إغتصـاب القرى المسيحية من قبل القيادات الكردية ...!

كتابات - علي الحمداني

يوم أمس 7 / 11 ، كتبت على هذه الصفحة مقالا بعنوان ( الموصل .. الضحية بين فساد الأكراد وخبث الإئتلاف ) .. وقد أشرت فيه الى ضم قرى مسيحية تقع في سهول الموصل المحاددة لجبال شمال العراق الى المناطق الكردية بعد تعرضها الى الترويع والإرهاب من قبل عصابات وميليشيات كردية ، وبث الإشاعات على أن ( التكفيريين ) و ( الصداميين ) ، أي العرب .. هم من يقف وراء تلك العمليات .. حتى نقلت لنا الأخبار عن طلب بعض وجهاء هذه القرى إلحاقهم تحت حكم إقليم كر--- لتوفير الأمن والخدمات لهم ...!

بعد نشر المقال ، وصلتني بعض الرسائل من قبل بعض الإخوة من هذه المناطق يوضحون لي فيها بعض الحقائق .. إضافة الى الحقائق التاريخية المتعلقة بهذا الموضوع والتي لم أضمّنها مقالي المذكور ، ولكنني أجد أنه من الضروري التنويه اليها مادمنا بصدد إستعراض تاريخي للحقائق التي قد يجهلها الكثيرون ، وما دمنا نعيش حالة تكرار لما حدث في السابق مما يحدث حاليا في مدينة الموصل ومحافظة نينوى ككل على يد أعضاء الحزب الديمقراطي الكردي وميليشيته من البيشمركة في محاولة ( لتكريد ) المنطقة ، وإقتطاع أجزاء منها جغرافياً لوجود النفط فيها ، وحاولة تغيير ديموغرافية هذه المنطقة العربية .. مستغلين بذلك الوضع المضطرب في العراق الذي خلقه الإحتلال وغياب قوة وهيبة السلطة المركزية في بغداد وفشلها التام في إدارة البلد ، إضافة الى التأثير الكردي في إتخاذ القرار في التحالف الحكومي ذي ( الأغلبية ) في مجلس النواب ...!!

من الناحية التاريخية التي تعود الى ماقبل الميلاد .. فإنه من الثابت علمياً ، أن الإمبراطورية الآشورية كانت تحكم المنطقة الشمالية من العراق ، وعاصمتها نينوى .. ( الموصل وبعض أطرافها حالياً ) .. لم يكن بين سكان تلك المنطقة بما فيها جبال شمال العراق أي من الأقوام والأعراق الأخرى بما فيهم الأكراد .. التي أثبتت الدراسات التاريخية أنهم نزحوا لاحقا ، وفي فترة ماقبل الميلاد ، وبعد إنتهاء الدولة الآشورية من جبال القوقاز الى هذه المناطق والتي تشمل حالياً شمال العراق ، شمال شرق سوريا ، شمال غرب إيران ، وجنوب شرق تركيا .. وذلك بعشرات المئات من السنين قبل أن تظهر هذه الدول بشكلها وحدودها الحالية ..

إذن ، فإن الحقيقة التاريخية تقول أن الأكراد هم أقوام نازحة الى المنطقة ، وأن هناك من سبقهم في إعمارها ومنذ فجر التاريخ ، وبالأخص الآشوريون ..

ومهما يكن من أمر ، فإن ماحدث يمكن إعتباره ضمن حركة التاريخ والتطور البشري ونزوح أقوام مختلفة من هذه البقعة لتلك في وقت لم تكن فيه دول وأقاليم على ماأصبحت عليه لاحقاً .. وحتى القبائل العربية نفسها قد حدث معها نفس الشئ .. فنزحت هي الأخرى من الجزيرة العربية .. ولكن المهم في الموضوع اليوم هو ليس وجود الأكراد في هذه المناطق .. أو لماذا هم فيها .. بل أن السؤال المهم هو لماذا يقوم الأكراد ومنذ العقود القليلة الماضية بعمليات إغتصاب وتطهير عرقي لقرى المسيحيين في المنطقة ، كما سنذكر لاحقاً وبالتواريخ والأرقام ، ولماذا يحاولون بشكل أو بآخر تطبيق ذلك على مدينة أغلب سكانها من العرب كالموصل .. أو أن أغلب سكانها من التركمان والعرب كمدينة كركوك وبشتى الوسائل غير القانونية وغير الإنسانية بما فيها عمليات الإبتزاز والتهجير وتزوير أرقام الإحصاءات الرسمية وغير ذلك من الأفعال المشينة والتي يطول حصرها والكلام عنها .. طبعاً لاشك أن النفط والرغبة في التوسع الإقليمي على حساب الآخرين وراء ذلك وهو تماماً كما فعلت وتفعل إسرائيل ومنذ 1948 ولحد يومنا هذا مع العرب الفلسطينيين .

ولأن الشيئ بالشيئ يذكر لابد من أن نشير الى الحقائق التي أصبحت معروفة للجميع عن علاقة الأحزاب الكردية ولا سيما الحزب الديمقراطي الكردي بإسرائيل ومنذ خمسينات القرن الماضي على يد الملا مصطفى البرزاني ( والد مسعود ) الذي زار إسرائيل ، ومروراً الى فترة التسعينات ونشاط الموساد الإسرائيلي في شمال العراق أو مايسمى ( كردستان العراق ) .. وهذه الحقائق قد نشرت موثقة بالصور، ولم يستطع الأكراد من إنكارها ...! فهل أن ذلك مجرد توارد خواطر أم تخطيط مشترك ...؟

الآن دعونا نعود الى التاريخ القريب لنشر حقائق ماحدث ويحدث في القرى المسيحية شمال العراق ودور الإصبع الكردي فيها ، وهو الإصبع الذي يحاول أن يمتد الى مدينة الموصل حالياً ، والذي لاأشك مطلقاً أنه سيقطع هذه المرة ولو بعد حين ...!

وبنظرة سريعة الى هذه المعلومات .. تتأكد لنا الحقيقة التي أشرنا اليها في بداية هذا المقال حول من هم فعلا السكان الأصليين لمناطق جبال العراق ...!

مدينة دهوك : الأسم الآشوري لهذه المدينة هو ( نوهدرا ) ، ولا تزال على سفوح الجبل في مدخلها من جهة الموصل آثار المنحوتات الآشورية التي ترجع الى زمن الملك سنحاريب 705 ـ 568 ق.م

وعلى بعد 5 كيلومترات غرب دهوك يقع تل ( معلثايي ) وعليه آثار الفخار الآشوري حيث كان حصناً عسكريا يعرف بالآشورية ( معليايي ) أي المرتفع . وكذا هناك منحوتات آشورية في كلي دهوك في الجبل الأبيض .. سكنها الآشوريين منذ القدم ، وكانت فيها جالية يهودية يبلغ عددها (924) نسمة يسكنون محلة ( كيري باصي ) ، إضافة الى بعض العوائل الكردية المهاجرة من ناحية (دوسكي) بداية القرن الماضي .

أصبحت دهوك مركز قضاء عام 1842 ومرتبطة بلواء الموصل ، وبقيت على هذا الحال حتى 27/5/1969 ، حين أصبحت مركزاً لمحافظة دهوك .. وهذا كان نتيجة إتفاق بين حكومة حزب البعث المركزية في بغداد وقيادة الحزب الديمقراطي الكردي ، لكي تكون البديل عن محافظة كركوك الغنية بالنفط وبناء على موافقة الأكراد بالتوقف عن إعتبار كركوك محافظة كردية .. وكانت هذه أول خطوة في تغيير ديموغرافية المدينة ..!

معظم أراضي المدينة زراعية ، ويمكن بقرار بسيط من الحكومة تحويلها الى أراض سكنية تابعة للبلدية .. وهذا ماتم فعلا في عهد صدام والحكم الحالي ، حيث تم الإستيلاء على الأراضي العائدة للآشوريين بشكل خاص ، وتعدادهم حاليا بعد كل أعمال التهجير القسري يبلغ 30000 شخص ..، من أصل حوالي 300000 كانوا يسكنون مركز دهوك والقرى المحيطة بها ، وقد تم توزيع هذه الأراضي على عوائل البيشمركة ، والموظفين الإداريين الأكراد ، ومنتسبي الأحزاب الكردية ...!

من الحوادث التي لازالت تعيش في ذاكرة أهل المنطقة هو ماقام به الكردي سعيد ديوالي الدوسكي حيث إستولى على بستان في وسط دهوك بعد قتل صاحبه المدعو حنا ساوا .. كان هذا قبل أن يظهر برلمان إقليم كر--- الى الوجود .. أما الآن فإن عمليات إغتصاب القرى والقصبات والأراضي فتتم من خلال قرار برلماني ومصادقة حكومة الإقليم في أربيل ....!!!

من الأمثلة على عمليات الإغتصاب والسرقة هذه ، ماحدث في قرية ( ماسيك ) التابعة لدهوك ، وكان كل نفوسها حسب إحصاء 1957 يبلغ 105 نسمة .. وبقيت لعقود قرية صغيرة مسيحية ، حتى عام 1991 ، حين حوّل الأكراد أراضيها الزراعية الى أراض سكنية وتم توزيعها على الموظفين الأكراد ...!!

لقد حدثت تجاوزات مماثلة في المناطق الشمالية التالية من العراق على يد القسر الكردي ، وسنذكر أسماء هذه القرى والمناطق دون التفاصيل والتي هي متوفرة لدينا تاريخاً وأرقاماً :

قرى منطقة برواري بالا التالية : كاني ماسي ، دوري ، أقري ، ملختا ، مغربيا ، جم دوستينا ، سردشتي ، بيث تنوري ، بيقولكي ، جديدي ، تاشيش ، ماني نصارى ، بشميايي ، ديرشكي ، بي بالوك ، خوارا ، بوتارا ، هلوا ، ميركا جيا ، هيسي ، كاني بلافي ، موسكا ، باز ، جقلا ، جلك نصارى ، إيات ، هوركي ، دركلي ، جميكي ، طروانش ، بازيفي و بي كوزنكي ...

هذه القرى تمتد من الشريط الحدودي مع تركيا وحتى منطقة دهوك .. ويلاحظ من أسماء معظمها أنها قرى مسيحية ، أو أنها تحمل أسماء باللغة الآشورية .. ولكنها اليوم تكاد تكون مفرّغة من معظم سكانها الأصليون والذين تركوها الى الموصل وبغداد أو الى المهجر .. وأصبحت قرى كردية من ضمن ( إقليم كر--- ) ...!

لو إنتقلنا الى منطقة ( صبنا ) ، والتي من أهم قراها قرية ( سرسنك ) ، لوجدنا أنه حتى عام 1922 كانت قرية آشورية تسكنها 100 عائلة ، شيدت على آثار قرية آشورية قديمة .. وبنيت فيها كنائس مثل مار متى ومار كوركيس . بدأ الزحف الكردي عليها وبشكل منظم عام 1973 إبان مفاوضات سلطة بغداد والبرزاني، بعد أن كانت قد سكنتها وبشكل تدريجي منذ عام 1922 بعض العوائل الكردية ، حيث أمر البرزاني بإسكان أهالي قريتي ( أرادن ) و ( كاني جناركي ) الكرديتين في أطراف سرسنك الشمالية والغربية .. وفي 1993 قام مسعود البرزاني بإسكان أهالي قرية ( جيا ) الكردية في محافظة أربيل الى الشرق من سرسنك ، وتوفير مصادر الإستيطان لهم من الدور ومصادر المياه والأراضي .. لتتحول سرسنك الى مستوطنة كردية بعد أن إنخفض عدد العوائل المسيحية فيها في فترة التسعينات من 1000 عائلة الى 150 عائلة فقط وبسبب الضغوط والأعمال القسرية لإدارة البرزاني وبيشمركته ...!

ماحدث في سرسنك ( منطقة صبنا ) ، حدث في قرى صغيرة أخرى .. نذكرها عدّاً دون التفاصيل والتي رافقتها أعمال إغتيال لشخصيات مسيحية ، وأعمال عنف ضد آخرين ، وكل هذه الأسماء موجودة لدينا مع التفاصيل . هي قرى : الداودية ، تن ، دهي ، ارادن ، بيناثا ، إينشكي ، بادرش ، دهوكي ، بليجاني ، بوباوا ، كواني ، ديري ، بيباد، همزية ، كاني هجر ، برزنكي .. وغيرها ..!

ماذكرناه أعلاه هو مثال من عدة أمثلة وفي مناطق مختلفة من قرى شمال العراق ومناطقه مثل مناطق عقرة والعمادية وزاخو ، والتي وبسبب موقعها بين القرى الكردية الأخرى ، تم تصفية وتهجير أهلها على يد ميليشيات البرزانيين والزيباريين .. وحوّلت الى قرى كردية في عملية (تنظيف) لكافة القوميات والأعراق الأخرى ، وكما جرى ويجري في مدينة كركوك ولحد يومنا هذا

وكما تجري المحاولة تلو الأخرى في الموصل ومحافظة نينوى ، وكذلك في بعض مناطق محافظة ديالى ، مع الإبقاء على الأقليات الكردية في بغداد والموصل وغيرها ، والتي يسكنوها منذ أجيال في محاولة خبيثة لايقدر على رسم خريطتها الا غلاة الصهيونية وكما حدث ويحدث في الأراضي العربية المحتلة .. والتنسيق الكردي ـ الإسرائيلي لم يعد بالسر الذي يخفى على أحد ..!

ولمن يريد الإطلاع على مزيد من التفاصيل والمصادر .. أرجو منه فتح هذا الملف على الرابط :

www.assyrianconference.com

لقد أريد للعراق الدخول في هذا النفق المظلم ، وتم الإعداد لذلك على مدى عقود .. واليوم يعاني جنوب العراق ، ووسطه ، وشماله .. نفس المعاناة ، وإن إختلفت صورها .. ويخطئ من يظن أن حكومة عراقية كحكومة بغداد اليوم بقادرة على إجراء أي تحسن أو إضاءة ولو شمعة واحدة في هذا النفق ، ناهيك عن رؤية الضوء في آخره ..

ويخطئ من يظن .. أن دكتاتورية كردستان العشائرية ، المغلفة الآن بالبرلمان والإنتخابات يمكن أن تحقق للشعب الكردي تلك الصورة الوردية التي جعلته يصدق أنها قادمة . وبالرغم من كل مساحيق التجميل التي تحاول أن تضعها على وجهها ستبقى دكتاتورية عشائرية عميلة كما كانت على مدى اكثر من نصف قرن .. نفس العائلة .. ونفس الطريق .. فعن أي ديمقراطية يتكلمون ...؟

lalhamdani@yahoo.com