لمحات من تاريخ صراع الحزب الشيوعي الصيني ضد التحريفية المعاصرة
خالد المهدي
"النضال من أجل الوحدة لا ينفصل عن النضال من أجل المبادئ، فالوحدة التي
تحتاجها البروليتاريا، وحدة طبقية، وحدة ثورية وحدة في الصراع ضد العدو و
من أجل الهدف الأسمى الذي هو الشيوعية" رد الحزب الشيوعي الصيني على
الخروتشوفيين
لقد كانت و لا زالت الثورة الصينية بكل منجزاتها و إخفاقاتها تشكل إحدى
نقاط الصراع الفكري و السياسي داخل الحركة الشيوعية العالمية سواء بكل
بلد على حدى أو على الصعيد الأممي. فما أنتجته تلك التجربة الثورية
العظيمة من قضايا و مسائل إيديولوجية و سياسية و تنظيمية يشكل اليوم إرثا
لا غنى عنه للشيوعيات و الشيوعيين من أجل قيادة الثورة في بلدانهم و
المساهمة في الثورة العالمية برؤية أكثر وضوحا و بعزيمة أكثر صلابة. لكن
إذا كان هناك من يدعم و ينهل من المنجزات الفكرية و السياسية لهذه الثورة
و يعتبرها ضرورية و لا غنى عنها، فإن هناك من يشكك في ذلك و من يتهجم
عليها و على قائدها الرفيق ماو تسي يونغ، من بين هؤلاء نجد جميع الرجعيين
و الامبرياليين، و التروتسكيين و الفوضويين بشتى تلاوينهم و نجد أيضا
العديد من التيارات التحريفية و من بينها تلك التي تعتبر الثورة الصينية
مجرد ثورة ديمقراطية برجوازية و تلك التي ذهبت أبعد من ذلك لتصف الحزب
الشيوعي بالصين و قائده ماو تسي توتغ بالتحريفية بل و الخروتشوفية.
 
إننا في هذا المقال سوف نحاول ان نرصد بعض القضايا الفكرية و السياسية
التي شكلت مضمون الخط الأممي للحزب الشيوعي بالصين من خلال تناول صراع
هذا الأخير ضد التحريفية المعاصرة التي ظهرت سنوات الخمسينات و الستينات
خصوصا بيوغسلافيا و بالاتحاد السوفياتي. و سوف نحاول في نفس الوقت أن
نبين هشاشة و ضحالة "التحاليل" التي قدمها رفيق زروال في مقاله " الحزب
الشيوعي الصيني، ماو تسي تونغ و الحركة الشيوعية العالمية " و الذي حاول
من خلاله قلب الحقائق و تزويرها للدفاع عن موقفه المعادي لانجازات الثورة
الصينية و قائدها الكبير ماو تسي تونغ. إن هذا المقال يشكل من هذا
المنظور الجزء الثاني من الرد على الأفكار و المواقف التي أعلنها صاحب
مقال: " الحزب الشيوعي الصيني، ماو تسي تونغ و الحركة الشيوعية العالمية
"1 
I. حول المسألة اليوغسلافية
 
عندما انتقل "باحثنا " الضليع في شؤون الحركة الشيوعية العالمية إلى
الحديث عن علاقة الحزب الشيوعي الصيني بالحركة الشيوعية العالمية لم يفته
أن يستهل كلامه بتوجيه النقد لنا نحن الماويين على ما نقوله وما نكتبه
بخصوص صراع ماو تسي تونغ ضد التحريفية المعاصرة، ومن حق أي كان أن يكتب
ما يشاء، لكن "باحثنا " استهل كلامه بالكذب والخداع حيث أعلن أننا نقول
وفي كتاباتنا!! بأن " ماو هو الوحيد والأوحد الذي رفع راية الكفاح ضد
التحريفية بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي..."[1]
وبالرجوع إلى كتابات الماويين بالمغرب أو غيره من البلدان لا نجد مثل هذا
الكلام، نحن لم نقل بأن ماو هو" الوحيد والأوحد" الذي رفع راية الكفاح ضد
التحريفية المعاصرة، بل لقد رفع العديد من الثوريين راية هذا النضال
ومنهم الثوريون المغاربة[2]. نعم إن ماو كان قائد هذا النضال ( وهذا لا
يعني أنه الوحيد والأوحد ) وهذا ما سنوضحه فيما سوف يأتي من هذه الورقة،
كما سوف نوضح معه أن هذا "الباحث" المثير للشفقة بالاضافة الى أنه لا
يمتلك اي مقومات للبحث فإنه ديماغوجي ومثالي في تحليله حتى النخاع، وهذا
بالمناسبة هو نتيجة طبيعية لمن يعتبر أن " استحضار الحركة الشيوعية
العالمية مدخل لتكوين الدكاكيين السياسية".
 
إن أهم ما يميز ما كتبه هذا " الباحث" وما قدمه من تحليل هو بعده الكبير
والصارخ عن مبادئ ومنهج الدياليكتيك الماركسي الذي يوصي بضرورة "التحليل
الملموس للواقع الملموس"، فصاحبنا الباحث الذي "انتقد"نا لعدم تناولنا
لمسار الثورة الصينية في مقال لم نطرح فيه هذه المهمة إطلاقا، لم يستطيع
حتى التقيد بما يقوله الا من زاوية سطحية، فقد حاول تناول بعض المواقف
والتحاليل التي قدمها سواء الحزب الشيوعي الصيني أو غيره من الاحزاب
الشيوعية دون أن يربطها بالواقع الذي انتجت فيه، هكذا كان الحال في
تناوله للمسألة اليوغسلافية ونفس التعاطي في تناوله للخروتشوفية.
 
فبعد ان سرد لنا بعض مواقف التيتوية وموقف الكومنفورم منها سنة 1948 ،
طرح السؤال عن موقف ماو والحزب الشيوعي إزاء هذه التحريفية، ليسرد بعدها
مقتطفات من بعض مقالات الحزب الشيوعي الصيني ليخلص الى أن هذا الأخير
وقائده ماوتسي تونغ هم تحريفيون بل والادهى من ذلك خروتشوفيون!! وهكذا
سوف يعلق صاحبنا "الباحث" على مقال الحزب الشيوعي الصيني - بصدد التجربة
التاريخية لديكتاتورية البروليتارية - بأنه " يهاجم بشكل مباشر الموقف
الذي اتخذته الحركة الشيوعية ضد تيتو"[3] وبأن " ماو والحزب الشيوعي
الصيني .... يتبنى في المقابل نفس الموقف الذي اتخذه خروتشوف"[4] وبأن
الحزب الشيوعي الصيني "سوف يبارك التقارب بين خروتشوف وتيتو"، ليضيف بعد
ذلك بأن " هذا الموقف الذي اتخذه الحزب الشيوعي الصيني" هو موقف " معاكس
للموقف الذي اتخذته الحركة الشيوعية العالمية والماركسيون اللينينيون ضد
تيتو"، بل إن بحث صاحبنا سوف يقوده الى مقال للحزب الشيوعي الصيني كتب
سنة 1963 تحت عنوان " هل يوغسلافيا بلد اشتراكي؟" فماذا وجد هذا الباحث ،
لقد وجد أن الحزب الشيوعي الصيني يقدم " تبريرا " للموقف الذي قدمه سنة
1954 فيما يخص يوغسلافيا، حيث نقل لنا مقتطفا من هذا المقال يقول: " حين
اقترح خروتشوف تحسيين العلاقات مع يوغسلافيا وافقنا على اعتبارها مثل بلد
اشتراكي شقيق في مقابل أنه سيعمل على نهج الاشتراكية والاستمرار في
مراقبة زمرة تيتو"[5]، وهذا ما جعل صاحبنا "الباحث " ينتقد الحزب الشيوعي
الصيني على عدم تقديمه لنقد ذاتي "لمواقفه غير الماركسية واصطفافه الى
جانب خروتشوف ضد الحركة الشيوعية العالمية"[6].
 
لقد حاولنا أن نقدم هنا بتلخيص شديد ما قاله صاحبنا وما خلص إليه بصدد
علاقة الحزب الشيوعي الصيني بالتحريفية التيتيوية. وسوف نبدأ بما انتهى
به صاحبنا الذي اقر بأن الحزب الشيوعي الصيني اصطف "الى جانب خروتشوف ضد
الحركة الشيوعية العالمية". لكن صاحبنا "الباحث" لم يشر اطلاقا الى وضع
الحركة الشيوعية العالمية انذاك، فبالنسبة اليه "الحركة الشيوعية" هي
مقولة أو هي مواقف ربما، غير أن الماركسية تعلمنا شيء آخر فالحركة
الشيوعية العالمية هي واقع حي، على عكس هذا الباحث الذي يرى الح ش ع مجرد
شعارات ، إنه ينسى أو لا يعلم أن الحزب الشيوعي بالاتحاد السوفياتي كان
له حضورا قويا وقائدا داخل الحركة الشيوعية العالمية في عهد لينين وبعده
ستالين وهذا الوضع القيادي لهذا الحزب ظل كذلك حتى بعد وفاة ستالين لبضع
سنين ( وما كانت لتكسر قيادة التحريفيين في عهد خروتشوف لولا نضال
الشيوعيين وعلى رأسهم ماو تسي تونغ) وكانت جميع الأحزاب تقريبا (باستثناء
حزب العمل الألباني) حافظت على علاقتها مع الحزب الشيوعي بالاتحاد
السوفياتي.
 
صاحبنا "الباحث" قال بأن الحزب الشيوعي الصيني اصطف سنة 1954 الى "جانب
خروتشوف ضد الحركة الشيوعية العالمية"، لكن ما هو هذا الموقف الذي تبنته
الحركة الشيوعية العالمية انذاك (سنة 1954) فيما يخص المسألة اليوغسلافية
والذي وقف الحزب الشيوعي ضده مساندا لموقف الحزب الشيوعي بالاتحاد
السوفياتي؟ [7]
 
سنة 1957 اتعقد في موسكو اجتماع للأحزاب الشيوعية العالمية و قد كانت كل
تلك الأحزاب لا تزال تحتفظ بعلاقات حميمية مع الحزب الشيوعي بالاتحاد
السوفياتي، وكان لا يزال لهذا الأخير تأثيرا كبيرا إيديولوجيا وسياسيا
على باقي الأحزاب الشيوعية بحكم الإرث الذي كان يتوفر عليه إبان قيادة
لينين وستالين. تلك كانت احدى سمات الوضع داخل الحركة الشيوعية العالمية
ابان تلك الفترة، وهو ما يعني أن حديث صاحبنا عن "اصطفاف الحزب الشيوعي
الصيني الى جانب خروتشوف ضد الحركة الشيوعية العالمية" هو كذب و خداع
نابع من جهل بالواقع الملموس للحركة الشيوعية العالمية .
 
لقد حاول صاحبنا "الباحث " أن يظهر أن الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو
كان حليفا لخروتشوف فيما يخص المسألة اليوغسلافية ، واعتمد في ذلك الكذب
والتزوير أيضا، إن محاولته ليست ناتجة عن جهله، ولا عن "عدم توفر كتاب
يأرخ لتاريخ الحزب الشيوعي الصيني"، فصاحبنا اطلع مثلا على مقال "هل
يوغسلافيا بلد اشتراكي؟" وقدم مقتطفا منه في مقاله، وبالرغم من أن المقال
يشكل هجوما مباشرا و واضحا على سياسة خروتشوف الداعمة للزمرة التيتوية،
وبالرغم من أن المقال يوضح موقف الحزب الشيوعي الصيني من يوغسلافيا
باعتبارها اصبحت بلدا رأسماليا وأن اتحاد الشيوعيين في يوغسلافيا اصبح
حزبا تحريفيا مواليا للامبيريالية، وبالرغم من أن المقال يوضح الموقف
التاريخي للحزب الشيوعي الصيني فيما يخص المسألة اليوغسلافية ، رغم كل
ذلك فإن " باحثنا" لم "يستغرب" للتبرير الذي أعطاه الحزب الشيوعي الصيني
لموقفه سنة 1954"، "ولم يقدم نقدا ذاتيا عن مواقفه غير الماركسية.."[8]
إن هذا الكلام ليس جديدا، إنه نفس النقد الذي وجهه الخروتشوفيون أنفسهم
للحزب الشيوعي الصيني . ففي مقال "هل يوغسافيا بلد اشتراكي؟" الذي أخذ
منه صاحبنا الباحث المقتطف الذي ذكرناه أعلاه نجد رد الحزب الشيوعي
الصيني على الانتقادات الخروتشوفية واضحا، ففي الفقرة المعنونة بالموقف
المبدئي للحزب الشيوعي للصين من المسألة اليوغسلافية يرد هذا الأخير على
الرسالة المفتوحة التي وجهتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بالاتحاد
السوفياتي والتي اتهمت خلالها القادة الصينيين بأنهم "لم يكن لهم أي شك
طابع النظام الاشتراكي بيوغسلافيا" وأنهم اليوم (انذاك) " قد غيروا جذريا
مواقفهم فيما يخص المسألة اليوغسلافية". هذا الكلام يتفق عليه
الخروتشوفيون و صاحبنا الباحث، فماذا كان رد الحزب الشيوعي الصيني ؟
 
يجيب الشيوعيون الصينيون في نفس المقال "أكيد أن يوغوسلافيا كانت بلدا
اشتراكيا، و طيلة بعض الوقت كانت تتقدم في اتجاه الاشتراكية، لكن مع
خيانة زمرة تيتو، لم يلبث النظام الاشتراكي ليوغوسلافيا أن بدأ يتدهور.
 
في سنة 1954، عندما اقترح خروتشوف تطوير العلاقات مع يوغوسلافيا، كنا
نُجمع على اعتباره بلدا اشتراكيا صديقا سعيا إلى المساهمة في إرجاعه إلى
طريق الاشتراكية و مواصلة تتبع زمرة تيتو.
 
لكن في هذا الوقت بالذات لم نكن نضع آمالا كبيرة على زمرة تيتو"[9]
 
"باحثنا" المتمكن من اللغات الأجنبية لم ينقل الموقف بكامله فاكتفى ب
"ويل للمصلين" فهل هي ردائة في الترجمة أم أنها محاولة للتزوير ؟؟ 
إن الحزب الشيوعي الصيني سوف يقدم المزيد من التوضيح فيما يخص هذه
المسالة مذكرا بأنه : "في رسالة بتاريخ 10 يونيو 1954، موجهة للجنة
المركزية للح.ش.س، قال الحزب ش.ص: ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن القادة
اليوغوسلاف قد ذهبوا بعيدا في علاقتهم بالإمبريالية، يمكن أن يرفضوا
الجهود الرامية إلى ضمهم. و أن يرفضوا العودة إلى طريق الاشتراكية، لكن
حتى و إن حصل مثل هذا الوضع، فمعسكر السلام و الديمقراطية و الاشتراكية
لن يتضرر من ذلك على المستوى السياسي، بل على العكس، سيتجلى أكثر للشعب
اليوغوسلافي و لشعوب العالم نفاق القادة اليوغوسلاف. 
و للأسف كانت رؤيتنا صحيحة ! 
وكما كان منتظرا رفضت زمرة تيتو كل الجهود التي بذلناها لإلحاقها
(rallier)، و ذهبت دائما بعيدا في طريق التحريفية. 
بعد أن رفضت التوقيع على إعلان 1957، قدمت زمرة تيتو سنة 1958 برنامجا
تحريفيا 100%، و رفعت الراية الكبرى للتحريفية المعاصرة ضدا على إعلان
1957، البرنامج المشترك المعترف به من طرف كل الأحزاب الشيوعية و
العمالية.
في يوغوسلافيا، تم مسلسل إعادة الرأسمالية على المستوى الدولي تدريجيا.
على المستوى الدولي تنكشف زمرة تيتو شيئا فشيئا ككتيبة مناهضة للثورة
عميلة للإمبريالية الأمريكية. 
في ظل هذه الظروف، فتعاطي (موقف) أي حزب ماركسي لينيني مع زمرة تيتو لم
يعد تعاطيا مع حزب صديق، بلد صديق، و لا مجال للتحالف معه، بل المطلوب هو
فضحه و الصراع بحزم و ثبات ضد هذه الزمرة من المرتدين. 
إعلان 1960 كان واضحا بخصوص هذه النقطة. في رسالتها المفتوحة، صممت
اللجنة المركزية للح.ش.إ.س على تجنب عدد من الوقائع المهمة التي حصلت بعد
مؤتمر الأحزاب الشقيقة في نونبر 1957، مثلما هو الحال مع الخلاصات المجمع
عليها من قبل الأحزاب الشقيقة سنة 1960، و قد اسشتهدت قيادة الح.ش.إ.س
بشكل خاطئ بجملة من افتتاحية ريمين ريباو ليوم 12 شتنبر 1957، لتبرير
موقفها الخاطئ في العلاقة مع يوغوسلافيا. 
تثبت الوقائع أن موقفنا تجاه زمرة تيتو يتوافق مع الواقع، و أنه موقف
مبدئي، و متوافق مع الاتفاق المشترك لمؤتمر 1960 للأحزاب الشقيقة. 
و في محاولتها بكل الوسائل لإعادة تأهيل زمرة تيتو أظهرت قيادة الح.ش.إ.س
خيانتها للماركسية اللينينية، و تخليها عن مؤتمر 1960، و دعمها
للإمبريالية الأمريكية و حلفائها و تسعى إلى خداع الشعب اليوغوسلافي و كل
شعوب العالم"[10] 
هذا هو الموقف الذي تبناه ماو والحزب الشيوعي الصيني، نقلناه من نفس
المقال الذي استشهد به هذا "الباحث" المغفل. إن أمثاله لا يستطيعون
الدفاع عن مواقفهم دون تزويروكذب. 
إن الحزب الشيوعي الصيني في تعاطيع مع المسألة اليوغسلافية وكذلك مع
التحريفية الخروتشوفية، لم يكن هدفه هو معرفة هل هذا الحزب أو ذاك تحريفي
أم لا؟ بل كان هدفه هو تعريته أمام الجماهير وأمام باقي الاحزاب حتى تسهل
عملية عزله، وهذا ما وقع مع القادة اليوغسلاف ومع التحريفية الخروتشوفية،
وبنفس الأسلوب وبنفس الطريقة تمكن ماو من دحر الحناح التحريفي بالحزب
الشيوعي الصيني ذاته. و قد استطاع الحزب الشيوعي الصيني من عزل التحريفية
اليوغسلافية و فرض حتى على خروتشوف أن يتبنى موقفا معاديا لها، ففي
التقرير الذي قدمه هذا الأخير باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي
بالاتحاد السوفيتي لمؤتمر الحزب الثاني و العشرين سوف يعتبر خروتشوف أن
"... إن قادة اتحاد الشيوعيين في يوغسلافيا، الذين يعانون بشكل ظاهر ضيق
أفق قوميا، حادوا عن الصراط الماركسي اللينيني المستقيم إلى درب اعوج أدى
بهم إلى مستنقع التحريفية. فعلى تصريح الأحزاب الشقيقة سنة 1957، الذي
دوى في العالم كله كميثاق لوحدة الشيوعيين و تضامنهم، أجاب القادة
اليوغسلافيون ببرنامج تحريفي معاد للينينية، لقي النبذ الحازم و الانتقاد
المنصف من جانب جميع الأحزاب الماركسية اللينينية"[11]
 
لقد كان الهم الأكبر لدى الجناح الثوري بالحزب الشيوعي الصيني تحت قيادة
ماو يكمن في توحيد الحركة الشيوعية العالمية وتوفير الشروط لتنظيمها في
أممية جديدة، لكن ليس على ارضية انتهازية بل على ارضية المبادئ الماركسية
اللينينية .لقد كانت للشيوعيين الصينيين تجربة طويلة وغنية في الصراع ضد
الخطوط الانتهازية التي ظهرت وسط الحزب، وقد مكنتهم تلك التجربة من بلورة
العديد من المفاهيم النظرية والسياسية التي تشكل اليوم إحدى عناصر
الماركسية اللينينية الماوية، نذكر منها على وجه الخصوص موضوعة "صراع
الخطين" باعتبارها المحرك الداخلي لتطور الحزب ونموه فكريا وسياسيا. و
سوف يعبر الحزب الشيوعي عن ذلك بقوله:
 
"إن الدفاع عن وحدة صف الاشتراكية و الحركة الشيوعية العالمية مهمة عاجلة
للشيوعيين، البروليتاريا و الكل الثوريين في العالم"[12] و أن "النضال من
أجل الوحدة لا ينفصل عن النضال من أجل المبادئ، فالوحدة التي تحتاجها
البروليتاريا، وحدة طبقية، وحدة ثورية وحدة في الصراع ضد العدو و من أجل
الهدف الأسمى الذي هو الشيوعية"[13] 
فبالنسبة للشيوعيين الصينيين (كما أوضحنا سابقا) القادة اليوغسلاف الذين
يوجهون الحزب قد ذهبوا بعيدا في علاقتهم مع الامبريالية" ولم يكن
الصينيون" يعقدون عليهم "كبير الأمل"، لكن ذلك لم يمنع من امكانية وجود
شيوعيين وشيوعيات حقيقيين داخل الحزب ولا يمنع أيضا من أن الشعب
اليوغسلافي الذي ضحى بالغالي والنفيس من اجل الثورة لازال قادرا على
الدفاع عن ما حققه. من وجهة نظر التكتيك السياسي كانت المهمة هي اخراج
الزمرة التيتيوية من جحرها وإبرازها امام كل اعضاء الحزب وامام الشعب
اليوغسلافي والطبقة العاملة اليوغسلافية وامام جميع الاحزاب الشيوعية
العالمية، ابرازها باعتبارها عميلة للامبريالية الامريكية وباعتبارها
زمرة تحريفية تقف ضد الحركة الشيوعية العالمية كلها ولا يتعلق الأمر
بصراع " تاريخي" ضد الحزب الشيوعي بالاتخاد السوفياتي وضد ستالين.
 
إن ستالين نفسه سنة 1948 قد عبر عن وجهة النظر هذه، ففي الرسالة التي
وجهها هو و مولوتوف باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بالاتحاد
السوفياتي إلى القادة اليوغسلاف، و بعد أن شن هجوما عنيفا على السياسة
الانتهازية للقادة اليوغسلاف كتب قائلا "لا نشك أن الجماهير اليوغوسلافية
سترفض هذا النقد المناهض للسوفيات باحتقار، باعتباره غريبا عنها و معادي
لها، إذا ما افترضت وجوده أصلا".[14]
 
إن "باحثنا" لم ينقل بأمانة حتى ما قاله الحزب الشيوعي الصيني، فما ذا
سننتظر اذن من تحليله لمواقف الشيوعيين الصينيين؟. لقد شكلت المسألة
اليوغسلافية بالنسبة للشيوعيين الصينيين وعلى رأسهم ماو تسي تونغ تجربة
غنية لم يشهد التاريخ مثلها من قبل وعلى ارضية تقييم هذه التجربة
ودراستها سيكشف الحزب الشيوعي الصيني عن دروسها الأساسية والتي صاغها على
النحو التالي : 
" إعادة الرأسمالية في يوغوسلافيا تشكل للحركة الشيوعية العالمية درسا
تاريخيا جديدا. 
إذ تعلمنا أنه بعد الاستيلاء على السلطة من طرف الطبقة العاملة، يستمر
وجود الصراع الطبقي بين البرجوازية و البروليتاريا، صراع بين الخطين –
الرأسمالية و الاشتراكية، و أن خطر إعادة الرأسمالية مستمر. 
تعطي يوغوسلافيا نموذجا متميزا للإعادة الرأسمالية.
إعادة الرأسمالية في يوغوسلافيا تعلمنا أن حزبا للطبقة العاملة يمكنه قبل
الاستيلاء على السلطة السقوط في يد الأرستقراطية العمالية، و التدهور إلى
حزب بورجوازي ثم التحول إلى عميل للإمبريالية و حتى بعد استيلائه على
السلطة يمكن أن يسقط في يد عناصر بورجوازية جديدة و يتدهور إلى حزب
بورجوازي و عميل للإمبريالية. 
عصبة الشيوعيين اليوغوسلاف تعطي نموذجا صارخا لمثل هذا التدهور. 
إعادة الرأسمالية في يوغوسلافيا تعلمنا أنه في بلد اشتراكي، إعادة
الرأسمالية لا تتم بالضرورة بانقلاب عسكري مناهض للثورة و لا بتدخل عسكري
إمبريالي، بل يمكن أن تتم بتدهور الفريق القائد للبلد."[15] 
II. حول الصراع ضد الخروتشوفية: باحث صغير و سطحي في موضوع كبير و عميق
  
أما فيما يخص صراع ماو والحزب الشيوعي الصيني ضد الخروتشوفية فإن
"باحثنا" قد أبان عن ضيق تفكير وفهم ضيقين جدا. ان ذلك الصراع الذي خاضه
الشيوعيون الصينيون تخت قيادة ماو هو الذي مكن من الكشف عن طبيعة
التحريفية بعد انتصار البروليتاريا في حسم السلطة السياسية، وفي خضم ذلك
الصراع بلور الشيوعيون الصينيون مفهم " التحريفية المعاصرة"، فماهو
المسار الذي عرفه ذلك الصراع وما هي دروسه بالنسبة للحركة الشيوعية
العالمية؟
 
إن " باحثنا" الصغير في تناوله لهذا الموضوع الكبير أراد أن يبين في
صفحتان اثنتان لا اكثر أن الحزب الشيوعي الصيني كان حليفا للخروتشوفيين،
وقد تناول في "بحثه" مسألتين: أولا الموقف من ستالين وثانيا موضوعة
"استمرار الصراع الطبقي في ظل ديكتاتورية البروليتارية"، وكما هو الحال
دائما ف"باحثنا" قد تناول هاتين المسألتين بكثير من السطحية والكذب
والتحايل وهذا ما سوف نوضحه بتفصيل فيما سوف ياتي من هذا المقال. لكن قبل
ذلك سنجل اولا بعض الملاحظات الاساسية، فأهمية الموضوع والدروس المستقاة
منه لازالت حاضرة إلى اليوم في قلب كل الاحزاب الشيوعية او التي تدعي
ذلك.
 
إن الصراع الذي قاده الشيوعيون والشيوعيات الصينيون ضد الخرتشوفيون وضد
التحريفية المعاصرة قد جرى في شروط فريدة ونوعية لم يشهد التاريخ مثيلا
لها، وقد كانت له نتائج كبيرة على مستقبل الحركة الشيوعية العالمية،
فجميع الاحزاب الشيوعية (مع الاستثناء الوحيد والجذير بالذكر لحزب العمل
الالباني)كانت قد انضمت كليا للاطروحات الخروتشوفية وقلة قليلة منها بقيت
"محايدة" في ذلك الصراع نذكر هنا مثلا الحزب الشيوعي الفيتنامي والكوري
الشمالي، لكن في حقيقة الأمر فذلك "الحياد" كان يخدم في نهاية المطاف
الخط التحريفي.
 
لقد كانت الأحزاب الشيوعية خصوصا بالدول الغربية قد نخرتها الانتهازية
وحولتها الى عميلة للبرجوازية وسط حركة العمال نظرا للنمو الكبير الذي
عرفته الارستقراطية العمالية، وقد كان بروز الخط التحريفي بالاتحاد
السوفياتي عاملا محفزا لهذه الاحزاب للمزيد من الارتماء في أحضان
السياسية الامبريالية و دعم الخط التحريفي للاتحاد السوفيتي، هذا الأخير
قد حاول تطويع هذه الأحزاب و غيرها من الأحزاب و المنظمات الشيوعية
بالبلدان المستعمرة و شبه المستعمرة للضغط على الحزب الشيوعي الصيني و
عزله و قد كان رد هذا الأخير و اضحا على كل تلك الهجمات حيث كتب يقول:
 
" في الهجمات التي كان يشنها قادة الح.ش.إ.س منذ 1960 على الحزب الشيوعي
للصين، يتكرر الاتهام ب " مواجهة إرادة الأغلبية" و "خرق الانضباط
الأممي"، لنمر إذن إلى ردنا على هذا الموضوع.
 
في لقاء بوخاريست في يونيو 1960أثار قادة الح.ش.إ.س هجوما مفاجئا،
بتوزيعهم لرسالة تهاجم الحزب الشيوعي للصين و جمعوا أغلبية قصد إخضاعه،
فشلت محاولتهم لكن بعد هذا اللقاء أطرقوا مبررا يعتبر أن الأقلية ينبغي
أن ترضخ للأغلبية فيما يتعلق بالروابط بين الأحزاب الصديقة. و سجلوا أن
العشرات من الأحزاب كانت تعارض مواقف الح.ش.ص و طلبوا منه أن "يحترم"
"المواقف و الإرادة المجمع عليها" في لقاء بوخاريست.
 
قد فندت اللجنة المركزية للح.ش.ص هذا المبرر في ردها بتاريخ 10 شتنبر
1960على الرسالة المفتوحة لللجنة المركزية للح.ش.إ.س، و قد لاحظت أن
:"مسألة معرفة من المخطئ و من المصيب فيما يتعلق بالمبادئ الأساسية
للماركسية اللينينية لا يمكن حلها في كل الحالات بأغلبية الأصوات،
فالحقيقة تبقى دائما حقيقة، و الخطأ لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تتحول
إلى حقيقة، بفعل موقف حضي بأغلبية مؤقتة، كما لا يمكن للحقيقة أن تصبح
خطأ بفعل موقف حضي بأقلية مؤقتا"[16] 
إن الحرب الذي شنها ماو والشيوعيات والشيوعيين الصينيين على التحريفية
المعاصرة هي التي ساهمت في اعادة الاطروحات الماركسية اللينينية الى قلب
العديد من الاحزاب الشيوعية فيما بعد سواء عن طريق انشقاق داخل الاحزاب
الشيوعية أو عن طريق خلق منظمات جديدة على قاعدة نقد المواقف الخروتشوفية
ورفع راية الماركسية اللينينية، إن تلك القطيعة التى اعلنها الشيوعيون
الصينيون ابتداء من 1963 والتجربة التي تلتها داخل الحركة الشيوعية
العالمية وفي كل بلد على حدى بكل قوتها وضعفها، هي التي مكنت الشيوعيات
والشيوعيين من تقييم تجربة البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي وتنظيم
وتركيب مكتسباتها الايديولوجية والسياسية، وسمحت ببروز مرحلة جديدة في
علم الثورة : الماركسية اللينينية الماوية.
 
إن دروس ذلك الصراع القوي الذي شهدته الحركة الشيوعية العالمية لازال
اليوم يحضى بأهميته المطلقة ويتطلب من الشيوعيات والشيوعيين المخلصين
لقضية الثورة ضرورة استحضاره من أجل بناء خط فكري وسياسي سليم يجيب على
معضلات التكتيك والاستراتجية الثوريين.
 
لقد خيض الصراع ابان تلك المرحلة على العديد من القضايا الفكرية
والسياسية التي شكلت طبيعة التحريفية المعاصرة وعلى رأسها ما أسماه الحزب
الشيوعي الصيني ب "الثالوث السلمي" : الانتقال السلمي الى الاشتراكية،
التعايش السلمي والمنافسة السلمية بين أنظمة اجتماعية مختلفة".
 
فالبنسبة للتحريفيين الخروتشوفيون، قد انحضر، دور الاشتراكية في رفع
مستوى استهلاك البروليتاريا بدون طرح الممارسة الحقيقية للثورة، ومن دون
طرح مسألة محتوى ومضمون الاشتراكية، فبالنسبة لهم كانت المهمة هي تطوير
قوى الانتاج "الى ابعد الحدود" وان ينظم البيروقراطيون بشكل أصح " انتاج
وتوزيع الخيرات" وهنا أيضا ينحصر بالنسبة لهم دور الحزب الشيوعي، وعلى
ارضية نقد هذه الرؤية سوف يطور ماو إحدى الموضوعات الاساسية للفكر
البروليتاري وهي مركزية الصراع الطبقي ابان ديكتاتورية البروليتارية
نفسها، وسوف يسمس رؤية التحريفيين تلك بنظرية قوى الانتاج الرجعية، مبرزا
اولوية الصراع الطبقي على الانتاج في مرحلة سيطرة البروليتاريا على
السلطة.
 
لقد حاول أيضا الخروتشوفيون إعادة صياغة مفهوم التعايش السلمي الذي طرحه
لينين بعد انتصار ثورة اكتوبر، لكن بشكل انهزامي يمكن من تلجيم كل
النضالات الثورية التي كانت تخوضها الشعوب المستعمرة، فبالنسبة
للتحريفيين كانت موضوعة التعايش السلمي مبنية على اساس اقتناعهم بامكانية
التحول الى الاشتراكية بدون ثورة عنيفة، إذ يكفي للدول الاشتراكية من
اعطاء نموذج للتطور الاقتصادي ورفع درجات الاستهلاك حتى تنظم باقي
البلدان الى نهج الاشتراكية، فالامبرياليون انفسهم سوف يعلنون انضمامهم
الى الاشتر كية !! هذا الفهم التحريفي الذي بلوره الخروتشوفيون و قد كانت
له نتائج كارثية، و هكذا أعلن التحريفيون أن الاشتراكية لا مصلحة لها في
الحرب مع الدول الامبريالية وان بروز "القنبلة الذرية" أصبح يهدد
الانسانية جمعاء وبالتالي وجب تفادي الحرب بأي ثمن كان، هذا الموقف
الانهزامي هو الذي قاد السوفيات الى تقديم التنازلات لصالح الامبرياليين،
بل لقد اصبحوا ضد كل حركة ثورية بدعوى انها تهدد مصلحة الاشتراكية والسلم
العالميين، في هذا الوقت بالضبط كانت الحركات الثورية باليلدان المستعمرة
تعرف انتعاشة قوية وتجدرا بارزا. اما الحزب الشيوعي الصيني فسوف يعلن
معارضته لهذه الرؤية ويوضح بأن دور الشيوعيين هو دعم الحركات الثورية
وتغذيتها رافعا شعار " يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا ".
 
وعلى كل حال لن نتناول هنا كل ذلك الارث الذي خلفه ذلك الصراع، بل سوف
نحاول رصد مساره وبعض نتائجه، تاركيين لما سوف يأتي من مقالات التدقيق
اكثر في الموضوع.
 
وبالعودة الى ما كتبه " باحثنا" في نقده للحزب الشيوعي الصيني " بصدد
التحريفية الخروتشوفية " نجده قد صاغ اطروحات التحريفية الخروتشوفية على
الشكل التالي:
 
"- الهجوم على الموضوعة الماركسية اللينينية التي تقول بأن حدة الصراع
الطبقي تزداد إبان البناء الاشتراكي و ضرورة قيادة الحزب النضال ضد كل
التصورات و التيارات البرجوازية ؛
 
- القول ب"ديكتاتورية كل الشعب" عوض "ديكتاتورية البروليتاريا"؛
 
- عوض الموقف الأممي البروليتاري الداعي إلى دعم باقي الحركات الثورية تم
رفع شعار سياسة "التعايش السلمي" بين الدول الامبريالية و الاشتراكية؛
 
- إحلال "النضال البرلماني و السلمي" محل الثورة البروليتارية العنيفة
للقضاء على الرأسمالية؛
 
- القول بإمكانية تجنب الحروب في مرحلة الامبريالية."[17]
 
بالنسبة له هذا هو مضمون الخروتشوفية، وسوف يحاول ان يبين ان الحزب
الشيوعي الصيني هو حليف للخروتشوفية، دون ان يوضح لنا كيف عكس هذا الحزب
في تصوراته وفي ممارسته هذه الموضوعات باستثناء الموضوعة الاولى. فنقد
"باحثنا" الصغير كما اشرنا سابقا قد انحصر في مسألة ستالين وموضوعة
احتداد الصراع الطبي ابان ديكتاتورية البروليتارية، وكطبيعته سوف يتناول
هاتين المسألتين بشكل سطحي لا يخلو من كذب وتحايل.
 
1. المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي بالاتحاد السوفياتي ومسألة ستالين.
 
فيما يخص هذه المسألة سوف يكتفي صاحبنا "الباحث"، كي يبين ان الحزب
الشيوعي الصيني قد تبنى الاطروحات الخروتشوفية، بتناول مقتطفات من مقررات
المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي الصيني [18] ومقاطع مبتورة وغير كاملة
ومترجمة بما يخدم نتيجته القبلية، من وثيقتين صدرتا عن الحزب الشيوعي
الصيني هما "بصدد التجربة التاريخية لديكتاتورية البروليتاريا" و " مرة
أخرى بصدد التجربة التاريخية لديكتاتورية البروليتاريا"، وهكذا توصل هذا
" الباحث" الذي اعترف منذ البداية بانه لا تتوفر فيه شروط البحث الى ان
الحزب الشيوعي الصيني تبنى نفس مواقف خروتشوف فيما يخص مسألة ستالين!!!
 
إن النقد الذي وجهه خروتشوف لستالين، لم يكن في حقيقة الأمر نقدا لشخص
ستالين، بقدر ما كان محاولة لتهييء الاجواء من اجل تمرير مجموعة من
الاطروحات التحريفية المشبوهة التي سوف تشكل فيما بعد أسس التحريفية
المعاصرة.
 
و ضد الحملة التشهيرية التي كانت تقودها اللجنة المركزية لحزب ش ا س أعلن
الحزب الشيوعي الصيني "أن مسألة ستالين مسالة كبيرة ، مسالة ذات أهمية
عالمية ، كانت لها انعكاسات داخل جميع طبقات العالم، و التي لازالت إلى
الآن ، تثير نقاشات واسعة . فلجميع الطبقات و الأحزاب و الفصائل السياسية
التي تمثل مختلف الطبقات آراء متعارضة حول المسالة . و من المتوقع ان لا
نتمكن من تقديم خلاصة نهائية ( حاسمة ) في هذا القرن " . 
و اليوم و بعد مرور أزيد من نصف قرن على وفا ستالين لازالت المسالة تثير
الكثير من النقاش وسط الحركة الشيوعية العالمية و وسط جميع الطبقات ن و
نظرا للأهمية التي تكتسيها هذه المسالة داخل الخط الإيديولوجي و السياسي
لكل منظمة أو حزب سياسي ثوري يكون من اللازم و الضروري تناولها من
الزاوية المنهجية أولا أي طرح السؤال حول كيفية تقييم مسالة ستالين أولا
؟ 
بالنسبة للرافضين لستالين من خروتشوفيين و تروتسكيين و فوضويين و جميع
الرجعيين تطرح المسالة من جانب أحادي، فبالنسبة لهم شخص ستالين هو سبب
جميع المصائب و يجب وضعه ضمن اللائحة السوداء لأكبر المجرمين في التاريخ
. إن هذا النقد يعكس بكل تأكيد النظرة البرجوازية للعالم التي تعتبر
الأفراد و الشخصيات هي التي تصنع التاريخ و تحركه و ليس الصراع الطبقي ،
فبالنسبة للإيديولوجية البرجوازية فالاتحاد السوفيتي قد خلقته شخصيات
معينة على رأسها لينين و لولا تلك الشخصيات لتغير وجه العالم كله .
 
إن هذا النقد المتشبع بالمفهوم البرجوازي المثالي يخفي في حقيقة الأمر
الحقد على المشروع الشيوعي، إن الزعيق حول " ديكتاتورية " ستالين الذي
يصدر من أفواه التحريفيين الخروتشوفيين أو التروتسكيين هو في حقيقة الأمر
أمر مسلم به ، فستالين بالفعل كان "ديكتاتورا " بل يمكن أن نذهب ابعد من
ذلك لنقول بكلام خروتشوف نفسه " اكبر ديكتاتور في التاريخ الروسي" لكن
بالنسبة لنا نحن الماركسيين نعلم جيدا أنه لا توجد دكتاتورية مطلقة بل
هناك دائما ديكتاتورية طبقة ضد أخرى، و ستالين بالفعل كان يمثل
الديكتاتورة الممارسة ضد الطبقة التي يعبر عنها هؤلاء التحريفيين و جميع
الرجعيين . لهذا بالضبط نال ستالين حقدا من طرفهم لم ينله أحد من قبله
على الإطلاق .
 
و ضد هذه الحملات التي تريد النيل من المشروع الشيوعي برمته و ضد المنهج
المثالي في التعاطي مع التاريخ وقف الشيوعيون الحقيقيون و على رأسهم
آنذاك الرفاق الصينيين معلنين أنه "لا يتعلق الأمر فقط بإصدار حكم على
شخصه ( أي ستالين ) ، بل الأهم هو تقييم التجربة التاريخية لديكتاتورية
البروليتاريا و الحركة الشيوعية الأممية ".
 
إن هذا التوجيه الصادر عن الحزب الشيوعي الصيني يعني أن مسالة ستالين يجب
تناولها من وجهة نظر المادية التاريخية أي ضرورة وضعها في إطار الصراع
الطبقي الجاري و ضمن الشروط الذاتية و الموضوعية الملموسة في ظرف و مكان
محددين .
 
إن الحزب الشيوعي الصيني نفسه لم يسلم من هذا الصراع حول مسالة ستالين،
حيث برز داخل الحزب خط تحريفي اصطف إلى جانب خروتشوف في عدائه لستالين و
في ترديده للعديد من الاطروحات الخروتشوفية خصوصا تلك المتعلقة بنهاية
الصراع الطبقي في ظل ديكتاتورية البروليتاريا و قد كان كل من ليوتشاوتشي
و دينغ كيسياو بينغ أبرز ممثلي هذا الخط، و قد استطاعا أن يمررا تلك
المواقف الخروتشوفية في التقرير النهائي الذي قدموه إلى المؤتمر الثامن
للحزب الشيوعي الصيني المنعقد في شتنبر 1956 .
 
لكن الخط الثوري داخل الحزب بقيادة ماو استطاع أن يكشف حقيقة التحريفيين
معتبرا أن تصفية ستالين التي يقودها الحزب ش ا س تهدف أساسا الى فتح
الطريق من اجل إعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي و توطيد سلطة
البرجوازية النامية فيه و هو ما تم التعبير عنه من خلال مقالين أساسيين
الأول نشر سنة 1956 تحت عنوان " حول التجربة التاريخية لديكتاتورية
البروليتاريا " و الثاني سنة 1957 تحت عنوان " مرة أخرى حول التجربة
التاريخية لديكتاتورية لبرليتاريا " و في هذين المقالين اعتبر الحزب
الشيوعي الصيني أن ستالين كان ماركسيا كبيرا لكن ذلك لا يعفي من نقد
الأخطاء التي ارتكبها وسط الحزب و داخل الحركة الشيوعية العالمة و إلى
جانب الحزب الشيوعي الصيني سوف يعلن حزب العمل الألباني بقيادة أنور خوجا
دفاعه عن ستالين بعد سنة على انعقاد المؤتمر العشرين للحزب ش ا س. و مع
مرور الوقت أصبح يتضح بالفعل على أن خطا تحريفيا متوطدا تبلور داخل الحزب
ش ا س تحت قيادة خروتشوف و هو ما فجر فيما بعد النقاش الكبير حول الخط
العام لحركة الشيوعية العالمية سنوات الستينات. و في هذا السياق التاريخي
سوف تطرح القوى الثورية داخل الحركة الشيوعية التي أسست الحركة الماركسية
اللينينية الجديدة ، مسالة ستالين من جديد . في قلب هذا الصراع سوف يناضل
الحزب الشيوعي الصيني تحت قيادة ماو ضد اتجاهين ، ضد التحريفيين الذين
أرادوا تصفية مشروعية الماركسية اللينينية و البناء الاشتراكي و ضد أولئك
الذين أرادوا الدفاع عن أخطاء ستالين .
 
ففي سنة 1963 سوف يطرح ماو تقييمه للمسالة حيث اعتبر أن فضائل ستالين
تفوق بكثير أخطائه بنسبة 70/30 ( 70 من الايجابيات مقابل 30 بالمائة من
السلبيات) . هذا التقييم سوف يرفضه حتى بعض المدافعين عن ستالين و ضمنهم
حزب العمل الألباني الذي كان يعتبر أن مجرد الاعتراف بكون ستالين ارتكب
أخطاء يشكل في حد ذاته تنازلا غير مقبول للامبريالية و الرجعية . إن هذا
الموقف لا زال إلى يومنا هذا يدافع عنه البعض و من ضمنهم حزب العمل
البلجيكي و خاصة قائده السابق ليدو مارتينيز، في حين ذهبت بعض المنظمات
التي انبثقت من قلب الحركة الماوية إلى قلب تقييم ماو مشككا في أن تكون
فضائل ستالين أكثر من أخطائه نذكر هنا على الخصوص مثلا منظمة النهج
البروليتاري في فرنسا (انظر أيضا التقييمات التي صدرت عن شارل بيتلهايم
... ).
 
ضد كل هذه الاطروحات كان رد الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو موجها
لمستقبل الحركة الشيوعية العالمية و للثورة العالمية حيث كتبت هيئة تحرير
الشعب و رينمين ريباو لقد : "اعتبر الحزب الشيوعي الصيني دائما على انه
يجب القيام بتحليل كامل و موضوعي و علمي حول مآثر و أخطاء ستالين،
بالاستناد إلى المادية التاريخية و تمثيل التاريخ كما هو، و ليس رفض
ستالين بشكل كامل، و بطريقة ذاتية و فظة، و بالاستناد إلى المادية
المثالية بتحريف و تزوير التاريخ على هوانا . لقد اعتبر الحزب الشيوعي
الصيني أن ستالين قد ارتكب بعض الأخطاء و التي لها جذور سواء ايديولويجة
أو اجتماعية أو تاريخية. نقد أخطاء ستالين، الأخطاء التي ارتكبها فعلا و
ليست التي نسبت إليه بدون أي أساس، هو شيء ضروري عندما يتم هذا النقد من
موقف و بمنهاج صحيحين . لقد كنا دائما ضد نقد ستالين عندما كان يتم
بطريقة غير صحيحة ، يعني انطلاقا من موقف و منهاج خاطئين " .
 
و بعد عرض اللائحة الطويلة لايجابيات ستالين ( النضال ضد القيصرية ،
المشاركة في بناء الحزب البلشفي و في ثورة أكتوبر، الدفاع عن مكتسبات
ثورة أكتوبر ، الصراع ضد أعداء اللينينية و ضد الانتهازيين، النضال ضد
الفاشية، دعم النضالات الثورية عبر العالم الخ ...) سوف يخلص الحزب
الشيوعي الصيني إلى أن " حياة ستالين كانت حياة ماركسي لينيني كبير و
ثوري بروليتاري كبير" لكن الحزب الشيوعي الصيني لم يقف عند حد مآثر
ستالين بل لقد ذهب إلى وضع اليد أيضا على أخطائه لأنه بالنسبة له مسالة
ستالين تشكل إحدى المسائل الكبرى التي تحدد مستقبل الحركة الشيوعية
العالمية و الثورة البروليتارية. و هكذا سوف يضيف الحزب الشيوعي الصيني
في نفس المقال : "صحيح انه بانجازه لأعمال ذات مأثرة كبيرة لصالح الشعب
السوفيتي و الحركة الشيوعية العالمية، ارتكب ستالين، الماركسي اللينيني و
الثوري البروليتاري الكبير كذلك العديد من الأخطاء . من بين أخطاء ستالين
، بعضها كانت أخطاء مبدئية و البعض الآخر ارتكب في العمل التطبيقي . بعض
الأخطاء كان يمكن تفاديها بينما البعض الأخر كان من الصعب تفاديه في غياب
أية تجربة سابقة لديكتاتوري البروليتاريا يمكن الاستناد إليها " .
 
و من بين هذه الأخطاء التي رصدها ماو و الحزب الشيوعي الصيني لدى ستالين
نجد مثلا عدم تمييزه بين التناقضات "بين العدو و نحن " و " التناقضات
داخل الشعب " و هو ما انعكس على طرق حل كلا التناقضين و نجد أيضا بعض
النصائح الخاطئة التي صاغها داخل الحركة الشيوعية العالمية و التي سببت
أضرار للاتحاد السوفياتي و الحركة لشيوعية العالمية منها على سبيل المثال
التوجيهات الأممية الشيوعية التي فضلت إستراتيجية الانتفاضة بالصين و لم
تقدر الدور المركزي للفلاحين، الذين شكلوا القوة الرئيسية للثورة الصينية
، لقد صارع ماو و الثوريين داخل الحزب الشيوعي الصيني هذه المفاهيم و
التوجيهات الخاطئة منذ بداية تأسيس الحزب و فرضوا إستراتيجيتهم ثورة
الديمقراطية الجديدة في إطار حرب شعبية طويلة الأمد ، التي قادت إلى
الانتصارات التي يعرفها الجميع .
 
نفس الشيء يمكن قوله حول تصور ستالين للبناء الاشتراكي فهو أيضا لم يخل
من أخطاء ، فبالنسبة لستالين تعتبر الفلاحة و التصنيع و التطوير السريع
للقوى المنتجة بفضل التخطيط الاقتصادي الممركز المفتاح الضروري و الكافي
لضمان انتصار الاشتراكية و هذا التصور هو الذي جعل ستالين لم يقدر أهمية
و ضرورة تثوير علاقات الإنتاج لحل التناقضات بين البرجوازية و
البروليتاريا التي تستمر في الوجود في ظل الاشتراكية نفسها ، فمنذ
الثلاثينات كانت قيادة الحزب ش ا ستعتبر أن الخطر الأساسي الذي يهدد
الوجود الاشتراكي يأتي من الخارج و ليس من لداخل .
 
إن ذلك هو ما جعل ماو ينتقد ما كتبه ستالين سنة 1952 حول الإشكالات
الاقتصادية بالاتحاد السوفياتي حيث اعتبر ماو أن الحزب ش ا س تحت قيادة
ستالين قد أهمل تعبئة الجماهير لتحقيق التغييرات الضرورية لتوطيد
الاشتراكية و لبلوغ المجتمع اللاطبقي ، في هذا النقد سوف يكشف ماو طبيعة
المجتمع الاشتراكي بشكل ملموس ، فبالنسبة له من اجل تحليل طبيعة المجتمع
الاشتراكي لا يجب الوقوف عند شكل ملكية وسائل الإنتاج بل يجب الذهاب ابعد
أي كشف مضمون العلاقات الاجتماعية .
 
إن هذا النقد الماوي لتجربة ديكتاتورية البروليتاريا بالاتحاد السوفياتي
في عهد ستالين قد مكن الثوريين من الكشف عن الكثير من القوانين الموضوعية
و لم يفتح الباب أمام الانتهازيين و الرجعيين للنيل من ستالين و من
المشروع الشيوعي . و هو ما عبر عنه الحزب الشيوعي بقوله "بتحمله الدفاع
عن ستالين، يدافع الحزب الشيوعي الصيني عن ما هو صحيح ، يدافع عن التاريخ
المجيد لنضال أول دولة لديكتاتورية البروليتاريا التي أقامتها ثورة
أكتوبر ، يدافع عن التاريخ المجيد لنضال الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي
، يدافع عن سمعة الحركة الشيوعية عند شعوب العالم الكادحة ".
 
بالنسبة لماو كما اشرنا إلى ذلك ، فبعض أخطاء ستالين كان بالإمكان
تفاديها و بعضها لم يكن بالإمكان تفاديها ، إن الأمر يتعلق بالتجربة
الملموسة الحقيقية الأولى لبناء مشروع كبير و ضخم، مشروع البروليتاريا في
ظل التجربة القصيرة ، بالمقياس التاريخي للحركة الشيوعية العالمية .
 
ان هذا النقد المادي الذي صاغه الحزب الشيوعي الصيني تحت قيادة ماو
لتجربة ديكتاتورية البروليتاريا بالاتحاد السوفياتي و المرتبط بتجربة
الثورة الصينية ذاتها هو ما سمح للثوريين الصينيين و على رأسهم ماوتسي
تونغ من رفع العلم الثوري نحو الأعلى و هو ما سمح فعلا فيما بعد باندلاع
أول ثورة جماهيرية في ظل ديكتاتورية البروليتاريا : إنها الثورة الثقافية
العظمى التي جاءت كإجابة عن الحاجات التي فرزها الصراع الطبقي بالصين و
داخل الحزب الشيوعي الصيني و الأهم كحاجة لتوطيد سلطة البروليتاريا .
 
إن هدف الثورة الثقافية كما عبر عن ذلك ماو نفسه هو " حل إشكال مفهوم
العالم " و " استئصال جذور التحريفية " ، فبالنسبة لماو الذي كان جدليا
عميقا لم يعتقد يوما أن التحريفية تتولد من النيات و الإرادات السيئة
لهذا الشخص او ذاك حتى و ان كان اسمه خروتشوف او دينغ كيساو بينغ ، ففي
أي مجتمع اشتراكي كما هو الحال في الصين آنذاك ،نجد جذور التحريفية في
الأسس المادية لهذا النظام في العلاقات الاجتماعية القائمة التي تولد "
في كل يوم و في كل ساعة " برجوازية جديدة .
 
و على النقيض من هذا النقد الذي وجهه ماو لتجربة ديكتاتورية البروليتاريا
تحت قيادة ستالين بالاتحاد السوفياتي، نجد أيضا، كما اشرنا إلى ذلك
سابقا، بعض المدافعين عن ستالين الذين يشكلون امتدادا لاطروحات حزب العمل
الألباني الذي رفض الاعتراف بأخطاء ستالين معتبرا ذلك تنازلا أمام
الرجعيين و الامبرياليين، و ربما صاحبنا الباحث هو مثال مصغر و الحق يقال
و مشوه أيضا حتى لتلك الاطروحات الدغمائية ، فمسالة الدفاع عن ستالين و
بشكل أهم عن المشروع الذي كان يدافع عنه ستالين يفرض على الشيوعيات و
الشيوعيين إبراز الاسس المادية لتلك الأخطاء حتى نتمكن من تفاديها في
المستقبل ، فمسالة ستالين غير مرتبطة بشخص ستالين بل بمستقبل الثورة
العالمية و الشروع الشيوعي برمته و عدم إدراك ذلك أو التهاون في كشف
الأخطاء و نقدها يشكل في حد ذاته بداية الانتكاسة ، هذا ما وقع لحزب
العمل الألباني نفسه و أتباعه الذين ارتموا في الشرعية البرجوازية ( ّ) و
لم يستطيعوا حتى التقيد بما كان يقوله الرفيق ستالين. إن الثوريين اليوم
الذين يعملون بجهد من اجل إعادة إطلاق المشروع الشيوعي في بداية القرن 21
، يصطدمون بشكل مباشر بضرورة إعادة تقييم مسالة ستالين الذي قام به ماو و
رصد بعض الجوانب السلبية (مثل التراجع عن مكتسبات المرأة في مجال الطلاق
، أو في الحق في الإجهاض ...الخ)، ان هذا المسار حتى و إن فرض ذاته على
بعض التجارب الناشئة فانه يفرض علينا ضرورة اخذ الحذر تحصينا للإرث
الايجابي الذي تركه ستالين، فيجب أن لا يغيب عن بالنا أبدا أن البرجوازية
و كافة الرجعيين و الانتهازيين يطالبون الثوريين من خلال نقد ستالين إلى
الذهاب ابعد لطرح تقييم حتى لينين للوصول بعد ذلك إلى ماركس نفسه . إن
هذا الخط أصبح واضحا حتى بالنسبة لنا نحن المغاربة ، فبإلقاء لمحة بسيطة
عن تجربة الحركة ببلادنا نستشف هذا المسار السيئ للانتهازيين، فبعد أن تم
التخلص من ماوتسي تونغ في نهاية السبعينات من القرن الماضي من طرف خط
انتهازي تبلور داخل منظمة إلى الأمام سوف يكمل هذا الخط ذاته نفس المسار
ليطرح ضرورة تقييم لينين من اجل التخلي عن اللينينية، و قد كان أبراهام
السرفاتي قائد هذا الهجوم عبر سلسلة من المقالات التي نشرت في مجلة إلى
الأمام الصادرة بداية سنوات التسعينات، صحيح أن السرفاتي سوف يبتعد عن
الحقل السياسي إلا أن ذلك لم يمنع من استمرار" السرفاتية " و تعفنها إلى
أن وصل الحد بالبعض إلى إعلان التخلي عن كل ما جاء به لينين، و المدخل
الذي اختاره هؤلاء هو طرح نقاش أسباب فشل المشروع البروليتاري بالاتحاد
السوفياتي بصيغة " هل يمكن القول أن ستالين هو السبب في ذلك أم أن الأمر
يتعداه إلى لينين ..." بل إن الآمر لم يقف عند هذا الحد فهناك من أوصل
هذا المسار إلى نهايته ليطرح بكل جرأة السؤال عن ماركس نفسه .
 
إن هذا المسار هو من أهم الدروس التي يجب الانتباه إليها عندما يتم تناول
مسالة ستالين .
 
لم تكن مسألة ستالين نقط الصراع الوحيدة داخل الحركة الشيوعية العالمية،
بل إن الاطروحات التحريفية كانت كثيرة لكنها كانت تلتقي في شيء مشترك
معاداة المشروع الثوري و خدمة البرجوازية و النيل من الماركسية
اللينينية. وقد خاض الشيوعيون الصينيون تحت قيادة ماو تسي تونغ نضالا
قويا ضد تلك الاطروحات التي يمكن ان نجملها في ثلاث محاور رئيسية:
 
1. العلاقة بين الدول الاشتراكية وبلدان العالم الثالث من جهة وبين
الامبريالية من جهة ثانية
 
2. اتجاهات النضال في البلدان الامبريالية
 
3. تقييم تجربة ديكتاتورية البروليتارية
 
1. العلاقة بين الدول الاشتراكية وبلدان العالم الثالث اتجاه الامبريالية .
 
لقد تمكن التحريفيون بعد السيطرة على الحزب الشيوعي بالاتحاد السوفياتي
خلال المؤتمر العشرين من اعادة صياغة مفهوم لينين حول التعايش السلمي
بشكل تحريفي فج، بالنسبة للتحريفيين اختراع الاسلحة الذرية فرض على الدول
الامبريالية ضرورة حل النزاعات عن طريق الحوار الدبلوماسي ولم تعد لها
مصلحة موضوعية في الحرب حتى لا تعرض نفسها لخطر الابادة، إن القادة
السوفيات لم يقفوا عن القول بامكانية تجنب الحرب، بل ذهبوا ابعد من ذلك
واعلنوا سياسة انهزامية مقيتة في وجه الامبريالية، تـأسست على ضرورة تجنب
الحرب بأي ثمن، وهكذا سيذهب الاتحاد السوفياتي الى اعلان معارضته الصريحة
لتوسيع النضالات الثورية، وبدأ ينظر الى كل حركة ثورية ضد الامبريالية
باعتبارها عملا "مغامرا" وجبت معارضته بشدة لأنه يهدد الأمن والسلام
العالميين.
 
ضد هذه الأطروحة التحريفية اعلن الحزب الشيوعي الصيني، على اساس المبادئ
التي صاغ على ارضيتها لينين مفهوم التعايش السلمي، دعمه للحركات الثورية
ومعارضته الصريحة للاتحاد السوفيتي. ففي اجتماع الأحزاب الشيوعية التي
انعقد بموسكو سنة 1957 بلور ماو احدى أسس الماركسية اللينينية الماوية :
" كل الرجعيين المشهوريين بالقوة، ليسوا في حقيقة الأمر سوى نمور من
ورق"، بالنسبة لماو يمكن للتحريفية ان تنبعث كلما قدمت الاحزاب الشيوعية
تنازلات تكتيكية كبير لصالح الرأسمالية، وهكذا نجده في نفس الاجتماع
يعلن، ضد القادة السوفيات الذين باشروا منذ ذلك الوقت تطبيق سياسة
انهزامية، ما يلي : " لقتال العدو، كونا خلال فترة طويلة، هذا التصور
الذي يعلمنا من وجهة النظر الاستراتيجية أن نستهين بالعدو ونحتقره، ومن
وجهة النظر التكتيكية أن نأخذه تماما بعين الاعتبار، بمعنى آخر، يجب ان
نحتقره في مجموعه ولكن ان نأخذه بعين الاعتبار فيما يخص كل مسألة ملموسة،
إذا لم نحتقر العدو في مجموعه سنسقط في الانتهازية، فلم يكن ماركس وانجلز
الا اثنين، ولكنهما اكدا بأنه سيطاح بالرأسمالية في العالم كله، ولكن
فيما يحص المسأئل الملموسة التي تتعلق بكل عدو على حدة، إذا لم نأخذ
العدو بعين الاعتبار فسنسقط في المغامرة".
 
وفي الوقت الذي تبنت فيه التحريفية "مبدأ" المفاوضات مع الامبريالية
كمحرك للاستراتيجية الثورية، طور الشيوعيون والشيوعيات بالصين فكرة أن
بلدان افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية تشكل منذ الآن "المنطقة الرئيسية
لعواصف الثورة العالمية"، وأن نضالات الشعوب المضطهدة تمثل التحدي
الرئيسي للنظام الرأسمالي وتشكل التناقض الرئيسي للثورة العالمية، وعلى
خلاف التحريفيين الذين ينصحون الشيوعيين بالدول المستعمرة والشبه
المستعمرة على الاصطفاف خلف البرجوازية الوطنية كان الحزب الشيوعي الصيني
يطالب بتوحيد كل الطبقات المعارضة للامبريالية ( بما فيها البرجوازية
الوطنية حسب الظروف) شرط قيادة البروليتاريا وحزبها الماركسي اللينيني
لعملية التحرر الوطني، على اعتبار أن البرجوازية الوطنية ما ان يتم
الحصول على الاستقلال حتى تتواطئ مع الامبريالية لمعارضة تقدم الثورة الى
مرحلة اعلى.
 
2. حول ديكتاتورية الروليتاريا
 
لقد شكل تقييم تجربة ديكتاتورية البروليتاريا بالاتحاد السوفياتي
ويوغوسلافيا احد مراكز الصراع الذي خاضه الثوريون ضد التحريفية المعاصرة
التي بلورت مفاهيم انتهازية حول الاشتراكية وتطور ديكتاتورية
البروليتاريا. لقد انتج هذاالصراع الذي خاضه الحزب اشيوعي الصيني ضد
الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي حول مختلف التصورات للاشتراكية
ولديكتاتورية البروليتاريا إحدى الأسس الكبرى للنظرية الماركسية
اللينينية الماوية الأكثر اهمية ونفعا لمستقبل الحركة الشيوعية العالمية،
إنها موضوعة "استمرار وأولوية الصراع الطبقي في ظل ديكتاتورية
البروليتاريا".
 
صاحبنا "الباحث" المخادع كتب حول هذه النقطة قائلا: "يبقى ان شير الى ان
ح ش ص قد انتقد ستالين لكونه ركز كل الجهود لقضاء على الأعداء الداخليين
و"ركز على احتدام الصراع الطبقي بغد القضاء على الطبقات، وعطل بذلك تطوير
الديمقراطية الاشتراكية" وهو بذلك اي ح ش ص كان في تناغم تام مع الموضوعة
الخروتشوفية التي تقول ب "خفوت" الصراع الطبقي إبان البناء الاشتراكي،
لكن سنة 1964 سيعلن ح ش ص عكس ذلك تماما حيث سوف يتهم ستالين بانه "ابتعد
عن ديالكتيك الماركسية اللينينية بالشكل الذي فسر به قوانين الصراع
الطبقي في المجتمع الاشتراكي، فقد اعلن (أي ستالين) بان داخل الاتحاد
السوفياتي لا توجد طبقات متناحرة،وأن المجتمع السوفياتي قد تجاوز تصادم
الطبقات" [19].
 
صراحة لم اكن أعتقد ان الجهل قد يصل الى هذا الحد المضحك، ولا ادري من
اين يستقي هذا "الباحث" العاجز معطياته. لقد قدم لنا في هوامش مقاله
إحالات الى العديد من المقالات ل ح ش ص التي تنفي ما قاله حول هذه
المسألة، فهل لم يقرأها ام انه تعامل معها بشكل انتهازي مقرف إلى درجة
انه أبان عن غباء قل نظيره، وصاحبنا لا يخجل بعد ذلك ليقول: "نظن أننا
سوف نكتفي بهذا القدر من المعطيات التاريخية (كذا) التي تبين حالة
التذبذب التي عانى منها ح ش ص في مواجهة الخطوط لتحريفية"[20]. نحن نقول
إن لم تستحيي فاكتب ما شئت، وكما قال إنجلز ذات مرة "إن لكل طبقة أخلاقها
الخاصة".
 
صاحبنا يتهم ح ش ص بانه كان في تناغم تام مع الموضوع الخروتشوفية التي
تقول ب "خفوت" الصراع الطبقي إبان البنء الاشتراكي . إن هذا الكلام لن
يصدر حتى من التلاميذ الكسالى الذين يسمعون بالماوية، لكن ذلك لم يمنع من
ان يصدر من قلم يدعي معرفته بتاريخ الحركة الشيوعية العالمية؟ كيف إذن
يمكن حل هذا اللغز؟. الجهل وحده لا يحل المسألة، ربما للمسألة جذور نفسية
مستعصية الحل !!.
 
بالعودة الى مقال "حول التجربة التاريخية لديكتاتورية البروليتاريا" الذي
استشهدبه هذا الباحث الصغير جدا نجد أن ح ش ص يرد على خروتشوف بكلام
واضح- ولا اعتقد ان هذا الباحث لم يقرأه-
 
"إنه لمن السذاجة الاعتقاد أنه لم يعد توجد التناقضات في المجتمع
الاشتراكي. إن إنكار التناقضات هو بمثابة إنكار للديالكتيك، ففي مختلف
المجتمعات تختلف كذلك في طرق حلها. ولكن تطور هذه المجتمعات يستمر دائما
وسط التناقضات التي لا تنتهي، والمجتمع الاشتراكي يتطور هو ايضا في
التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج "[21].
 
بعد ذلك سنة 1957 في خطابه امام دورة الاجتماع الاعلى للدولة كتب ماو
قائلا:"إن الصراع الطبقي بين البروليتاريا والبجوازية، وبين مختلف القوى
السياسية، وبين الايديولوجية البروليتاريا والبرجوازية سيكون طويلا
وخاضعا للتقلبات، ويمكن أن يكون حادا في بعض الاحيان. فبالبرولتاريان
تبحث عن تحويل العالم حسب تصورها الخاص، وكذلك البرجوازية، وفي هذا الصدد
فإن مسألة معرفة من سينتصر، الاشتراكية ام الرأسمالية لم تحل بعد حلا
حقيقيا"[22].
 
وبعد هذا الكلام الواضح، أليس صاحبنا الباحث مجرد مخادع غبي، لا يعرف حتى
ماذا يصارع. لنترك جانبا تلك التفاهة التي كتبها فالامر على ما يبدو اكبر
من أن يستوعبه عقل لا يشغله شيء سوى حبك المؤامرات والدسائس ولنحاول
توضيح المسألة لأنها تحمل دروسا كبيرة وعميقة.
 
كما أوضحنا سابقا لقد كان ماو مدركا لخطورة الجرثومة التحريفية التي بدات
تنخر ح ش للاتحاد السوفياتي، لكنه كان يدرك ايضا الدور الذي لعبه هذا
الحزب لصالح الثورة العالمية، لذلك كان ماو مقتنعا بضرورة خوض الصراع
لمحاولة إرجاعه الى الطريق الاشتراكية قبل أن تظهر ضرورات القطيعة
النهائية سنة 1963.
 
ففي الاجتماع الذي حضره العديد من الاحزاب الشيوعية سنة 1957 بموسكو سوف
ينجح ح ش ص في التعريف بأن " أخذ الطبقة العاملة للسلطة ليس إلا بداية
بداية للثورة، وليس تتويجا لها"، وانه سوف تمر "مرحلة طويلة قبل ان نعرف
من سينتصر الرأسمالية أم الاشتراكية؟" وتضمن أيضا البيان الصادر عن
الاجتماع تحديدا للتحريفية المعاصرة: "وجود التاثير البرجوازي هو السبب
الداخلي للتحريفية بينما الاستسلام لضغط الامبريالية هو سببها الخارجي".
 
وفي سنة 1960 (من 11 الى 25 نونبر) انعقد ايضا اجتماع جديد بموسكو حضره
81 حزبا شيوعيا لمناقشة الخط التكتيكي للحركة الشيوعية، في هذا الاجتماع،
وبالرغم من محاولات التحريفيين السوفيات إعادة تطبيع العلاقات مع
يوغوسلافيا تمكن الصينيون من تمرير إدانة واضحة وصريحة ليوغوسلافيا
التيتية.
 
لقد استطاع الشيوعيون الصينيون من خلال هذا الصراع من تعميق مفهوم
ديكتاتورية البروليتاريا وأعادوا من جديد أطروحة ماركس حول الصراع الطبقي
باعتباره محرك كل المجتمعات الطبقية بما فيه المجتمع الاشتراكي. لقد أكد
لينين على ان الشوعي هو من يعترف بديكتاتورية البروليتاريا ويعمل من
اجلها بالنسبة لماو، وبالنظر الى ما حققته التجربة العملية فإن الشيوعي
ليس من يعترف بديكتاتورية البروليتاريا وفقط بل من يؤمن باستمرار الصراع
الطبقي بين البرجوازية والبروليتاريا داخل ديكتاتورية الروليتاريا نفسها.
 
إن واجهة النظر هاته التي عبر عنها الشيوعيون الصينيون قد قطعت بشكل واضح
مع ما طوره السوفيات فيما يخص نهاية الصراع الطبقي إبان البناء
الاشتراكي، وقد كان نقد الشيوعيين في هذه النقطة بالضبط موجها ايضا
لستالين الذي عبر عن فهم غير صحيح لمسالة الصراع الطبقي في ظل ديكتاتورية
البروليتاريا، فقد كتب هذا الأخير في تقريره حول مشروع دستور 1936
قائلا:"إن الانتصار النهائي للنظام الاشتراكي في حقول الاقتصاد الوطني قد
تم الآن. فماذا يعني ذلك؟ يعني ان استغلال الانسان للانسان قد دمر
والغي... وهكذا ألغيت كل الطبقات المستغِلة". بعد ذلك بثلاث اشهر أعلن
ستالين خلال المؤتمر 18 للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي ان الصفة التي
تميز المجتمع السوفياتي عن أي مجتمع رأسمالي هي أننا لم نعد نجد فيه
طبقات متعادية ومتناحرة".
 
لكن رغم ذلك فستالين كان يقول بضرورة انتظار قدوم الشيوعية لنرى الإلغاء
التام للطبقات الاجتماعية، فبالنسبة له لازالت هناك طبقات متمايزة لكنها
ليست متعادية ومتناحرة.
 
إن هذه النظرة التي عبر عنها الرفيق ستالين حول الصراع الطبقي في ظل
ديكتاتورية البروليتاريا كانت أهم ما انتقده ماو والشيوعيون الصينيون في
ستالين، وهذه الرؤية التي عبر عنها ستالين تعني "خفوت" الصراع الطبقي في
ظل ديكتاتورية البروليتاريا. صاحبنا الباحث الصغير الذي يوهمنا بالدفاع
عن ستالين متبنيا وجه نظر حزب العمل الالباني وقائده انور خوجا الذي رفض
أي حديث عن أخطاء الرفيق ستالين، قال عن هذه النظرية بانها تحريفية
وخروتشوفية، بل واتهم ح ش ص بتبنيها، لكن خروتشوف لم يقل ذلك، بل قال
بنهاية الصراع الطبقي وليس"خفوته" وفقط. وعلى ما يبدو ان هذا الباحث
المسكين لا يعرف ما قاله ستالين و لا ماوتسي تونغ ولا حتى ما قاله
خروتشوف.
 
بالنسبة لستالين ما كان يفرض ضرورة استمرار ديكتاتورية البروليتاريا هو
وجود طبقات متمايزة بالاضافة الى استمرار القوى الامبريالية عدوة الاتحاد
السوفياتي. اما بالنسبة لخروتشوف الذي كان يقول بإمكانية إلغاء الصراع
العدائي مع القوى الامبريالية فقد كان واضحا ان الصراع الطبقي بالنسبة له
لم يعد موجودا[23] ولم تعد معه هناك ضرورة لاستمرار دولة ديكتاتورية
البروليتاريا التي سوف يتم تعويضها بدولة "الشعب كله".
 
وهكذا أعلن التحريفيون في البرنامج المنبثق عن المؤتمر 22 للحزب الشيوعي
للاتحاد السوفياتي المنعقد في اكتوبر 1961 "ان الدولة التي نشأت كدولة
لديكتاتورية البروليتاريا قد تحولت في المرحلة الحالية الى دولة "الشعب
بأكمله". وانه "من جراء انتصار الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وتقوية
المجتمع السوفياتي، اصبح الحزب الشيوعي للطبقة العاملة طليعة الشعب
السوفياتي وحزب "الشعب باكمله". وسوف يعمل التحريفيون على تعميق هذه
النظرة عبر اتخاد إجراءات سياسية تمكن من تطوير الاقتصاد ورفع نمو القوى
المنتجة باعتبارها تشكل مركز الاهتمام الأول والأخير، وهكذا سوف تتم
الزيادة في المحفزات المادية ويتم تفكيك نظام التخطيط في الفلاحة و
الزيادة في السلطات المخولة لمدراء المصانع....الخ.
 
لقد تمكن الشيوعيون الصينيون وعلى راسهم الرفيق ماو من نقد هذه الرؤية
خلال تناولهم وتحليلهم لكيفية تجدد الراسمالية في يوغوسلافيا "إن الأمر
يتعلق بمعرفة السياسة التي ينبغي ان تتخدها السلطة تجاه اقتصاد الراسمال
الخاص، هل هي سياسة الاستعمال والتحديد والتحويل والإلغاء، أو سياسة دعه
يعمل والدعم والتشجيع. هذا معيار مهم يسمح بالحكم ما غذا كان بلد يتطور
في الاتجاه الاشتراكي او الرأسمالي"[24] إن الصراع الذي خاضه ماو
والشيوعيون الصينيون ضد التحريفية المعاصرة هو الذي مكن من تعميق النظرية
الثورية فيما يخص سلسلة من المواضيع والقضايا النظرية مثل استمرار الصراع
الطبقي في ظل ديكتاتورية البروليتاريا، وايضا اهمية وضرورة إشراك
الجماهير بشكل مباشر في الصراع ضد البرجوازية، و أن هذه الأخيرة تستمر في
التواجد، بل وتبني عشها داخل الحزب الشيوعي نفسه[25] ضرورة التمييز بين
التناقضات"بيننا وبين العدو" وبين "التناقضات وسط الشعب"، نقد الحق
البرجوازي الذي يستمر في ظل الاشتراكية، نقد نظرية "القوى المنتجة"
الرجعية وضرورة مواصلة الثورة في البنية الفوقية، ...الخ. وعلى اساس هذا
الصراع ضد التحريفية المعاصرة سوف يطلق الشيوعيون الصينيون "الثورة
الثقافية" التي سوف تشكل إحدى الاجابات الأكثر تقدما من اجل صيانة الثورة
البروليتاريا والتقدم بها نحو الأمام.
 
لقد سمح الصراع الذي خاضه ماو والشيوعيون الصينيون ضد التحريفية المعاصرة
من إيجاد الحلول الأكثر تقدما للمعضلات التي أفرزها الصراع الطبقي في ظل
ديكتاتورية البروليتاريا ومكن الحركة الشيوعية فيما بعد من تقديم علم
الثورة الى مرحلة اعلى أي مرحلة الماركسية اللينينية الماوية التي تشكل
اليوم السلاح الأكثر قوة لقتال العدو وتوحيد صفوف الثوريين والثوريات على
النطاق الوطني والأممي.
 
3. النضال الثوري داخل البلدان الامبريالية
 
لقد شكل مضمون نضال الحركة الشيوعية بالبلدان الراسمالية المتقدمة ايضا
احد المحاور الكبرى التي خيض عليها الصراع ما بين الحزب الشيوعي الصيني
بقيادة ماو وبين التحريفيين الخروتشوفيين، هؤلاء الاخيرين أعادوا صياغة
رؤية لينين "للتعايش السلمي" وجعلوها "الأساس الاسترلتيجي للشيوعية"، لقد
انقادوا بصورة طبيعية الى ترسيخ العديد من الأطروحات التحريفية التي تبرر
انهزاميتهم أمام الامبريالية العالمية، وهكذا سوف يضعون "مبدأ" المنافسة
السلمية بين البلدان الاشتراكية والبلدان الرأسمالية وامكانية الانتقال
الى الاشتراكية بدون ثورة عنيفة، وهو ما سمي آنذاك بخط الانتقال السلمي
للاشتراكية. بالنسبة لخروتشوف فإن التفوق الواضح لمستوى التطور الاقتصادي
بالاتحاد السوفياتي سيمكن من التجاوز السريع للسوق الرأسمالية، وستنقاد
هذه الدول (أي الدول الراسمالية) بصورة عفوية الى الاعتراف بمزايا هذا
النظام، وهو ما سوف يمكنها من الانتقال بطريقة سلمية الى الاشتراكية.
 
رد الحزب الشيوعي الصيني كان واضحا على هذه الحجة، ففي الرسالة من 25
نقطة أعلن هذا الأخير: "لقد تمنى الشيوعيون دائما المرور الى الاشتراكية
بالطريق السلمي.. ولكن هل يمكن ان يقام المرور الى الاشتراكية بالطريق
السلمي كمبدا استراتيجي عالمي للحركة الشيوعية العالمية؟ لا مطلقا، لقد
أكدت الماركسية اللينينية دائما أن القضية الاساية في كل ثورة هي قضية
الثورة [....] لن يسقط اي نظام بال، حتى في فترات الأزمات إذا لم يتم
دفعه، إن هذا القانون عام للصراع الطبقي [....]، لقد أمكن لكل واحد أن
يكشف أن البلدان الراسمالية تقوي أجهزتها العسكري، بهدف قمع شعوبها قبل
كل شيء، ويجب على حزب البروليتاريا ألا يقيم فكره وتوجهه الثوري ومجموع
عمله على فكرة ان الامبريالية والرجعية يستقبلان التحويل السلمي".
 
لقد انعكس هذا النقاش على جميع الاحزاب والقوى الشيوعية على النطاق
العالمي، وهكذا سوف تساعد الخروتشوفية من توسيع و ترسيخ الجرثومة
التحريفية داخل العديد من الاحزاب الشيوعية بالبلدان الرأسمالية المتقدمة
التي قطعت مع كل عمل ثوري وانحصر دورها في الانتخابات والمشاركة في حركات
الدفاع عن السلام والنضال النقابي المحض، والنضال من اجل الاصلاحات تاركة
كل افق للثورة واخذ السلطة جانبا.
 
واليوم العديد من الاحزاب التي تدعي الانتساب الى الماركسية تنخرها ذات
الجرثومة بكل تفاصيلها الصغيرة، معلنة ان مرحلة التغيير العنيف لم تحن
بعد وما على القوى "اليسارية" سوى مراكمة التجربة والخبرة من خلال
الاشتراك في الحركات الاحتجاجية السلمية ودعم مطالب الاصلاحات الدستورية
ولما لا المشاركة في الانتخابات الرجعية، إن الخروتشوفية اليوم انغرست في
العديد من أحزاب "اليسار" البالي، وهو ما يفرض ضرورة التصدي لهذه الأوهام
وتعريتها وتقديم نماذج حية من النضال الثوري البديل. لقد أشار الحزب
الشيوعي الصيني عن حق على انه أصبح من الآن واضحا أن "فترة العمل الشرعي
الدءوب تخفي وراءها الإصلاحية الأكثر انحطاطا".
 
لقد استطاع الرفاق الصينيون تحت قيادة ماو إبان الصراع ضد التحريفية
المعاصرة من بلورة أحد الأسس الفلسفية الرئيسية لما سوف يعرف فيما بعد
بالماركسية اللينينية الماوية،إنه قانون الواحد ينقسم إلى اثنان، حيث
كتبت هيئة تحرير ريمين ريباو و هونغي في 4 فبراير 1964:
 
"ماذا يبين تاريخ تطور الحركة الشيوعية العالمية؟
 
أولا، يبين أن الحركة العمالية، مثلها مثل أي شيء في العالم، تميل إلى
الانقسام إلى اثنين، الصراع الطبقي بين البروليتاريا و البورجوازية
يتمظهر بشكل لا مفر منه داخل صفوف الحركة الشيوعية"[26]
 
"وحدة، صراع، بل انقسام، للوصول إلى وحدة جديدة على أسس جديدة ، هذا هو
دياليكتيك تطور الحركة العمالية العالمية"[27]
 
خالد المهدي
 
22-04-2009
 
------
 
ملحوظة: جميع المراجع التي لم نشر إلى مصدرها مأخوذة من موقع النجمة
الحمراء للحزب الشيوعي الفرنسي الماوي، و قد قمنا بترجمة كل المقاطع التي
وردت في هدا المقال
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
--------------------------------------------------------------------------------
 
[1] . رفيق زروال " الحزب الشيوعي الصيني، ماو تسي تونغ و الحركة
الشيوعية العالمية" الحوار المتمدن 6/3/2009:
 
[2] . انظر وثائق الحملم
 
[3] . رفيق زروال نفس المقال السابق.
 
[4] . رفيق زروال نفس المقال السابق.
 
[5].ترجمة صاحبنا الباحث نقلناها بالحرف ، و هي ترجمة رديئة و مزورة كما
سوف نرى فيما بعد
 
[6] . رفيق زروال نفس المقال السابق.
 
[7] . ربما أن باحثنا الكبير يعتبر حزب العمل الألباني هو الحركة
الشيوعية العالمية"
 
[8]. رفيق زروال نفس المقال السابق
 
[9] . هل يوغسلافيا بلد اشتراكي؟، ص:57
 
[10] . هل يوغسلافيا بلد اشتراكي؟، ص:57
 
[11] . خروتشوف: تقرير للحزب و الشعب، تقرير اللجنة المركزية للحزب
الشيوعي في الاتحاد السوفيتي لمؤتمر الحزب الثاني و العشرين ، 17 اكتوبر
1961، دار الطبع و النشر بالغات الأجنبية موسكو 1961، ص 36.
 
[12] . قادة الحزب الشيوعي للإتحاد السوفيتي أكبر الانقساميين في عصرنا.
بصدد الرسالة المفتوحة للجنة المركزية للح.ش.إ.س (VII) ، هيئة تحرير
ريمين ريباو و هونغي 4 فبراير 1964
 
 
 
[13] قادة الحزب الشيوعي للإتحاد السوفيتي أكبر الانقساميين في عصرنا.
بصدد الرسالة المفتوحة للجنة المركزية للح.ش.إ.س (VII) ، هيئة تحرير
ريمين ريباو و هونغي 4 فبراير 1964
 
[14]. من ستالين و مولوتوف إلى تيتو و اللجنة المركزية للحزب الشيوعي
ليوغوسلافيا. 27 مارس 1948
 
[15] . هل يوغسلافيا بلد اشتراكي؟
 
[16] . قادة الحزب الشيوعي للإتحاد السوفياتي أكبر الإنقساميين في عصرنا.
بصدد الرسالة المفتوحة للجنة المركزية للح.ش.إ.س (VII) ، هيئة تحرير
ريمين ريباو و هونغي 4 فبراير 1964
 
[17] . رفيق زروال نفس المقال السابق
 
[18] . ، طبعا دون أية إشارة إلى طبيعة الصراع داخل الحزب الشيوعي الصيني
إبان ذلك المؤتمر
 
. رفيق زروال نفس المقال السابق [19]
 
. رفيق زروال نفس المقال السابق [20]
 
[21] . ماو
 
[22] ماوتسي تونغ: الحل الصحيح للتناقضات داخل الشعب.
تجدر الاشارة الى ان بعض القادة التحريفيين داخل الحزب الشيوعي الصيني
نفسه قد عبروا عن هذه الفكرة ليوتشاوتشي و هسياوتينغ بينغ.[23]
[24] . هل يوغوسلافيا بلد اشتراكي؟
[25] إن استمرار البرجوازية في التواجد في ظل ديكتاتورية البروليتاريا
سوف ياخذ شكلا لم يعرف التاريخ شبيها له وسوف يطلق عليها الشيوعيون
الصينيون بالبرجوازية البيروقراطية، وهي تختلف على البرجوازية
البيروقراطية في الدول شبه المستعمرة والمستعمرة، وسوف نعود لتبيان
مضمونها واسسها الطبقية في عمل لاحق . 
[26] . قادة الحزب الشيوعي للإتحاد السوفياتي أكبر الإنقساميين في عصرنا.
بصدد الرسالة المفتوحة للجنة المركزية للح.ش.إ.س (VII) ، هيئة تحرير
ريمين ريباو و هونغي 4 فبراير 1964- ص: 13.
[27] . نفس المرجع السابق ص 15.