رسالة قصيرة إلى الشهيد

ترددت كثيرا قبل أن أكتب إليك هده الرسالة القصيرة،أحسست برغبة قاتلة في
أن أكلمك،و أنت ترقد فوق عرش الشهداء،في أن أحكي إليك ما في رويتي من
آمال و تطلعات و أحزان،في أن أطلعك على أحوال رفاقك أحوال شعبك... هل
تعلم أيها الرفيق أن شعبك الذي أحببته حتى الموت حتى الشهادة،لا زال
يتذكرك،لا زال يناضل و يكافح و ينتفض،فأصبح من كثرة حبه للحرية و
الإنعتاق يعشق الزنازين و المبيت في العراء خلف القضبان... هل تتذكر كيف
كنا نبيت في الخلاء في عز البرد و الشتاء،كيف كنا نجوع أياما و ليالي من
أجل أن ننتزع الحي الجامعي من أولئك الدين قتلوك، بالمناسبة فهم هده
الأيام يحتفلون بذكرى اغتيالك الأولى في جميع الأماكن،في
أوربا،آسيا،أمريكا،إفريقيا،وفي المحيطات و حتى على أسطح الكواكب القريبة
و البعيدة،يشربون نخب موتك في تلك الليلة الباردة القاسية... لكن لا تحزن
أيها الرفيق،ففي المقابل هناك من يحيي ذكرى استشهادك و هم كثر جدا ،أكثر
من الدين اغتالوك،إنهم في جبال الهند و النبال و البيرو،في غابات إفريقيا
و أدغالها،في دور الصفيح في جبال أنفكو بخنيفرة،في تغجيجت،في الجامعات،في
الزنازين و السجون،و حتى تحت سطح الأرض كما هو الحال مع الرفيق
كونزالو... آه،قبل أن أنسى أود إخبارك أيضا أن الطلبة و رفاقك في مراكش
محاصرين من طرف الجلاد،تصور يا رفيقي أنهم يبيتون في العراء مند حين،بل
إن البعض منهم زج به الجلاد في سجونه الباردة،تصور أيضا أنهم لا زالوا
صامدين،يقاومون الضربات المتتالية بأجسامهم الصغيرة الضعيفة و القوية
الصلبة في الآن نفسه،...تصور أنهم رغم هدا الحصار لا زالوا يفتحون
الحلقيات كما العادة،...آه يا رفيقي تمنيتك لو كنت حاضرا لتشاهد بعينيك
الجميلتين الثوريتين مدى القوة و العنفوان الذي يسري في
أجسامهم،...تمنيتك لو شاهدت كيف حاصر الطلبة دلك العميد المسكين في
مكتبه،و كيف تمكنوا من تسجيل الكثير من الطلبة الفقراء المطرودين،رغم
أنفه المتعفن،...كيف اقتحموا الحي الجامعي و تمكنوا من السكن فيه
بالمجان،...كيف أصبح مديره الباشا يرتعد و يتوسل الطلبة كي يوقفوا
احتجاجاتهم الليلية و النهارية المتواصلة... كيف يزينون الجامعة بصورتك
الأسطورية ليل نهار ،إنها صورة جميلة،...تظهر فيها أيها الرفيق و أنت
تلتحف كوفية فلسطين محاطا بألوان الثورة و مكتوب عليها اسمك،يظهر وجهك
فيها صامدا و ثوريا كلما نظر إليه الطلاب،تطلعوا إلى الغد الثوري
الأحمر،...غد الحرية و الإنعتاق... أتتذكر أيها الرفيق يوم اختطفوا
جثمانك من مستودع الأموات،....و دفنوك في غياب أمك و أبيك دون مراسيم و
لا حداد،...معتقدين أنه بدفنك ستدفن الثورة... إلى الأبد... الخلاصة أيها
الرفيق أن الكل سائر على دربك،ليس في وطننا و حسب،بل في كافة أرجاء
العالم،...لا زال الفقراء ينتفضون و يصرخون بأعالي صوتهم:
الحرية،...الحرية،...الحرية ...، فهم سائرون في طريق الثورة و الإنتصار
حتى و أنت غائب عنهم ،لا تتعجب أو تستغرب أيها الرفيق فلطالما قلتها و
رددها الثوار من قبلك و معك و من بعدك،أن الشعوب هي صانعة التاريخ و هي
نور العالم... و في الأخير اعلم يا رفيقي أننا سنمضي في الطريق رغم كيد
الغاصبين مدركين و واضعين نصب أعيننا: أن الثورة ليست مأدبة و لا كتابة
مقال و لا رسم صورة و لا تطريز ثوب،فلا يمكن أن تكون بمثل تلك اللباقة و
الوداعة و الرقة أو دلك الهدوء و اللطف و الحب و التسامح و ضبط النفس،إن
الثورة انتفاضة و عمل عنف تلجأ إليه إحدى الطبقات للإطاحة بطبقة أخرى
تستغلها... و تقبل تحياتي و تحيات رفاقك
و شعبك