لماذا يقتل الأمريكان أصدقاءهم الان ؟!

بثينة الناصري


نشر هذا اليوم تقرير عن مقتل حافظ عبود مهدي مدير فرع بنك في المطار الدولي وموظفتين لديه في سيارة كان يقودها على طريق المطار وهو ذاهب الى مكان عمله. أمطر جنود الاحتلال السيارة بالرصاص حتى اصطدمت بجدار واشتعلت النيران فيها وتركوا من بداخلها يموت جريحا محترقا. كان ذلك في 25 حزيران هذا العام.

في حينها اصدر الجيش الامريكي بيانا، لأنه جيش مهذب ومؤدب ولا بد ان يشرح كل شيء للشعب العراقي الصابر حتى لا يروح بالغلط ويفهم اشياء مغايرة.

قال بيانه حينذاك "مهدي والمرأتان كانوا من "المجرمين" وانهم اطلقوا النار على رتل امريكي على جانب الطريق من اسلحة خفيفة من السيارة. وقال الجنود انهم ردوا على اطلاق النار دفاعا عن النفس. وقد وجد (سلاح) داخل السيارة ووجدت آثار طلقات على مؤخرة السيارات العسكرية !! "

هل هناك انظف من هذه العملية الكاملة بكل ادلتها ؟ شوفوا المجرمين الذين اطلقوا النار على مؤخرة الرتل الامريكي اللطيف الذي جاء لحمايتهم وتحريرهم!! لن يتعب أي محقق في البحث عن أدلة فهي جاهزة وبادية للعيان ولن يتغافل عنها إلا من ليس لديه نظر !

ولإضافة عبرة للقصة حتى يتعلم منها الاطفال والكبار، قال في حينها المتحدث باسم فرقة الجبل العاشرة الفريق القتالي الرابع الميجور جوي سالنجر (لم يأخذ رتبة ميجور عن فراغ) "اذا هوجمنا ندافع عن انفسنا ونستخدم نيرانا فتاكة اذا لزم الامر. ان مثل هذه الهجمات لا تضع الجنود الامريكان وحدهم في خطر وانما المدنيين الابرياء بضمنهم النساء والاطفال الذين يستخدمون طرق بغداد."

ولكن حدث شيء، ربما ضغوط غير محتملة، جعلت الجيش الامريكي يغير لهجته ويصدر بيانا آخر يوم امس 27/7/2008 يقول فيه التالي :" ان السائق والراكبتين كانوا مواطنين عراقيين ملتزمين بالقانون " ولكن يضيف "ان حادثة القتل لم تكن نتيجة خطأ سواء منهم او من الجيش الامريكي"

يشرح البيان انه بينما كان الجنود واقفين على جانب الطريق لاصلاح احدى المركبات. رأوا سيارة مهدي وهي تسرع نحوهم فظنوا انها تقصد مهاجمتهم وقد اطلق الجنود تحذيرا للسيارة وحين تجاهل السائق التحذيرات اطلقوا النار على السيارة. أما مسألة السلاح والطلقات على مركبات الجنود فالبيان يقول انها كانت "سوء فهم" !! وليس "كذب وتضليل العدالة" لاسمح الله !!

وكما في البيان الاول لابد ان يظهر متحدث يحمل رتبة كبيرة حتى تصدق أكاذيبه. وهكذا طلع علينا الكولونيل الين باتشليت رئيس الاركان في فرقة المشاة الرابعة ليقول "هذه حادثة مأساوية جدا مع شديد أسفنا وعميق عزائنا للعائلات. اننا نتخذ عدة اجراءات تصحيحية لتقليل امكانية حدوث مثل هذه الاوضاع في المستقبل"

يريد ان يقول ان هذه هي الحادثة الاولى من نوعها على مدى خمس سنوات من عمر الاحتلال، ولهذا يتخذون الان بعد كل هذه السنوات وذلك القتل، اجراءات تصحح مثل هذه الاوضاع. وكأنه لم يسبق ان قتلت عائلات كاملة في نقاط التفتيش، ولم تطلق النار قبل ذلك ويقتل السائقون اذا اقتربوا سهوا من مركبات الغزاة. ولم يقتل مدنيون وترمى الى جانبهم اسلحة لنفي صفة المدني عن القتيل. هذه هي الحادثة البكر. علينا ان نصدق ذلك كما كان علينا ان نصدق النسخة الاولى من الفاجعة.

القصة لم تنته هنا. مازالت فيها بقية من عبر. فالقتيل مديرفرع البنك لم يكن عدوا للامريكان فابنه محمد حافظ والذي يعمل سائقا في البنك ينقل الموظفين (ولكن لسوء حظ الموظفتين، تبرع الاب في ذلك اليوم المشؤوم في نقلهما بدلا عن ابنه) يقول :" لقد صعقت ان يقتل الامريكان والدي. المفروض انه كان يتحرك في منطقة آمنة وقد اعتدنا ان نلوح لهم وهم يلوحون لنا" ويضيف "ابي كان رجلا مسالما. لم يفعل اي شيء خطأ. الكل كان يعرفه بسمعته الطيبة والكل يحبه".

الكلمات العبيطة التي يقولها الابن تبين الى اي مدى يفهم بعض ابناء الشعب العراقي مايحدث لهم وفي بلدهم. فهو يظن مثلا ان المنطقة التي يتحرك فيها (طريق المطار) هي منطقة آمنة. وليست هناك منطقة آمنة في العراق بالنسبة للمحتل. فهو يحس بالتهديد حتى من الاطفال العراقيين اذا ابتسموا في وجهه. ولو كانت آمنة لما خرج الغزاة بدباباتهم ومدرعاتهم مرتدين دروعهم الواقية. لو كانت هناك منطقة آمنة لخرجوا الى شوارعها بدون خوذهم في هذا الحر القاتل. لن يشعر المحتل بالأمان في بلاد غريبة يغتصبها. هل يمكن ان يشعر السارق بالامان في بيت يسرقه حتى لو كان فارغا من أهله ؟ أما قوله انه كان يلوح للغزاة وهم يردون التحية.. حاسبا بذلك انه ينجو منهم ومن شرهم. فليس للمحتل في العراق اصدقاء. كل العراقيين أعداء محتملون حتى الدمى الخشبية التي يحركونها على مسرح المنطقة الخضراء. الغزاة لا يثقون بأحد، خاصة الذليل الذي يلوح لهم،  في حين يمعنون في قتل أهل وطنه. "أبي كان رجلا مسالما. لم يفعل اي شيء خطأ" مسالما لمن ؟ وماهو مفهوم الخطأ لديك ؟ وهل الاحتلال يقتل من يخطيء ؟ لو كان كذلك لقتل كل اللصوص والسماسرة والفاسدين والمرتشين.

ها أنك تعرف بشكل أكيد ان (مسالمة) الاحتلال لا تمنحك حياة، وانما تمنحك موتا مجانيا ذليلا. تموت وأنت تلوح للقتلة ! أو وأنت تطرح سؤالك الغبي "لماذا قتلوه هكذا ؟" ولماذا قتلوا غيره؟ على الاقل ابوك كان على الطريق ولكن غيره قتل وهو نائم في بيته الذي من المفروض ان يكون "منطقة آمنة" حقا !!

الشيء الايجابي في كل هذا القتل المجاني هو ان الامريكان اصبحوا يقتلون اصدقاءهم ومؤيديهم والمستفيدين منهم. وهي حكمة ربانية لعل هؤلاء الذين يلوحون للغزاة فرحين بما آتوهم من حفنة دولارات، يصحون من سبات ضمائرهم. فحين كانت المحنة تهز بيوت جيرانهم، كانوا سادرين في نومهم ولكن حين وصلت المصيبة الى عقر دارهم بدا وكأنهم استيقظوا مصعوقين وهم يتساؤلون "لماذا قتلوه هكذا ؟"

في الايام الماضية قتل الامريكان ابن محافظ صلاح الدين يعني شريكهم في عمليتهم الاحتلالية، وكان هذا مسافرا ولكنه من بعيد ازبد وأرغى وهدد بالويل والثبور، فقط حين مسته نوائب الاحتلال. والمفارقة ان جنود العدو اصدروا بيانا قالوا فيه ان الابن الذي قتلوه في سيارته كان قائدا كبيرا في "القاعدة" !! ثم قتلوا ابن رئيس تحرير صحيفة يمولها الجيش الامريكي في كركوك وقالوا ايضا ان الابن كان يهاجمهم بالاسلحة الخفيفة فقتلوه دفاعا عن انفسهم. نفس القصة تتكرر. نفس الاكاذيب، ونفس العبرة : لا منجاة من القتل على ايدي المحتلين. وطالما الامر كذلك، لماذا أيها العراقيون – بدلا من هذا الموت المجاني المخزي - لا توجهون نيرانكم اليهم دفاعا عن انفسكم ؟

أليس مفارقة !! ان يزعم الغازي المحتل في كل عملية قتل يرتكبها، انه يدافع عن نفسه ضد العراقيين الذي قطع اميالا لقتلهم عن سبق اصرار وترصد، في حين ينكر ان يحمل العراقيون – على ارض وطنهم - السلاح للدفاع عن انفسهم ضده؟؟ بل يعتبرهم "مجرمين" و"ارهابيين" !!

والقصة لا تنتهي هنا.. فمحمد حافظ ابن مدير فرع البنك يقول ان الجيش الامريكي عرض عليه تعويضا قدره 10 الاف دولار فرفضه لأن " هذا لا يكفي ثمنا لسيارة والدي ناهيك عن حياته". حسنا، هذا هو الشيء الوحيد الايجابي الذي فعله أو قاله الابن. وفي الواقع ان الامريكان "أكرموه" لأنهم عادة يعوضون العراقيين المدنيين الذين يقتلونهم بمبلغ لا يزيد عن "2500 دولار" وهو مبلغ لا يمكن به ان تشتري كلبا محترما من اي معرض كلاب في الولايات المتحدة الامريكية. ولو طالب كل عراقي بمبلغ أقله مليون دولار عن اي فرد من العائلة يقتل على ايدي الوحوش الامريكية، لتم انقاذ مئات من الشهداء العراقيين على مدى خمس سنوات. لأن المحتل سيعمل حسابا لكل طلقة تخرج من بندقيته. لسبب بسيط.. انك لا يمكن ان تؤسس امبراطورية وانت مفلس، أو تدير احتلالا ببلاش!!

العبرة الاخيرة في هذه القصة هي : لا تصدق بيانات الجيش الامريكي : كم مرة سمعنا انهم قتلوا قادة في القاعدة وامراء في الارهاب، وكم مرة سمعنا عن الاسلحة التي كانت في ايدي هؤلاء "المجرمين" ؟ حسنا، كل ذلك كان كذبا، أليس كذلك ؟ انهم لا يقتلون الا المدنيين، واذا كان لديك اي شك.. اعد قراءة المقالة كلمة كلمة.