واحدة من هؤلاء من أجل اجتماع دائرة القضاء حيث تتم مناقشة المشاكل. تشكل النساء الأغلبية من داخل هذه الاجتماعات المنظمة من طرف الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) في حالات كثيرة يعمل الرجال من داخل لجان وضعتها الحكومة رهن إشارتها في مدن الصفيح فيتوجب إعفائهم من عدة خدمات ويفشلون في القيام بذلك.

في الحي الذي كنت أقطنه، وظفت الحكومة الرجال في قلب الاتحادات التي تشرف عليها الدولة بصفتهم أرباب الأسرة وتستوجب أكثر من ذلك أن يكونوا مالكين ويعيشون في الحي مدة لا تقل عن 10 سنوات.

كان الأجدر بالمنظمين تحمل المسؤولية وأخذ الوقت لتعليم النساء القراءة والكتابة لأن أغلب النساء اللواتي يشاركن في الاجتماعات أميات تم تدريبهن على أيدي شباب مناضلين من الحزب الشيوعي البيروفي(PCP).

 لقد تأثرت بالغ التأثير بهذا الشاب الذي يمثل العائلة حيث كنت أعيش آنذاك، التحق بصفوف الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) ويشغل الآن مدرسة شعبية.

                             الســـلطة الجديدة تتــأســس

المدارس واللجان الشعبية التي أتحدث عنها جهزها الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) منذ أمد بعيــد، قبل أن يدخل في السرية بكثير.

 تلك اللجان شكلت النواة الجديدة للحكومة الجديدة، عندما التحق مناضلوا ومناضلات الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) بالعمل التنظيمي، لم يكتفوا بالقول للناس" ابدءوا النضال ويوما ما سنغير الحكومة الحالية" لا بل بدلوا بكل بساطة الحكومة الحالية وممثليها وأسسوا لجنة شعبية، اليوم تمثل مدارس لجان الشعب هذه الشكل الوحيد للحكومة في 40% من مقاطعات البيرو ويتوسع الحضور النسوي بشكل مهيمن.

هذا التغيير يعني أن الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) عوض الإدارات المحلية المديونة للدولة البيروفية وحيث الرجال يهيمنون على الأغلبية، بحكومة شعبية مديونة أمام الشعب وتحظى النساء بمكانتهن من داخلها.

يتوجب على اللجان الشعبية أيضا أن تواجه مباشرة الشرطة الوطنية الحاضرة في كل البلاد والتي تسيرها الحكومة المركزية.

كواحدة من المهام التي يتحتم على الثورة إنجازها إذن هي قلب هذه السيطرة وأكثر من ذلك خلع الإدارات المحلية الرسمية. ويتأتى هذا في معظم الوقت بالقدرة على الإقناع، بالضغط على السكان، بالتحريض المنسق للتنظيمات الثورية كما هو حال تلك اللجان والمدارس الشعبية التي  جعلت من تواجد الأشكال القديمة للسلطة غيــر شرعي في واقع الأمر.

على العكس، حينما تزيد مجهودات التواطؤ مع منظمة خارجية بفرض تنمية أحد الأحياء كما هو الشأن في بعض مدن الصفيح، يتمسك الحكام المحليون بالسلطة ويرجعون المواجهات التي تتحدث عنها الإذاعات الكبرى إلى مجــرد أعمال عنف في مدن الصفيح.

غالبا ما ورطت تلك الصراعات حكام" اليسار الموحد" في السلطة منذ الانتخابات البلدية زمن قلب الحكومة العسكرية. لقد أعادوا الانتخابات عن خطأ. كل ذلك في غضون سنوات الثمانينات. لكن مرشدي اليسار هؤلاء، أصبحوا شيئا فشيئا متسامحين أمام الحكومة فاكتفوا بأن يلعبوا دور المعارضة الشريفة، بالضبط كما يصنع اليسار البرلماني.

                   اليــسار التقليدي الفاســـــد

نستطيع إثبات فشل اليسار التقليدي وعجزه الحقيقي عن إحداث تغيير اجتماعي وهذه واحدة من خصوصيات البيرو، مقارنة ببلدان أخرى مثل السالفادور أو كواتيمالا.

اليسار البرلماني هذا، والمتواجد بالبلديات أصبح فساده يفوق التصور ولم يعد يمتلك أية شرعية في صفوف الشعب. يتواجد هذا الفساد أيضا في الأوساط النقابية وفي مدن الصفيح كما هو الشأن بالسالفادور حيث تعيش أم زوجي السابق، لقد أصبح هذا الحــي "كوريا جنوبية" حقيقية، حيث مجموع العجائب نشأت عن المساعدة الأجنبية التي استقدمتها لتختبر قدرتها على تشكيل سلطة "التسيير الذاتي" ارتكازا على القاعدة . في واقع الأمر يبقى كل هذا مصطنع من طرف "المساعدة الأجنبية"، والحال انه بقدر ما زاد فقر البلد، لا تستطيع البرامج أن تحقق فيه الاكتفاء إذ أن مجموع تلك الأموال تبقى مقسمة مع الناس الذين يتناقصون (أي المستفيدين من المساعدات) لتقتصر المساعدات على الأصدقاء، العائلة وجيران الحكام المحليين.

اتخد مسلسل الفساد هذا نسبا دفعت الكنيسة الكاثوليكية لقطع كل صلة ببرامج المساعدات في يومنا هذا بقي ضمن خريطة البرامج برنامج يدعى" كأس حليب" على سبيل المثال الذي فقد الاعتبار نهائيا لكونه كان موضوعا لفساد وانحلال معروف.

لقد تم إيقاف العديد من الأشخاص حتى من طرف حكومة فوجيموري نفسها لأنهم استغلوا رؤوس الأموال المجلوبة من الخارج للاغتناء الشخصي.

                   نتائــــج الفســـــاد على النساء

كل مسائل الفساد هذه كانت لها نتائج عديدة على النساء:

تتركز معظم النساء في القطاعات التي تتميز بضعف التنقيب، فالمانيفاكتورات والمصانع المنقبة تعاني من بعض الغياب للعنصر النسائي، بينما تتمركـز في الشركات المتعددة الجنسية ومانيفاكتورات الملابس والمنتجات الالكترونية وفي صناعة الصيد مشتغلات كمستخدمات في مصانع الملعبات.

تتواجد النساء أيضا في المزارع، حيث يشتغلن حسب المواسم طيلة مواسم الحصاد لذلك لا يتمكن من ولوج العمل النقابي، إنهن يسعين إلى أن ينتظمن حيث يكن حاضرات في بعض المانيفاكتورات غالبا بدون دعم المراكـــز النقابيــة.  

النساء مطالبات بالنضال ليس فقط ضد الاقتصاد الرأسمالي والدولة التي تحميه، لكن أيضا ضد التهميش الذي يطالهن من لدن أحزاب اليسار التي تسير منظمات العمال في القطاعات المنظمة خصوصا تلك التي تضم حضورا نسويا.

طورت العاملات بناءا على ذلك كفاحا جد جذري عبر النضالات التي تستوجب غالبا ان يكن في القيادة، فمعظم من استولين على المصانع كن منظِّمات من طرف عاملات، وغالبا ما تكون النتائج شنيعة بالنسبة لهن. إذ تؤدي هذه النضالات غالبا إلى طريق مسدودة، حتى وإن نجحن في احتلال مصنع وتم تشغيله فإنهن يعانين مرارا مقاطعة الصناعات الأخرى والنقابات والباعة. ووضعا من هذا القبيل لا يمكن ان يتفاقم مع تطبيق إجراءات النيوليبرالية حاليا بالبيرو. فبعض المقاولات الصغرى زالت تحت تأثير هذه الاجراءات ويحصل هذا بغض النظر عن المالكين. هذه الأمثلة لها تحليل آخر ما يجعلنا نفهم لماذا النساء أكثر انجدابا للثورة من الانجداب للسياسة التقليدية.

إن حضور النساء في المسلسل الثوري بالبيرو ظاهرة تم تقبلها وتفهمها مع مرور الوقت. بيد أن العديد كانوا يستغلونها لإهانة النساء أو إهانة الثورة. كم مرة كنا نسمع أن النساء المتواجدات داخل الحزب الشيوعي البيروفي(PCP) "فقدن كل أنوثتهن" و"إنهن يحبدن ان يكن مغتصبات"  وكل أنواع التجريح الهادف إلى إفقاد الثقة في الثورة وتشويه سمعتها.

                   استراتيجيات تراجـع الدولة البيروفيـــــة

شعورا منها بالوعي، شرعت الدولة في توزيع رؤوس أموال المساعدات الأجنبية، بإدارة مشاريع موجهة بالدرجة الأولى للنساء. وغالبا ما تكون مجموعات النساء المبادرات بهذه المشاريع ( معبآت ) من طرف الحركات النسائية المناصرة لقضية المرأة Féministes عبأتهن أحزاب اليسار التقليــدية.

هذا المجهود الواعي لمنظمات غير حكومية ومنظمات نسائية لتستقطب مجموعات النساء تلك سمح لها بتوجيه مناضلات في عمل نموذجي للحركات النسائية البرجوازية الصغيرة.

للأسف هذا التصور تحمله نساء منحدرات من أوساط شعبية لكنهن ابتعدن تدريجيا عن أصلهن ليصبحن مُسَيرات لهذه المشاريع.

فجرت هذه الاستراتيجيات الحكومية جدلا حاداً من داخل الحركة النسائية نفسها، لأن أولئك النساء اللواتي أنتجتهن المنظمات غير الحكومية (ONG) ابتعدن تدريجيا عن أصلهن الشعبي، ففعلا لقد تورطت النساء في هذه المشاريع. ولو أنها ..............ماديا........إلا انها أبقتهن مهمشات للغاية في علاقتهن بالسكان.

طبقت الحكومة إستراتيجية التراجع والفساد هذه بنجاح مؤكد، مما يعني أن النساء اللواتي كنا فيما مضى قياديات في النضالات الشعبية سيتحولن اليوم إلى مصاف الثورة المضادة.

          تراجــــع المطابخ الجماعية:

تعد المطابخ الجماعية واحدة من النماذج التي تعكس جيدا مسلسل التراجع هذا:

كانت النساء المناضلات أول من سار في مسألة المطابخ الجماعية، وقد صادفتهن منذ البداية معارضة شديدة خصوصا من طرف الكنيسة وكذا بعض الرجال الذين يحلوا لهم أن يروا نسائهم غارقات في مطابخهم حتى أخمص أقدامهن.

وقد أصبحت هؤلاء النساء ينعتن بالشيوعيات لأنهن نظمن الوجبات جماعيا بدلا من ترك رجال الديــن ينظمون توزيع الغذاء.

الأكيد أن الحكومة كانت تعارض هذه المطابخ لأن مثل هذا الشكل يدخل في نطاق التسيير الذاتي وقد عرف هذا الشكل اتساعا حقيقيا خصوصا حين شن المدرسون إضرابا في العاصمة ليمـا وكانت النساء يبعن الغذاء للمضربين.

حاولت الحكومة جادة وأد هذه المبادرة وقد كان برنامج " كأس حليــب" يدخل في هذا الإطار.