اليزيدية طائفة من الطوائف العراقية المرتبطة بتاريخ العراق وعروبته ووطنيته ومسيرته الطويلة في الكفاح والنضال ضد الاحتلالات التي مرّ بها العراق. وقد أصاب هذه الطائفة، حالها حال كل مكونات الشعب العراقي، الظلم والتهجير والتهميش والقتل من قبل الاحتلال وحكوماته المتعاقبة وميليشياته. وللطائفة تاريخ وتراث طويل في العراق لكن اليوم تحاول بعض القوى التوسع على حسابها، وطمس معالمها، وسلخ هويتها الوطنية ومسخها. أمير الطائفة (أنور معاوية) حل ضيفاً على مكتب المدار في دمشق، وكان معه هذا الحوار:
حوار/ انتصار الآلوسي
هل في الإمكان تسليط الضوء على طبيعة كتلتكم الوطنية؟ وما أبرز ملامحها؟ وممّ تتكون, ولاسيما عروبة الطائفة؟
أثر الاحتلال بصورة مباشرة وسلبية في الطوائف والقوميات كافة بما فيها الطائفة اليزيدية. وكما انشقت أكثرية الطوائف إلى عدة أقسام, كذلك انشقت الطائفة اليزيدية إلى ثلاث انقسامات مما أثر في توجهها الوطني وعروبتها، وهذه الانقسامات الثلاثة هي من نتاج الاحتلال، كما له تأثير سلبي وسيئ على الطائفة من خلال:
أولاً، سلخ عروبة الطائفة اليزيدية. وثانياً، إبعادها عن مسارها الوطني لكون الطائفة معروفة منذ تأسيس الدولة العراقية بولائها المطلق للعراق والعلم العراقي بغض النظر عمّن يحمله. وبعد الاحتلال قامت بعض الأحزاب العنصرية بالعمل على تكريد الطائفة اليزيدية, وظهرت تسمية جديدة للطائفة هي الإيزيدية, ولوجود الطائفة اليزيدية بين منطقة الاحتلالين الاحتلال الأمريكي وميليشيات الحزبين الكرديين (البيشمركة), التي سيطرت على الهيئة الإدارية باسم (البيشمركة الحرس الوطني والشرطة) والهيئة الإدارية مثل القائمقامية ودوائر الدولة في هذه المنطقة. وبعد الأحداث واجهنا تحدياً آخر هو عملية التكريد واسعة النطاق مما أثرت في أبنائها بسلبية كبيرة وللأسباب التالية: أولاً، تربية جيل يزيدي، منذ عام 1990، يتحدث اللغة الكردية ولا يجيد العربية. وثانياً، القيام بتزوير الكتب التاريخية والتوجه بها إلى وسائل الإعلام. وثالثاً، وهنا يكمن الخطر، تأليف كتاب مزوَّر عن تكريد جدِّنا (الشيخ عدي بن مسافر الأموي)، وهو من جيل الشيخ عبد القادر الكيلاني (رض) الذي قال في جدِّنا عدي (لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها الشيخ عدي بن مسافر). وثالثاً، القيام برشوة رموز الطائفة اليزيدية ليقوموا بتأيد هذه العملية، والأخطر من ذلك نجاحهم بعد الاحتلال في 2003 في تغيير اسم الطائفة المكتوب تاريخياً عام 1921 في الدستور العراقي (اليزيدية), وكتابته في الدستور الجديد بـ(الإيزيدية), وهو ما يعني أن الإيزيديين مرتبطون بالأكراد كقومية كردية، ومن ناحية أخرى مرتبطون بالعرق الآري، ومرتبطون بالديانة المجوسية الزرادشتية. ولم ينتبه البرلمانيون العرب إلى التسمية (المفبرَكة) عند كتابتها في الدستور الجديد، ولأن تغيُّر الاسم يعني تغيُّراً من قومية إلى أخرى، وبالتالي فقد عُدَّت الطائفة اليزيدية مهمشة. بالإضافة إلى ذلك نحن لم نعترف بالدستور، ولم نؤيده وهو الأهم. ونتيجة لهذا قمنا بالاتصال ببعض الرموز الوطنية للحفاظ على عروبة الطائفة اليزيدية والتمسك بالمشروع الوطني.
يثار على مستوى الساحة السياسية العراقية الكثير من القضايا المتداخلة, ولا سيما المشاركة في العملية السياسية في ظل الاحتلال, ما موقف الكتلة اليزيدية الوطنية من هذا الموضوع؟
كان موقفنا واضحاً منذ بداية تشكيل الكتلة اليزيدية، وهو رفض العملية السياسية التي جاء بها الاحتلال، ورفض الاحتلال أصلاً.
هل لديكم تحالفات سياسية مع أطراف أخرى؟ وهل تُصنَّفون مع القوى المناهضة والرافضة للاحتلال أم أن لديكم توجهات أخرى؟
نعم لدينا تحالفات سياسية مع القوى الوطنية التي تعمل على رفض الاحتلال وإخراجه، وإرجاع العراق إلى التيار الوطني الصحيح. ولدينا تنسيق كامل مع كل القوى السياسية الوطنية التي تجمعنا معها الأهداف الثابتة، وهي وحدة العراق أرضاً وشعباً، والحفاظ على عروبة العراق وتوجهه العربي, وإعادة العراق إلى ما كان عليه. فأينما وُجدت هذه الأهداف، وفي أية كتلة، نحن معها.
ما حقيقة ما يشاع بشأن زعامة الطائفة اليزيدية, وأحقية الداعين إليها, وهل لكم سند شعبي وقانوني في تلك الزعامة؟
موضوع الخلاف ليس وليد اليوم, ظهر هذا الخلاف عام 1917 بعد الحرب العالمية الأولى، حيث انقسمت العائلة إلى قسمين متنافسين على إمارة اليزيدية. والنزاع الآخر في الستينيات والسبعينيات، إذ بدأ التيار الآخر بالادعاء حول حقه في الإمارة، بعدها انحرف عن الخط الوطني العربي، وعمل مع الأحزاب الكردية لسلخ عروبة الطائفة وضمها إلى الأكراد، أي تكريدهم.
وبعد الاحتلال كان موقفنا واضحاً، فالموضوع لم يكن موضوع إمارة بل المحافظة على وحدة العراق وهويته. أما التيار الآخر فقد انجرف مع الحزبين الكرديين. وكبر الخلاف مع مشروع التكريد, أما موضوع الزعامة فليس لأحد أن يدّعيها غير عائلتنا، فنحن لدينا مستندان, الأول من الحكومة الإنكليزية التي جاءت بعد الحرب العالمية الأولى إلى جدّي وثبت فيها أن جدّي (إسماعيل ببك) هو أمير الطائفة اليزيدية. أما جدُّ المدّعين فهو (سعيد بيك) الـ(متولّي) على ضريح الشيخ (عدي بن مسافر) -رحمه الله- أي هو الذي يقوم على خدمة الضريح، والمستند الثاني هو مرسوم بتوقيع الرئيس الراحل صدام حسين -رحمه الله- عام 1980 يقول إن الأمير (بايزيد عمي) هو أمير أمراء الطائفة اليزيدية في العراق، وعلى الوزراء تنفيذ هذا المرسوم. أما العائلة الأخرى فلا تملك أية مستندات.
يُلاحَظ أن القيادات الكردية, تحاول بشتى الوسائل الاستيلاء على مستحقات الآخرين، ولا سيما الطائفة اليزيدية, كيف تواجهون هذا الاستلاب؟
اتسعت عملية التكريد من الناحية الجغرافية، والهدف ليس تكريد الطائفية اليزيدية فقط، بل الاستيلاء على أراضيها أيضاً، لأن أراضي اليزيدية تقع في المثلث العراقي السوري التركي، فلو نجح الأكراد في السيطرة على العقول اليزيدية لكسب هذه المنطقة وجعلها ضمن ما يسمى الإقليم الكردستاني عندها يتمكنون من الوصول إلى الأراضي السورية، لاتصال سنجار بالحدود السورية والتي تبلغ مساحتها (نحو 180كم طولاً)، ومن منطقة (فائدة) قرب الموصل إلى منطقة زاخو (من 60 إلى70كم عرضاً)، وهذا ما يعادل أرض الكويت، هذه المنطقة سوف تفصل الأراضي العراقية عن الحدود التركية، وهو ما سيجعل العراقي مضطراً إلى المرور في ما يسمى أراضي الإقليم عبر النقاط والميليشيات الكردية، وهذا الأمر خطير،لم ينتبه إليه السياسيون آنذاك، لكن المرحوم الرئيس صدام حسين فطن إلى ذلك، وطلب من المسؤولين الانتباه إلى هذا موضوع.
كيف واجهتم هذا الأمر؟
بالوقوف ضده إعلامياً، وتثقيف الشباب، والاتصال برموز الطائفة لكيلا ينجرفوا وراء الوعود الوردية التي يدعيها الأكراد، وبعد ثلاث سنوات من احتلال العراق تبلورت فكرة تكوين الكتلة اليزيدية التي تؤمن بوحدة العراق أرضاً وشعباً وتؤمن بأن العراق جزء من الأمة العربية.
الشمال العراقي يمور، كغيره من مناطق العراق، بغضب عارم ضد من سرقوا أحلامه، ونهبوا خيرات بلاده، كيف هي أوضاع شعبنا هناك، وهل لديكم تواصل مع داخل العراق؟
هناك رفض الاحتلال، والوقوف ضد مشاريع التفتيت والتقسيم، وتأييد المقاومة، ومن الغريب والمضحك أن قناة (الجزيرة) طرحت، من قبل، عليَّ أن اليزيدية تعيش عصرها الذهبي في ظل إقليم كردستان!! فقلت بأننا لم نرَ الذهب أبداً لكننا رأينا الحصة التموينية للطائفة التي تصل مرة كل ثلاثة أشهر وطبعاً نصف الكمية. إذا كان العصر ذهبياً فلماذا يهرب آلاف من إخواننا الكرد من شمالي العراق؟ وهذا يعني رد فعل شعبي ضد القيادات الكردية لأن الشعب الكردي شعب طيب ولا يرضى بالظلم والتقسيم.
ما أبرز ما قامت به (الكتلة اليزيدية الوطنية العراقية)؟ وما أبرز مشاريعكم المستقبلية؟
كشف ما تقوم به وتخطِّط له الأحزاب التي جاء بها الاحتلال ضد الطائفة اليزيدية, والوقوف ضد مبدأ تقسيم الأراضي اليزيدية وسلخها عن الأراضي العراقية وضمها إلى ما يسمى بالإقليم, فإننا لا نؤمن بمبدأ الأقاليم، وتثبيت أركان الكتلة اليزيدية للحفاظ على اليزيدية داخل العراق، ولإرجاع الباقين إلى الصف الوطني, والنقطة الأخيرة هي إحياء عروبة الطائفة التي سُلخت منها جراء الاحتلال، أما مشاريعنا المستقبلية فهي التحالف مع القوى الوطنية العراقية التي يجمعنا معها مبدأ الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً, ليبقى العراق ذا توجه عربي قومي، ويبقى جزءاً من الأمة العربية, والأهم أننا، كعراقيين، نعيش حسب الكفاءة، أي لا يوجد فرق بين عربي وكردي ويزيدي وسنّي ومسيحي وشيعي، ويجب أن تجمعنا خيمة العراق. والسبب في تنسيقنا مع القوى الوطنية هو تحرير العراق الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بوحدة الصف العراقي ووحدة أراضيه. ولنكن أكثر صراحة فالاحتلال أصبح واقع حال، وهناك تأثيرات إقليمية على العراق، لذا لا حل سوى التكاتف والتلاحم لإخراجه.
هل هناك احتمال في مشاركتكم في العملية السياسية؟
لا لم نقرر بعد دخولنا العملية السياسية, لكننا ندرس الموضوع.
ما رأيكم بما يُطلَق عليه المصالحة الوطنية؟
وُلد مؤتمر المصالحة الوطنية ميتاً، وها هو مؤتمر أربيل الذي عقد مؤخراً قد جاء ليقرأ الفاتحة على المحاولات السابقة وليكرس موتها الدائم.
كيف هي أحوال الطائفة اليزيدية بشكل عام؟
سيئة للغاية بعد سيطرة الميليشيات الكردية على كل مرافق الحياة وحتى على الحرس والشرطة والمخابرات (الأشايس) والحكومة التي جاء بها الاحتلال. فالطائفة ترزح تحت احتلالين الاحتلال الأمريكي واحتلال الميليشيات الكردية من أجل خدمة مشروعها التوسعي ونزع الهوية العربية عن الطائفة اليزيدية.
هل تعرضت الطائفة إلى التهجير؟
نعم, فالميليشيات الكردية قامت بالضغط على الطائفة، وكانت وراء تهجيرهم، ويوجد الآن نحو 150-200 ألف يزيدي خارج العراق, والتهجير مستمر لأسباب كثيرة، منها اقتصادية، فقد ربطت الدولة رواتب الطائفة بالبيشمركة حتى لا ينادي اليزيدي بالعروبة والوطنية وإلا يقطع راتبه, ووصل الأمر إلى أن المريض لا يُعالَج إلا بتوصية من البيشمركة.
لنتحدث بصورة عامة عن الكتاب الذي ألفته حول الطائفة اليزيدية؟
لم يكن هو كتابي الوحيد، فقد ألفت ثلاثة كتب أخرى, الأول (اليزيدية عقيدة تاريخ مجتمع), والثاني (جدل الهويات) حيث شارك في تأليفه خمسة كتّاب, سنّي وشيعي ومسيحي وكردي ويزيدي, بما معناه أن الهوية العراقية تجمع كل أطياف المجتمع العراقي. والثالث هو (اليزيدية في موزوبوتانيا) أي بلاد ما بين النهرين, لتأكيد أن الطائفة اليزيدية هي ذات هوية عربية، وللردّ على الاتهامات التي تقول بأن الديانة اليزيدية هي عبادة الشيطان بالإضافة إلى اتهامات كثيرة لا صحة لها على الإطلاق. الأهم أن طائفتنا عربية ومن العرق السامي وليس من العرق الآري. والكتاب هو تثبيت لهويتنا وكذلك توضيح لمعالم تراثنا الذي بدأ يتغير بعد الاحتلال.
ومن خلال جريدة (المدار) نوجه نداءنا إلى جميع الأطياف والقوى العراقية للعمل جميعاً من أجل الاتحاد والتكاتف خصوصاً في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ العراق،
وإدارة ظهورنا للإشكاليات الجانبية والمصالح الشخصية، والوقوف في وجه المحتل الظالم لإخراجه من أرضنا والى الأبد.

http://www.al-yezidi.net/Arabic.htm