ا 

الماوية
تطور الماركسية على قاعدة تجربة نضال البروليتاريا:
الثورة الثقافية البروليتارية
العظمى
يعتبر التناقض الأساسي  داخل الحركة  الشيوعية بالمغرب ، هو التناقض ما بين النظرية والممارسة ، والطرف  الرئيسي  في هذا التناقض هو النظرية ، لأن الممارسة الجماهيرية متقدمة على الإجابات النظرية للشيوعيين، و لهذا يعتبر النضال الإيديولوجي قضية مصيرية للثورة المغربية، لكن كما يعلم كل الشيوعيين أن الحشم متأخرة عن الإجابة على هذه المتطلبات ، و لهذا تعتبر النظرية الطرف الرئيسي، كنظرية تجيب على هذه الأسئلة الكثيرة للتطبيق، و الإشكالات المتعددة في الممارسة. لهذا:                                                                                              
 "يعتبر الصراع حولها( أي الماوية) مركز الصراع الإيديولوجي داخل الحركة الثورية المغربية، و خاصة كما قلنا أن مجموعة من الموضوعات تأكدت في معمعان الصراع داخل الحركة الشيوعية المغربية و داخل الحركة الجماهيرية، أي في خضم الصراع الطبقي بالمغرب، مؤكدة مرة أخرى أن الخط الفكري و السياسي لا يبنى إلا في الصراع، و أن التناقض هو جوهر كل الأشياء، مفندة كل الأطروحات التواكلية الجاهزة، التي أعفت نفسها من البحث و الكد لبناء الحركة في كل مستوياتها." ( خ.ط.ز : لماذا الماوية في المغرب؟)
  " نحن نعتبر أنه يوجد صنف ثالث من الثورة. فبدراستنا لماوتسي تونغ، و وثائق الحزب الشيوعي الصيني، نفهم أهمية الثورة   الثقافية البروليتارية الكبرى، كاستمرار للثورة تحت ديكتاتورية البروليتاريا  و طابعها الإلزامي الضروري. فبدونها لا تستطيع الثورة أن تتابع مسيرتها  نحو الشيوعية." غونزالو.  و نضال الشعوب و الطبقة العاملة هو أممي لهذا فقد أكد ماو تسي تونغ  ومن خلال الثورة الثقافية أن الجميع سيدخل إلى الشيوعية أو لا أحد سيدخلها، و بالتالي فطابع الثورة أممي، و للوصول إلى الشيوعية نحتاج إلى نضال دؤوب و طويل على المستوى العالمي، وهذا هو جوهر النضال الذي خاضه ماو و رفاقه ضد التحريفية العالمية بدءا بليو تشاوشي بالصين إلى الخروتشوفية بالاتحاد السوفياتي...إلخ. رافعا الشعار الأممي المدوي "يا عمال العالم و يا شعوبه المضطهدة اتحدوا".   
مقدمة عامة: تعتبر الثورة الثقافية البروليتارية العظمى  من أبرز الإسهامات الماوية في التاريخ الثوري للشعوب، تلك الثورة التي تستمر تحت لواء ديكتاتورية البروليتاريا،بهدف منع إعادة قيام الرأسمالية و السير بخطى ثابتة نحو الشيوعية. إنها حققت تلك النقلة النوعية على المستوى الإيديولوجي و السياسي و الاقتصادي و الأدبي و الفني...، على المستوى المحلي و الأممي. و كانت تجسيدا لفهم و تطبيق التناقض في مرحلة ديكتاتورية البروليتاريا، و في داخل الحزب الشيوعي نفسه . وكذا كانت تطبيقا خلاقا لخط الجماهير بشكل علمي. و في تجاه ضمان الانتصار على مخلفات المجتمع القديم، من عادات و أفكار رجعية،  وتقليب التربة القديمة التي تشد إلى الوراء مثل الأنانية و الذاتية و قوة العادات القديمة المتخلفة و بقايا الإنتاج الصغير، و التناقض ما بين المدينة و الريف ،و العمال و الفلاحين، و العمل الذهني و العمل العضلي....
  تعتبر الثورة الثقافية البروليتارية العظمى جزءا لا يتجزأ من النضال الأممي للشعوب، و أيضا حدثا عظيما في تطور الماركسية على كافة المستويات و بشكل نوعي. لقد كانت بمثابة الإعلان الصارخ عن مرحلة جديدة، ينتقل فيها الصراع بين البروليتاريا و البرجوازية بشكل قوي و مكشوف، لكن هذه المرة كما قلنا داخل النظام الثوري نفسه، و داخل الحزب الشيوعي نفسه ، صراع خطين صريح مبني على موضوعة الواحد ينقسم إلى اثنان، المستنبطة من قانون التناقض. إنه صراع خطين طاحن بين الاتجاه الرجعي الساعي إلى إعادة الرأسمالية الذي كان عنوانه الخروتشوفية، و الاتجاه الثوري  الساعي نحو الشيوعية و كان عنوانه طبعا الماوية.
  لقد كانت الثورة الثقافية مرحلة خصبة و قوية و مفعمة بالإبداع، كانت بحق قفزة نوعية في تاريخ صيرورة نظرية المعرفة الماركسية،  و سينتقل الاعتراف بالماركسي  من ذلك الذي قال عنه لينين:" الماركسي هو ذلك الذي يشيع الاعتراف بالصراع الطبقي إلى حدود الاعتراف بديكتاتورية البروليتاريا" إلى " ذلك الذي يوسع الاعتراف بالصراع الطبقي إلى حدود الإقرار و الاعتراف بديكتاتورية البروليتاريا و بالوجود الموضوعي للطبقات، و التناقضات الحادة بينها ، و بالوجود الموضوعي للبرجوازية في الحزب و تواصل وجود الصراع الطبقي في ظل ديكتاتورية البروليتاريا طيلة فترة الاشتراكية حتى الشيوعية و مثلما عبر عن ذلك ماو فإن "كل التباس في هذا الشأن يؤدي إلى التحريفية"
    إنها فعلا ملحمة عظيمة، تستحق من كل الثوريين و من كل الشيوعيين المغاربة استحضار دروسها الغنية و النوعية، و من خلالها يتبن أن الماركسية ليست عقائد جامدة مرتبطة  بمرحلة اقتصادية وفقط، و أن الماوية فعلا في هذه النقطة بالضبط جاءت على قاعدة تجربة البروليتاريا و البشرية في صراع الطبقات...، و ليعلم الكل أن الماركسية ليست مرتبطة بعصر الإمبريالية وفقط و ستنتهي بانتهائه، بل هي مستمرة في الثورة الديمقراطية و الاشتراكية و الثقافية و الشيوعية ، أ تعرفون لماذا؟ لسبب واحد فقط،  لأنها تحليل ملموس لواقع ملموس، وليست فكرة عبقري أو صوفي في برج عاجي يطل على الرأسمالية الاحتكارية، و عندما تمر من تحته سيلقي بنفسه إلى الأسفل منتحرا!!!
  لهذا فالماوية هي ماركسية نوعية متقدمة على قاعدة تجربة البروليتاريا و صراع الطبقات ، و النضال من أجل الإنتاج و التجربة العلمية، و تغنى من خلال تطبيقها على النضالات الأممية للبروليتاريا و الشعوب المضطهدة.
      " إن الثورة الثقافية الجارية لن تصل إلى نهايتها في وقت قصير جدا . فهي ستتطور بعد أكثر عمقا و باتساع أكبر. إن الحفنة الصغيرة من كبار المسؤولين الحزبيين السائرين في الطريق الرأسمالي، يجب أن تنتقد، و من أجل ذلك يجب تركيز القوى. يجب أن ننشر أعمال الدورة العامة الحادية عشرة، نجاحاتنا و خطنا. إذا أردنا إسقاط الحفنة من الأشخاص المعنيين، فيجب أن نقوم به ليس فقط على المستوى التنظيمي، بل أيضا على المستويات السياسية و الإيديولوجية و النظرية. إنها مشكلة حيوية بالنسبة لبلادنا و للعالم. فإذا لم تسقط التحريفية فإنها ستعمد إلى إجراء ردة. إنها مهمة تاريخية كبرى."( من تعليقات الرفيق ماو على الثورة الثقافية البروليتارية العظمى. )
   إن إطلاع الثوريين المغاربة الآن على مجموعة من الوثائق و المقالات الحزبية في هذه المرحلة، سيبين قوة و نوعية هذه الثورة في التاريخ الثوري للبروليتاريا و الشعوب، و سيبرهن على مدى قوة و نوعية الماوية في تاريخ تطور الماركسية كنظرية علمية، وليس كمحفوظات جاهزة. و ستنير بحق طريق الحركة الثورية المغربية، و ستعمل على تجاوز نزعة الأحكام الجاهزة عن الماوية داخل الحركة الشيوعية المغربية، و ستوضح بحق "الموقع التاريخي للثورة الصينية و الموقع النظري لماوتسي تونغ".
 لقد دشنت بحق هذه الثورة النضال الأممي من أجل الدفاع عن الماركسية في شخص الماوية ضد التحريفية العالمية، و أعطت الطريق الواضح و الصعب للنضال من أجل تحرير البروليتاريا و الشعوب المضطهدة، و أعطت الضوء الأخضر لحمل سلاح الحرب الشعبية في العديد من المناطق في العالم، للنضال ضد الامبريالية و الرجعية و التحريفية.
إن هذا العرض الذي بين أيدينا يسعى إلى إيضاح أهمية انخراط الشيوعيين بالمغرب في الصراع الإيديولوجي داخل الحركة الشيوعية العالمية، لأنه لا يمكن التحدث عن شيوعيين حقا بدون خط أممي. فهذا الصراع المخاض حول تطور  الايديولوجية الماركسية كإيديولوجية تعبر عن الطبقة العاملة ــــــ لأن أي إيديولوجية هي في نهاية المطاف تعبر عن  طبقة معينة، و لهذا نقول أن الماركسية ايديولوجية البروليتاريا ــــــ  هو نضال في جوهره أممي، رغم اتخاذه طابعا محليا. لأن نضال البروليتاريا في جوهره أممي كما قال ماركس منذ زمن بعيد. و الطبقة العاملة تخوض الصراع على كافة الجبهات و منها الجبهة الايديولوجية ليس محليا و فقط بل و أساسا عالميا.                                                                                             
   إن هذا المقال الذي بين أيدينا للصحفي " جان دوبيه" الذي عايش الثورة الثقافية البروليتارية بشكل مباشر و عن كثب، و هو يصف هذه المرحلة بكل موضوعية في كتابه الغني بالمعطيات المعنون ب" تاريخ الثورة الثقافية البروليتارية في الصين (1965 ــ1969 )" " ترجمة طلال الحسيني". و أنا أقدم للقراء الكرام هنا توطئة المقال المركزة لهذه المرحلة، و كذا المقدمة المطولة المعنونة ب "أصول الثورة الثقافية البروليتارية". التي يعطينا فيها الكاتب الأصول الفكرية و السياسية و التربوية التي قامت عليها هذه الثورة المجيدة.
 لكن أقسام هذا الكتاب هي غنية و غنية جيدا بالمعطيات و المعلومات، التي تقدم إيضاحات و صورة واضحة عن قوة هذه المرحلة الثورية في تاريخ الثورة العالمية.و تبين قوة الماوية في قيادة هذا الصراع من أجل الشيوعية. و لهذا لا تكتمل النكهة إلا بالاطلاع على هذا الكتاب القيم كاملا، و نترك صاحب المقال يتحد
ث. 
عاشت الثورة الثقافية البروليتاريا العظمى
عاشت وحدة البروليتاريا و الشعوب المضطهدة و الأمم المضطهدة في العالم قاطبة
عاشت الحركة الثورية
عاشت الحركة الشيوعية
عاشت الماركسية اللينينية الماوية إيديولوجية سديد
ة ومنيعة

                                                                                              الخطابي زروال

                                                                                                     يوليوز 2008

 

 

توطئة صاحب المقال:

     لم يكن لدي نية تأليف كتاب، عندما عدت إلى أوروبا، بعد إقامتي في الصين، التي امتدت من عام 1966 حتى صيف 1968. أخذت به على نفسي عام 1969، بعدما تبينت مقدار ما بقي عليه من النقص في معرفة تلك الثورة الثقافية، التي كنت لها شاهدا.

    إن الصين، بالواقع، محاطة بستار من الجهل، تلتقي على بقائه قوى قديرة. فالصحافة الكبرى لا تشعر بأي عطف على نظامها الثوري، فلا ينبغي أن نعجب من كونها- إلا ما نذر- مهتمة بالتنفير منه أكثر من الكلام عنه بموضوعية.

   أما المختصون بالمسائل الصينية، إن كانوا منتمون إلى الجامعة أم إلى الأوساط الحكومية، فكثيرون أولئك الذين يقعون في نفس الزلة، الأمر الذي يدفع إلى الشك بقيمة تحليلاتهم.

  فكان علي، في هذا الكتاب، أن أجافي نظريات، أصحابها بعض أولئك المختصين، و التي تجوز بقوة التكرار على أنها حقائق مبينة، مع الأسف. فلا أساس، برأيي، لقول بأن " القفزة الكبرى إلى الأمام" عام 1958، كانت فشلا ذريعا، و أنه من حينه فقد ماوتسي تونغ السلطة، و لم يستعدها إلا بعسر شديد خلال الثورة الثقافية. و خاطئ كذلك تقديم هذه الأخيرة على أنها انقلاب عسكري، كان قد فتت الحزب الشيوعي، و أيضا  التأكيد على أن العمال الصينيين كانوا إلى جانب ليو شاوشي ضد ماوتسي تونغ، إلخ…

  من جهة أخرى، ينبغي القول أن نواقص الدعاية الصينية ساعدت على حالة الجهل التي يوجد عليها الخارج. فالمنشورات و الإذاعات التي تذيعها الصين في الخارج كان ينبغي أن تنير الرأي العالمي، و تفضح التلفيقات. و ليس لنا إلا أن نأسف لكون الأمر ليس حقا كذلك. إن الدعاية الصينية قليلة الملاءمة للجمهور الذي تتوجه إليه. فغرابة الأسلوب والقيمة الأدبية المشكوك فيها لبعض الترجمات تقترن بغياب منفر للمعلومات الدقيقة و الملموسة، و غالبا ما أبقى في الظل على نواح هامة جدا من الثورة الثقافية. إن الثوريين الحقيقيين كما يقول ماوتسي تونغ، لا يخافون الانتقادات. لهذا أنا واثق من أن الشيوعيين الصينيين سيلقون هذا الانتقاد بالترحاب.

  هناك ثلاثة وجوه للثورة الثقافية : أولها إيديولوجي: لصراع بين الماركسية-اللينينية-الماوية و بين التحريفية. و هذه الأخيرة، حسب تعريف سأفصله في المقدمة، هي فساد الثورة بالتراث. و الوجه الثاني اجتماعي و سياسي، معا : للتكوين الثوري للأجيال الصينية الشابة التي لم تعرف المجتمع القديم. و الثالث هو لنضال قام به ماوتسي تونغ و أنصاره ضد فريق من قادة الحزب، ممثل بشكل رئيسي بليو شاوشي، الذي كان يعارض مشروعهم. إن تاريخ الثورة الثقافية هو تاريخ هذا الصراع. و رغم أنني أتعرض في هذا المؤلف للوجهين الأولين. فإن الوجه الثالث خاصة، و الأقل شهرة بالحقيقة. هو الذي يتجلى فيه.

   و للثورة الثقافية، بالواقع، تاريخ كما لثورة أكتوبر أو للثورة الفرنسية تاريخ. و هو جدير بأن يروى. و بديهي جدا أن معرفة الوقائع هي الركيزة الوحيدة لتحليل نظري مقبول. لذا كان وصف وقائع آخر الثورات الكبرى الحديثة، عملا لا غنى عنه إطلاقا.

  لقد اشتغلت في الصين كمترجم. و استطعت متابعة مسيرة الثورة الثقافية بفضل أحاديثي، في مكان عملي و في الشوارع و المدارس، مع أصدقاء أجانب و صينيين، يزاولون مهنا مختلفة. و كان لهذا الاتصال أن يبقى محدودا لولا تدخل ماوتسي تونغ الشخصي، الذي خول الشغيلة الأجانب في الصين حضور الاجتماعات في كل الأماكن، و الاطلاع كرفاقهم الصينيين، و المساهمة حين يرغبون بالنشاطات السياسية.

  إن التاريخ الذي أروي هو ذاك الذي عاشه من صنعه من ملايين البشر. إنه تاريخ مشروع سياسي باهر، منطقي في مسيرته، حماسي و غالبا ملحمي. وهذا ما جعلني أكثر حرية بتقديم الحدث على حقيقته: حقيقة انتصار لماوتسي تونغ، و لسياسته الثورية.

                                                                                                                             9 شباط 1970

                                                 مقدمة:

                           " إن تراث الأجيال الميتة يحط بثقل ثقيل على دماغ الأحياء" ك . ماركس.

                         أصول الثورة الثقافية البروليتارية

 ـــ 1 ـــ

 

   لم يقدم الشيوعيون الصينيون، في أية مرة، تحليلا محكما و كاملا لأسباب الثورة الثقافية،ـ و للأشكال التي اتخذتها. و رغم أنهم خصوها بحشد من المقالات و الافتتاحيات، لكن هذه لم تزود إلا بعناصر جزئية، متناثرة على هدى الظروف و ضرورات الدعاية، و ليس بنظرية إجمالية. إن السطور التي تتبع هي محاولة توضيح، و تعرض تعليلا لا أدعي طبعا أنه يستنفد معطيات المشكلة.

   سآخذ على عاتقي أن أبين، أولا، كيف أن عددا من التناقضات و الإعوجاجات التي يرثها النظام الرأسمالي(عن الرأسمالي و الإقطاعي، في حالة الصين) يمكن أن يقدم القاعدة لصراع طبقي جديد على السلطة. و هذا ما تمثله، على وجه الدقة، الثورة الثقافية الصينية.

  من الناحية النظرية، الاشتراكية المبنية بعد قلب البرجوازية هي نظام انتقال، عليه أن يعد لمجيء الشيوعية. وهذه تفهم على أنها نظام مساواة اجتماعي، حيث يلقي كل واحد جزءا من المنتوج الاجتماعي، متفقا و حاجاته، و حيث يصبح الانقسام إلى طبقات زائلا، كما الدولة، رديفه.

   لكن، لا يبدو أن هذا الانتقال أن يتم بسرعة. و الشيوعيون الصينيون أنفسهم يؤكدون اليوم أنه حتما سيغطي مرحلة تاريخية طويلة جدا. فليس عجبا أن تدوم فروقات و تناقضات مختلفة في الطور الاشتراكي السابق على مجيء الشيوعية. و هذا أيضا مقر به في الصين بشكل صريح.

   إن هذه التناقضات وهذه الفروقات تنساب أساسا عن عامل اجتماعي يتيه أصله في ظلام الأزمنة : و هو تقسيم العمل ، الذي شطر المجتمعات  البشرية، بفصله على مجرى القرون، المدن عن الأرياف، و فروع الصناعة عن المهن، و ببلوغه في العصر الحاضر ذروة التجزئة للمهام، و بتوليده للاختصاصات و الأنواع، و حتى مكننة الأدمغة. انه في لأصل جميع العبوديات، و قد فصل الإنسان عن ذاته. و هو الذي إلى هذه الواقعة الخام، الصارمة،  و التي لا يسمح لنا اعتيادها بقياس تام لآثارها الضخمة: و هي فصل العمل اليدوي عن العمل الفكري. فهذا الفصل هو الذي قاد بعض البشر إلى فهم و دراسة طرائق الإنتاج، بينما أصبح  آخرون منفذيها المتفرقين، الغرباء عن هذه العملية الفكرية. و قد بلغ هذا الانشقاق نسبا هائلة مع الصناعة الرأسمالية، التي أدخلت العلم نفسه و العلماء و المثقفين في خدمة رأس المال. و جعلت منهم قوة إنتاجية مستقلة عن العمل. و يصاحب هذا الفصل تراث عريق في القدم من الاحتقار للعمل اليدوي من جهة، و من الامتيازات للعمل الفكري، من الجهة الأخرى. فتقسيم العمل قاد إذن إلى عدم المساواة بين الشغيلة. و هذه البقايا من الإقطاعية و الرأسمالية حاضرة في النظم الاشتراكية التي لا تستطيع إزالتها دفعة واحدة. و ما سنقوم به هنا هو استعراض تجلياتها الخاصة.

  إن الجامعة واحدة من أولى الحقول التي يتبدى فيها تقسيم العمل. فهي تخص بالفعل بتنظيم متميز كلا من المعرفة و العمل، فتضع حامل المعارف و الشغيل كلا على قطب من الإنتاج. و لكون البلدان الاشتراكية تحتاج بالطبع، إلى مهندسين و كوادر مثقفة، فهي لا تستطيع الاستغناء عن الجامعات. غير أن هذه ، إذا لم تكن قد حولت بعمق، ستكون عاجزة عن تأمين إزالة تواجه العمل. و بالعكس فإنها ستعيد إنتاج التعارض الموروث عن النظام السابق، بين حاملي المعرفة من جهة و بين الجماهير الكادحة المحرومة منها. من جهة أخرى،  و بينما يكون نمط الإنتاج الرأسمالي قد زال، تستمر مؤسسة تعيد إنتاج التناقضات و الاعوجاجات الاجتماعية الناشئة عنه.

و إذا ما بقي الفصل، هناك احتمالات كبيرة بأن يستمر العمل الفكري مصحوبا بالامتيازات، بقوة العادات، و بأن يؤخذ على أنه اهتمام أكثر نبلا من العمل اليدوي. و يستمر المثقفون بتشكيل نخبة مغبوطة لا يبلغها سوى أقلية. و يبقى التعليم انتقائيا، مؤسسا على التنافس، و يثير دوما المطامح الفردية بدل التفاني للجماعة. عندها يمكن للنظام بسهولة أن يمجد البروليتاريا و أن يؤكد أن العمال هم سادة البلاد، لكن سلطة التقرير الحقيقية لا تكف عن البدء بالانزلاق إلى أيدي فئة اجتماعية من الإداريين و التقنيين، ذوي المفاهيم و المصالح المباشرة التي قد تكون متميزة عن تلك التي للعمال.

   و تمتد هذه الظاهرة في الحقل الأدبي و الفني كذلك. أن الثقافة امتياز في النظم الرأسمالية و الإقطاعية. و واقع أنها أصبحت في البلدان الرأسمالية الكبرى المعاصرة بمتناول فئات تتسع بعيدا عن الطبقة الحاكمة، لا يجلب تغييرا جذريا في هذا الصدد. فهناك موانع بنيوية و إيديولوجية قوية تؤدي إلى أن أكثر المؤلفات لا تبلغ قط هذه الفئات، فأن يكون المرء مثقفا، هذا إذن أنه يتمتع بامتياز يفوت الغالبية.

  و هكذا، حتى لو أن فنانا خرج من الشعب، حتى و لو بقي فقيرا(و هو أمر غير نادر) فإن آثاره تدخل في ملكية الطبقة المالكة: إما لسبب مادي، لأن الأغنياء فقط بوسعهم شرائها، و إما ، أيضا، لأن مضمونها المعرفي لا يبلغ إلا من أعضاء الطبقة العليا، أو من أولئك الذين تشركهم إشعاعها الثقافي، و هم كثيرون اليوم، و لكن ليسوا من البروليتاريين.

  و غالبا ما على النظم الاشتراكية أن تستقبل جمهرة من المثقفين قد حصلت ثقافة ضمن النظام القديم، كانت قائمة على تفوق طبقي، بآخر تحليل. و حتى إذا ما قبل هؤلاء النظام الجديد- الأمر غير الضروري دائما-  تبقى عاداتهم و نفسيتهم بعيدة جدا عن عادات و نفسية الشغيلة. و ذلك بسبب طابع النخبة القليل أو كثير الحدة لإنتاجهم، و كذلك لأنه ينقل قيما تقليدية قد فصلت في إطار إيديولوجي مغاير لإطار الاشتراكية الثورية. و يشتد اتجاه ذلك الانشقاق نحو التوطد عن طريق منح الامتيازات المادية المختلفة و الأجور المرتفعة و ظروف السكن الأفضل، و التي تتضافر على جعل الفنانين و الكتاب، في البلدان الاشتراكية، أعضاء فئة اجتماعية ذات نمط معيشة، و كذلك اهتمامات تسير مبتعدة عن تلك التي للجماهير الشعبية.

    غير أن آثار تقسيم العمل البليغة، يمكن لها أن تتركز بشكل رئيسي في حقل العلاقة بين الحكام و المحكومين. فيوجد فرق بالطبع بين أولئك المكلفين بممارسة السلطة و بين أولئك الذين ينفذوها. و الحال، كل اختلاف هو تناقض، و هذا قائم في النظم الاشتراكية كما في النظم الأخرى.

  و يجد هذا الفرق أصله في تقسيم العمل أيضا. في منشأ المجتمعات كانت إنتاجية العمل ضعيفة للغاية، و تتطلب كل وقت البشر تقريبا. و قد تشكل ، بين الغالبية العظمى المكلفة بانتزاع الغذاء من الطبيعة، فئة محررة من العمل الإنتاجي المباشر، أخذت بيدها أمور الجماعة: تنظيم المهام، الأمور السياسية، العدالة، العلم، الفنون، إلخ...و شيئا فشيئا تعسفت هذه الفئة، خاصة من حيث توليها مسؤولية توزيع المنتوج الاجتماعي بين الجميع، لتشرع في العيش كلية على حساب الشغيلة، و لتزيد مواردها و أموالها فوق المتوسط الاجتماعي للحاجات، و ما كان ضروريا لممارسة وظائفها المعينة. و هكذا ولد الاستغلال و انقسم المجتمع إلى طبقات متناحرة.

   إن النظم الاشتراكية قادرة على إزالة الاستغلال، إذا طبقت مبدأ إعطاء كل حسب عمله بالضبط .  لكن التطبيق، و لو الصارم، لهذا المبدأ لا يسمح بإزالة اللا مساواة. فطاقات العمل في الواقع، زيادة  عنه في الاقتصاديات المعاصرة، شديد التنوع. و حتى في حال التساوي في العمل و التساوي في الحصة من المنتوج الاجتماعي، لا يكف البشر عن كونهم غير متساوين في الحاجات . إذن بنفس المدخول هم ذوو ثروة متفاوتة. و على ذلك يبقى المجتمع مجتمع ندرة نسبية وبالتالي لا مساواة (1)، طالما لم يستطع إعطاء كل حسب حاجاته.

   بذلك يبقى توزيع المحصول الاجتماعي مصدرا لتوترات داخلية. و يستمر البشر في التجابه. و بالتحديد، يجد عدد من الفئات الاجتماعية في الحصول على توزيع أكثر نفعا له. و يتجه أولئك الذين هم أكثر ثقافة و مهارة و أكبر طاقة على العمل إلى زيادة تطلباتهم فوق ما يحق لهم بعملهم، و على هذه الصورة، إلى الحصول على الامتيازات. إن واحدا من أسباب الإبقاء على الدولة في النظم الاشتراكية هو الإبقاء بالقوة على معيار التوزيع حسب العمل.

   لكن وجود الدولة يحفظ أيضا لا مساواة أخرى، تلك التي بين الحاكمين و المحكومين.  و بذلك يكون الذين يمارسون السلطة في وضع لأفضل للحصول على امتيازات،  و إزاحة من يمسهم تطبيق مبدأ: لكل حسب عمله. و لا يفتقد وجود هذا الميل بين عدد من كوادر الحزب الشيوعي و الدولة، الذين ما تزال الأنانية و الفردية مسيطرتان لديهم. و إذا ما انتشر ذلك الميل يصبح النضال ضده معركة واسعة النطاق. و يكون هدفه سلطة الدولة، لأنه يجري داخل الجهاز الإداري و السياسي نفسه.

  في هذا السياق، تبدو الثورة الثقافية التي أعلنها ماوتسي  تونغ مشروعا تمام التماسك. يعتقد ماوتسي تونغ، كماركسي، أن المجتمعات البشرية سوف تتطور نحو الشيوعية. لكنه يرى أنه من اجل ذلك، على النظام الاشتراكي أن يعمل بشدة على خلق الظروف القابلة لإحداث هذا التغيير. و المهمة الأولى، بداهة، هي تطوير قدرة البلاد الإنتاجية تطويرا محسوسا، لأجل خلق إمكانية إعطاء كل حسب حاجاته، يوما ما. لكن مشروعا كهذا، في ذهنية ماو ، لن يتقدم إلا بمقدار ما تأخذ اللا مساواة الاجتماعية بالتلاشي، لأن تزايدها سيؤدي على النقيض إلى نكوص نحو الاستغلال، الذي سوف يفجر البنى المخططة، و يعطل التقدم الاقتصادي و يعيد إدخال فوضى السوق.

  و ذلك يفترض نضالا ضد التقاليد الفردية المتأصلة في عادات البشر و آدابهم منذ آلاف السنين، و التي تدفعهم إلى تصور سعادتهم بصور الإشباع الفردي لا جماعي. هذه العناصر الإيديولوجية دافع قوي على ازدياد اللا مساواة. و يتطلب نضالها قلبا لعادات و عقليات، لإزالة كل ما منها أثر الماضي.  و يتطلب كذلك تبديلا لمجمل البنى الفوقية الإدارية و التربوية و الثقافية، حيث تمكن ذلك النفوذ من التجسد على درجات متباينة.

  إن مصطلح الثورة الثقافية، على ذلك، رديء الترجمة. لأنه ذو معنى حصري في اللغة الفرنسية، ليس له في الصينية أو الانجليزية. فتعبير "ونهيا جمينغ" يشتمل على المفهوم ، الأكثر اتساعا للحضارة، و يمس ليس ميدان الثقافة الوحيد فقط، بل جميع تلك التي ذكرت آنفا.

  هذه الثورة الثقافية البروليتارية تبدو على عدة مستويات. لأحدها، تحويل التعليم على شكل يمحو الانفصال بين العمل اليدوي و بين العمل الفكري. و على النقيض ليكف عن تكريسه. و لا ينبغي أن تكون غاية التعليم تكوين المديرين الذين يمكن أن يحتاج إليهم المجتمع، على مدى قريب، بل خلق إنسان جديد قادر جسديا و عقليا. وهذا التحويل للطرائق التربوية جار الآن في الصين، وهو يسير باتجاه ارتباط أوثق بالنشاط الإنتاجي الملموس بالعمل . و سوف يكف الطلاب عن تكوين فئة اجتماعية معينة، و يكون اختيارهم ، من الآن فصاعدا ، من بين العمال و الفلاحين المعتادين سابقا للعمل، فيتابعوا دورة تعليم قصيرة نسبيا. هذه التجديدات ذات طابع اختياري. وهي تقوم جوهريا على فكرتين، الأولى: أن أفضل تعليم هو الذي يحصل عن الممارسة العملية للعمل، و التي ينبغي أن تتصدر المعرفة المدرسية. و الفكرة الثانية: لا ينبغي أن يتم اعتبار المتعلمين وفق معايير انتقائية، تأخذ بالحسبان القيمة الفردية لمعارفهم فقط، بل بالأحرى حسب مستواهم السياسي و الإيديولوجي ، و حسهم بالواجب نحو الجماعة.

 و يبدو أن الثورة الثقافية قد عملت ، خاصة في الميدان الأدبي و الفني، على نزع المسؤوليات عن مثقفين معتبرين تحت تأثير الإيديولوجية البرجوازية، و قد انتهت إلى إلغاء الامتيازات التي كان يتمتع بها الفنانون ، سابقا. و يبدو أن هؤلاء يقومون الآن بتنقلات في المصانع و الكومونات الشعبية، التي يفترض أن تعطيهم رؤية مختلفة للعالم و البشر، بالاحتكاك الطويل، الذي تستتبعه، بالشغيلة. و تشدد الصحافة الصينية باستمرار على ضرورة خلق أدب و فن جديدين يعليان من شأن قيم بروليتارية و ثورية خالصة.  و قد تجسد ذلك في إنتاج ذي نجاح أكيد في أوبرا بكين.

 لقد كلن ميدان العلاقات بين الحاكمين و المحكومين في المركز كمن الثورة الثقافية. و كما شدد ماوتسي تونغ على أنها ثورة سياسية ، كانت الصحافة طوال الثورة الثقافية أنه هنا المسألة الأساسية . على ذلك سنخصها بتفصيل خاص يمهد للرواية التاريخية للأحداث.

                                                                   ـــ 2 ـــ  

قلنا سابقا، أن استمرارا اللا مساواة في النظم الاشتراكية يجر   إلى صراع على توزيع المنتوج الاجتماعي، و إلى سعي حاد وراء الامتيازات  من بعض الفئات الاجتماعية.  ولهذا الاتجاه حظ كبير بالتجسيد بفعالية عند عدد من الذين يشغلون مراكز في السلطة. و بوسع السلطة التي يملكونها أن تفيدهم كثيرا في تدعيم مكاسب وضعهم. عند ذلك يظهر بين قسم من الكوادر الشيوعية عدد من المجموعات ذات الامتيازات. فإذا لم يوضع حدا الظاهرة قادة الحزب، الباقون على أمانتهم للخط الثوري، ينشأ خطر من أن تتكون ، تدريجيا ، فئة اجتماعية حقيقية ذات امتيازات. و سوف تسعى هذه الأخيرة إلى إزاحة المعايير الاشتراكية للتوزيع حسب العمل. و بدل أن تتضاءل اللا مساواة ، تمضي متعاظمة. فنشهد ظهور نوع من البرجوازية الجديدة. و تزداد الشقة بين الحاكمين و المحكومين و تتثبت، بدل من أن تتلاشى لتحقيق التحول إلى الشيوعية. إن أهمية هذه الظواهر تتعلق بفترة زمنية متبدلة. في الصين، قبل الثورة الثقافية ، لم تكن هذه الظاهرة نامية إلا قليلا، و بالمقابل فقد برزت ملامح ازدياد اللا مساواة، في الاتحاد السوفياتي، بعد الحرب العالمية الثانية، فتبلغ منذ خمسة عشر عاما امتدادا يسير الملاحظة.

  إن سبب هذه الظاهرة ليس فقر البلاد، كما تؤكد التحاليل التروتسكية(2)، بصورة دوغمائية، على ما يظهر. فليس لأن الاتحاد السوفياتي كان في العشرينات فقير، و لأن الصين فقيرة نسبيا الآن، تأخذ فئات ذات امتيازات بالتكون. فالفقر في مجتمع ما ، يمكن أن يشكل على النقيض، دافعا قويا على " المساواتية"Egalitanisme   التي تحفظ تماسكه، بينما تجزئه اللا مساواة و يمكن لها أن تقضي على الفئات المعدمة منه، في حالة قصوى.

  و من المحتمل أن إقامة الاشتراكية في بلدان "غنية"، لم يكن ليحول دون توزيع المنتوج الاجتماعي حسب العمل و ليس حسب الحاجات، و كانت بقيت هذه المجتمعات ندرة نسبية. و حتى لو اعتبرنا ضخامة حجم إنتاجها، فإن هذا العامل وحده لا يولد بالضرورة المساواة بل على النقيض فقد يزيد من حدة السعي وراء الامتيازات.

 على ذلك، فالأمر كله متعلق بمعيار التوزيع المسيطر. و هذا بالتحليل الأخير ، ليس عنصرا اقتصاديا إنما يرتكز على عوامل إيديولوجية، ويستند على قدرة النظام الاشتراكي على تخطي الميول الفردية، التي أصلتها في النفوس قوة العادات و التقاليد، أي قدرته على تغليب الروح الجماعية. و تلك مهمة صعبة تتطلب نضالا يوميا، يتجدد باستمرار. و هي تعتبر، بلا شك، أحد أسس نظرية ماوتسي تونغ، التي بموجبها لا ينبغي للثورة أن تتوقف. و هذا أيضا ، برأيي، الخلاف الذي يكمن وراء النظام الذي كان على ماو  و أنصاره أن يقوموا به ضد مجموعة أخرى من قادة الحزب الشيوعي، و بالذات ليو شاوشي. و قد تعرف العالم الخارجي إلى الثورة الثقافية عبر ذلك الصراع. 

    إن البشر الذين يشكلون صفوف حزب شيوعي لا يختلفون عن غيرهم من البشر. و البشر، تبعا لما قاله ماوتسي تونغ لأندره مالرو (3)، و الذي نقل أقواله:" لا يحبون حمل الثورة طوال حياتهم ".

  و ما إن تستلم السلطة، حتى يكون على الكوادر الشيوعية التي ستمارسها أن تجابه امتحانا جديدا محفوفا بالمخاطر.  إن عددا من المناضلين المجربين في ظروف أخرى، يسقط أمام هذا الامتحان. و لا تعود مستلزمات السرية و قساوة حياة المناضلين، سوى ذكرى. و بذلك يشهد لدى البعض انتشار الميل إلى الرفاهية و الحياة السهلة، و يصبح لأسلوبهم في العمل مزيجا من الروتين و المهاودة لأنفسهم و الصرامة حيال مرؤوسيهم. كذلك يتطلع هؤلاء نحو امتيازات في الأجور و نحو نفع مادي مبتغى، و منال أحيانا. و تأخذ بالوهن العلاقة الوثيقة و الحوار المستمر و المساواة، بين الشغيلة العاديين و بين بعض الكوادر القيادية و التي كانت للأوقات البطولية حيث تفرض الثورة على الجميع الأخطار نفسها، و تشيع الآمال نفسها.

عند هذه المرحلة، ليس هناك سوى البيروقراطية، لكن غير شاملة. جدية بالنسبة للنظام، لكن لا تدعو إلى الذعر. غير أنه إذا استمرت هذه العملية، فإن العادات السيئة بتراكمها يمكن أن تفسد و حتى أن تنضب الإيمان الثوري لعدد من الكوادر. و يقود الميل إلى المتع، و الروح الفردية المتعاظمة إلى مرحلة أخرى. و يظهر عند ذلك ، داخل الثوري نفسه، بيروقراطيون جدد لا يرون في البشر الآخرين سوى وسائل أو عقبات، و يضعون مسؤولياتهم في خدمة أهدافهم النفعية. و تغدو السياسة الثورية ، على مر الأيام ، بأصدائها المساواتية و التفاني النضالي الذي تتطلبه ، غير محتملة بالنسبة لهم. و يبذلون جماع جهودهم للوقوف بوجهها.

   إن تأكيد الشيوعيين الصينيين الذي بحسبه أن الثورة الثقافية نضال بين البروليتاريا و البرجوازية، كان له أن يثير العجب. و البعض، بالواقع لأن تكون ثورة ثانية في نظام شيوعي أمرا ضروريا، ضد بورجوازية مجردة من السلطة الاقتصادية و السياسية منذ أكثر من عشرين عاما. ذلك التأكيد يكون خاطئا إذا ما عنى البرجوازية الصينية التقليدية التي ليست الآن سوى أثر. و يمكن أن يعقل هذا التأكيد إذا دل على برجوازية جديدة مكونة من الذين أتاح لهم عدم المساواة الحصول على امتيازات، يحاولون مضاعفتها و يدافعون عنها بمحاولة تغليب رؤى سياسية متعارضة مع حزم الماوية النضالي. و من الجدير أن نحدد كيفية تجلي ذلك.

  تطبق النظم الاشتراكية، بالواقع، ديكتاتورية البروليتاريا. فلا تتسامح مع المعارضة، و ليس لهذه ، مبدئيا ، أية حرية نشاط أو تعبير معترف بها. و الحال، كما أن التناقضات الاجتماعية تبقى، فبديهي أن لا ينعدم وجود تيارات سياسية متعادية. و معارضة السياسة الرسمية. حتمية إذن، لكنها مجبرة على طلب الغلبة بوسائل مموهة. و لا يمكن لها أن تبرز إلا استعمالها الوسيلة الواحدة الوحيدة الباقية لها: طريقة الاقتناص الدائب لمناطق سلطة في الحزب الشيوعي، مع التخفي تحت مظهر من الولاء السياسي و الإيديولوجي. و من نتائج النظام الدقيق و الحزم العقائدي الذي تقيمه الأحزاب الشيوعية في المجتمعات التي تحكمها، جعل الأخصام أكثر مخاتلة.

  إن الحياة السياسية في بلد اشتراكي هي إذن حصيلة مجموعة من العناصر النوعية، تبدو كجملة من الصراعات السياسية تتركز، للأسباب التي ذكرت. في صراعات على السلطة ذات شدة متغيرة، داخل الحزب الشيوعي نفسه. و قد تظهر هذه الصراعات ، من الخارج، على أنها صراع بين ثوريين بروليتاريين يعمرهم إيمان متساو بالماركسية. لكنها في الواقع تعبير عن شكل جديد من الصراع الطبقي. فوراء الوحدانية الظاهرة للحزب الشيوعي و الالتزام المشترك بالماركسية، تنشب صراعات خفية لا تنقطع.

   في هذا السياق، ينبغي أن ترى مجابهة ليو شاوشي لماوتسي تونغ. فلا يجب أن تؤخذ على أنها معركة أشخاص، و لا كذلك على أنها صراع عقائدي بحالته المحضة. لقد كانت بالواقع التعبير السياسي عن جملة من التناقضات الطبقية، حيث تتداخل عوامل اجتماعية و إيديولوجية تتغذى من كتلة من الامتيازات المادية و الميول البيروقراطية، و مصاعب التكيف مع الإيقاع  المتسارع للسياسة الماوية.

  و هذا يسمح بتفهم لماذا كان على طريقة النضال التي اتبعها ماوتسي تونغ خلال الثورة الثقافية أن تكون أكثر تعقيدا و دقة من الطريقة القائمة على تجريد أخصامه من مراكزهم و نفوذهم، بطرق إدارية و بوليسية. فكان ماو يكافح أخصامه و بنفس الوقت يحاول تقويض الأساس الإيديولوجي و الاجتماعي لسياستهم، و هذا ما سنقوم بتحليله الآن.  

                                                                   ـــ 3 ـــ

   عينت الثورة الثقافية كهدف أساسي أعلى لها، إعادة بناء النفس البشرية. و هذا ما يعنيه شعار توسو : مكافحة الفردية. و المقصود تأمين سيادة مفهوم جماعي عن العالم، على الرؤية التقليدية الأنانية التي كونها الإنسان عن نفسه في المجتمع.

   و تحويل النفوس في هذا الاتجاه يعني العمل على إنضاب قوة التراث من منابعها. لأن هذا القوة، المتأصلة في الآداب و العادات العريقة، هي التي تدفع بالبشر نحو السعي اللجوج لإشباعهم الذاتي. و ذلك يعني تثبيط الطمع، و الامتهان اللذين يرجحان الكفة بثقل مهم باتجاه زيادة حدة اللا مساواة.

    ومنذ اللحظة التي يسعى فيها النظام الاشتراكي لإزالة اللا مساواة، عليه أن يسهر على إبقاء الفروقات الاجتماعية شديدة الضعف ما أمكن. حينئذ تطرح مشكلة دقيقة: فلا يعود أمام البشر، من أجل حثهم على العمل، أفق القدرة على زيادة أرباحهم. فغياب الامتيازات بالنسبة للأقلية ، يفقد المهماز الذي يمكن أن تشكله بالنسبة للغالبية. لهذا يتبنى ماو إحلال الدوافع المعنوية محل الدوافع المادية. و ينبغي العمل بحيث تشتغل الجماهير و كوادر الحزب من أجل الاشتراكية، عن يقين ثوري. و هذا يستتبع قلب الأفكار و اختفاء الأنانية. و هو تحد للمال و " للفيتشية" المادية ، و ليس للإنسان كما يؤكد، بنزق، عدد من المعلقين الغربيين. و يبدو لي، على النقيض، إنها ثقة كبيرة بالإنسان تلك التي تقيم هذا السعي المؤسس على اليقين بأن البشرية يمكن لها أن تتغير و أن تتخلص من سلاسلها الإيديولوجية.

   إن تحويل العقليات يقوم على غرس الأفكار الثورية في الحياة الاجتماعية. و لا ينبغي الاعتقاد بأن هذه العملية تطابق الدراسة الكتبية لنظرية ماوتسي تونغ، كما يدفع إلى الظن به توزيع ملايين النسخ من كتاباته خلال الثورة الثقافية. فتسييس الجماهير قد حصل، بالتحديد، عن طريق نضال معقد جدا، حاد غالبا، و كانت دراسة مؤلفات ماوتسي تونغ تفهم على أنها ينبغي أن ترشد و توضح مشاكل التوعية الملموسة، التي طرحت خلال النضال.

  فلم  يكن المقصود إذن مشروع "وعظ" يقوم على التكرار الدائم لعدد من الموضوعات – ولو أن هذه السمة للأمر قد وجدت – فالأمر قام أيضا ، و خاصة ، على تعليم الثورة بصنعها.

  فاستلزم بالواقع أن تعبأ الجماهير لتنتقد كل ما لحقه تأثير التراث في المجتمع. و كانت تلك حال التربية و الأدب و الفن، وجوه الثورة الثقافية التي ذكرتها سابقا. و أن يستطيع الشعب انتقاد أجهزة السلطة، لأن العزلة بين الحاكمين و المحكومين، كانت مشكلة رئيسية. وهذا ما قاد إلى حركة نقد للكوادر مقصدها أن تجعل علاقتهم بالجماهير أكثر وثوقا. و هكذا شرع بإعادة بناء بنيات السلطة – في البداية على أساس مبادئ كومونة باريس، الصيغة التي تركت لصالح أخرى أكثر اكتمالا، صيغة اللجنة الثورية للاتحاد المثلث ، التي سأتحدث عنها في هذا الكتاب – بشكل يعطي الصينيين تحكما متزايدا بقضايا الدولة، و يشدد من الطابع الديمقراطي و الثوري للنظام. و كان ذلك يهدف إلى تكريس حق المحكومين بنقد الحاكمين، و إلى ضم ممثلين عن الأولين، معينين مباشرة منهم، في الأشكال الجديدة السلطة.

   إن مسعى مثيلا لثورة بحد ذاته. لأنه يصادف مقاومة، من أجل تخطيها، ينبغي جهد عنيف. و تصدر هذه المقاومة عن كل الذين توصلوا إلى انتزاع موقع ذي امتياز، و لو نسبي، باستنادهم إلى استمرار اللا مساواة. و تكون تلك المقاومة أشد قوة بمقدار ما يوجد بينهم مسؤولون هامون في الحزب و الإدارة. و عكسا لما قيل غالبا في الخارج، فإن هؤلاء لم يكونوا في الصين سوى أقلية ، لكن موقعهم كأن يتيح لهم أن يناوروا بفعالية بالغة. و كان بوسعهم، زيادة عن ذلك، استخدام الثقل النسبي لجهاز الحزب و استعمال ميول بيروقراطية و محافظة مختلفة.

   و كان يعقد إلى حد كبير من مشروع ماوتسي تونغ وجود المعارضين في قيادة الحزب الشيوعي نفسه و في مختلف فروع التنظيم الشيوعي. و قد ازدادت حدة هذه المشكلة بمقدار ما كان يصعب تمييز هذه المعارضة و مكافحتها، لأنها لم تعلن عن نفسها مواجهة، إذ كانت تتستر بالماركسية و حتى الماوية، و تستعيد الشعارات الرسمية. ولم يكن لتطهير من نمط كلاسيكي . "في القمة"، أن يشذب سوى أغصانها الأكثر ظهورا. كذلك كان يصعب إلى درجة كبيرة تحديد هذه المعارضة على مستوى الفروع المحلية و المراتب الوسطى من التسلسل، إذ كانت تفرعاتها المختلفة متسترة تماما، و صعبة الاكتشاف بتحقيقات إدارية. لذلك لجأ ماوتسي تونغ إلى أساليب في النضال من شأنها أن تجبرها على التخلي عن جزء من مواقعها، و على فقدان مراكز تفوقها. فحاول أن يحطم خطة الانتقاص...البطيء، لكن الفعال، للمؤسسات التي كانت أليفة لها ، لإجبارها على الانكشاف. و قد عمل ماو في هذا السبيل تبعا للمبادئ التالية:

   بما أن العزلة بين الحاكمين و المحكومين كانت بازديادها تهدد بانزلاق غير مرئي للسلطة إلى أيدي ممثلين عن البرجوازية الجديدة المنقطعة عن الشعب، نشأت عند ماوتسي تونغ فكرة دعوة الجماهير لتفحص سلوك الكوادر القيادية على كل المستويات. فكان على الجماهير أن تقوم بنفسها بالتمييز بين الذين كانوا دائما جديرين بثقتها و بين الذين يتصرفوا كسمندران(4) جدد و أن تفضح ما قد يكون من تعسف و فساد هؤلاء الأخيرين.

    و سيتيح موقف الكوادر من هذه الحركة الحكم على ميولهم العميقة. فيرى منه أولئك الذين يفقدون الصلة بالشعب ، فاستمروا يعتبرون أنفسهم خداما له و احتفظوا بأسلوب عمل ديمقراطي و نمط حياة بسيط. و لن تفلت المعارضة من أن تشهر، فترد على التشهير. و تظهر بذلك إلى وضح النهار.

 لقد اتسمت المراحل الأولى من الثورة الثقافية،في الواقع، بمحاولات شديدة لمنع الجماهير من التعبير عن انتقادها، عن طريق مختلف الضغوط ، لإبقائها على أكبر سلبية ممكنة. و تغيرت خطة المعارضة ، في فترة لاحقة ، بمقدار ما كانت الجماهير تدخل بكثافة أكثر فأكثر في حركة النقد. عند ذلك جهد المعارضون في إحداث انشقاقات و استغلالها، و في الخلط بين جبهات النضال و تحطيم تماسكه، بأساليب ملتوية متعددة. و هذا ما جرهم في نفس الوقت إلى المخاطرة و كشف عدائهم لسياسة ماوتسي تونغ، بوضوح أكبر ، و الذي استفاد من ذلك في عزلهم و تجريدهم تدريجيا من الجزء من السلطة الذي كانوا يمسكون به.

                                                                   ــــ 4 ــــ

  لقد امتنعت حتى الآن ، في وصف تكوين الثورة الثقافية، عن ذكر العوامل التي أثرت فيها. و يجدر الآن أن نتعرض بعدة كلمات لأهم تلك العوامل : الخلاف الصيني السوفياتي.

   بوسعنا أن نرجع بمصدر ذلك الصراع إلى عام 1956، العام الذي أدان فيه خروتشوف العهد الستاليني بعبارات عنيفة، في تقرير "سري" لكنه مشهور عالميا، و شق مجرى جديدا للسياسة السوفياتية.

   لم يقبل الحزب الشيوعي الصيني في أية مرة، التبرؤ من ستالين، و قد أظهر عن عدائه للموضوعات الخروتشفية. كل واحد يعلم أن الخلاف الصيني ــ السوفياتي، راح يشتد مارا من مشاكل بناء الاشتراكية إلى مشكلة السياسة الخارجية للبلدان الشيوعية، لينتهي عام 1962 إلى انفجار علني. و يجر منذ ذلك الحين إلى تدهور متزايد يطال ليس العلاقات بين الحزبين فقط، بل العلاقات بين الدولتين أيضا.

   و رغم أن ماو لم يلجأ أبدا إلى طرق ستالين، و أنه كان على الصين ، عهد ستالين، أن تعاني من أخطاء هذا الأخير ، فقد رأى ماو في " تصفية الستالنية"، الذي شرع بها خروتشوف، ظاهرة ضارة.

  إن قسما من الرأي العام الغربي ، القليل الاطلاع، يميل غالبا، إلى النظر بعطف إلى الخروتشفية، التي يعتبرها كمحاولة لجعل النظام السوفياتي أكثر ليبرالية. أما في الصين فهي تثير مشاعر و أحكاما مختلفة كليا. و أنه لضروري للغاية أن ندقق في هذا الأمر لتوضيح أسباب نشوب الثورة الثقافية.

  ينظر الشيوعيون الصينيون إلى الخروتشفية باعتبارها تخليا عن المشروع الثوري، يتعين بالرفض الصريح لمبدأ ديكتاتورية البروليتاريا و موضوعات أخرى هامة من الماركسية. و هذا ما أدى بنظر الماويين إلى تهديم الاقتصاد

الجماعي و كذلك إلى خيانة الأممية البروليتارية، عن طريق الدعوة إلى التعايش السلمي، و حتى التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية. هذا التنسيق الذي تسميه الصحافة البيكينية ب" الحلف المقدس الجديد"،الهادف إلى حفظ الوضع العالمي القائم و الحيلولة دون الثورات. لكن الخروتشفية بنظر الشيوعيين الصينيين هي أيضا، بل على الأخص،  قطع العلاقة الوثيقة الدقيقة التي يجب أن تربط الحزب الشيوعي بالجماهير الشعبية، و التزايد المطرد لسلطة فئة ذات امتيازات، من بين موظفي و كبار و رجالات النظام السوفياتي. فلا تعود سياسة القادة السوفياتيين الخارجية، المعتدلة المهادنة، سوى الاتجاه نحو " التبرجز" و الفساد الذي تبدى في سياستهم الداخلية.

  هذا التطور المخرب الذي اتبعه الاتحاد السوفياتي في السنوات الأخيرة، كان إنذارا بالخطر بالنسبة لماو. فالصين هي أيضا قد تقتفي الأثر، و النتيجة هي التضحية بالثورة العالمية.

  تلك الدلائل على "تبرجز" قسم من كوادر الحزب الشيوعي الصيني، ألا تنذر بإمكان ظاهرة شبيهة بالتحريفية السوفياتية؟ حقا، أ، الفارق بين أدنى الأجور و أعلاها، لم يكن شديدا ، يوما، في نظام ماو. غير أن هذا ليس سوى جانب من الأمور. فقد حصل ابتعاد ملموس عن الوضع الذي كان خلال الحرب ضد اليابان و حرب التحرير. في تلك الفترة، لم تكن الكوادر في الغالب يحصلون على أجور، فكانوا يكافؤون بالسلع الضرورية جدا. و كان نمط حياتهم في منتهى البساطة، و لا يختلف أبدا عن نمط حياة الجماهير الشعبية. ولم يكن لهم من الامتيازات سوى امتياز التنقل بكثرة ليناضلوا في كل مكان حيث كان ذلك ضروريا، في أشد الظروف قساوة.

   خلال سنتين أو ثلاث ، بعد تحرير الصين ، بقي وضع الكوادر مماثلا. ثم بدأ قسم منهم بزيادة مكاسبه المادية تدريجيا. و بالطبع لم يحصل في الصين التخصيص الوقح بالامتيازات لكبار الموظفين، كما حصل منذ عدد من السنوات في الاتحاد السوفياتي. " ولم يكن هناك محلات ذات ستائر بيضاء" (5). و كان الكوادر ينتقلون بواسطة الدراجة أو الأتوبيس، إلا عندما تقتضي مهمتهم. و يتناولون طعامهم في المطاعم نفسها مع العمال . و غالبا ما كانوا يرون في
أماكن العمل ، يلعبون بالكرة الطائرة و كرة المضرب مع العمال، خلال استراحتي الربع ساعة، في العاشرة أو الرابعة بعد الظهر من يوم العمل. رغم ذلك، هناك ما يبدو و هناك ما يخفى. فمنذ عام 1951 وضع نظام أجور للموظفين، تمم و عدل عامي 1955 و 1956 . وقد خلق هذا النظام عددا لا بأس به من الفئات المتميزة. إذ كان يقابل بعض الأقدمية و الاستحقاق تميز في الأجور و في المساكن أحيانا. و رغم معارضة ماوتسي تونغ أنشئت مدارس خاصة بأطفال بعض الموظفين من المراتب العليا . كل ذلك يمكن أن يبدو نسبيا قليل الأهمية. فلم ترفع المكاسب المادية، بالنسبة للأكثر استفادة منها، من مستوى حياتهم كثيرا فوق المستوى العادي للشغيلة. لكن الاتجاه نحو تطور هذه الفروقات كان موجودا. و بينما كان يقول ماوتسي تونغ أن الكوادر يجب أن يكونوا خدم الشعب، و أن لا يتمتعوا بأي امتياز، ألم يدع واحد مثل ليو شاوشي في أحد مؤلفاته إلى أن يؤمن الحزب "كل التسهيلات" التي تسمح لهم بالعمل و ممارسة نشاطهم؟

   في بعض مؤسسات النشر كان بعض الكوادر يحصلون على أجور خاصة لقاء ترجماتهم لمؤلفات أجنبية، يقومون بها كعمل إضافي. و كان بعض الصحافيين يضاعفون أجورهم عن طريق المبالغ التي يحصلون عليها لقاء مقالات يكتبونها للصحف . و في الأوساط  السينمائية كان بعض الفنانين يطلبون و يحصلون على مرتبات مرتفعة نسبيا، و في نفس الوقت على منازل خاصة مريحة جدا، ضرورية برأيهم لعملهم الخلاق. و في بعض المرات أجيب طلب بعضهم لشقق عازلة للصوت!...

إن كل ذلك لا يمكن مقارنته بالبذخ و الترف عند "البرجوازية" السوفياتية ، أو برجوازية البلدان الرأسمالية. لكن الطريق كان مفتوحا ، أمام البعض الذي كان يتحرق لقطعه بخطى واسعة ، مع كل النتائج التي يمكن أن تترتب عنه.

  يضاف إلى ظواهر الفروق الاجتماعية هذه، المحدودة لكن الملموسة، العوامل النفسية التي تصاحب تولي المسؤوليات. فكانت اعتبارات المرتبة و الدرجة تقترن غالبا بمفاهيم النفوذ : و أصبح البعض ، مع تولي المسؤولية مستبدا مغرورا، لا يعير أية أهمية لمرؤوسيه، متملقا لرؤسائه . و بدأت تنشأ تدريجيا ظروف تتيح ابتعادا أكبر للسلطة و من يتولاها عن الشعب و بذلك تصبح الطريق مفتوحة تماما إلى الخروتشوفية.

   بعد القطيعة الصينية ــ السوفياتية عام 1960 ، و سحب الخبراء السوفيات من الصين بأمر من خروتشوف، لم يكن بإمكان النظام الماوي انتظار المساعدة الخارجية ، فكان ينبغي عليه، منذ ذلك الحين، أن يناضل على جبهتين. من أجل ذلك كان يراهن ماوتسي تونغ على تعبئة الطاقة الهائلة على العمل لجماهير ضخمة من 800 مليون صيني. و هذا يستتبع ، في بلد في حالة ثورة لا تنقطع ، الإبقاء على غليان و حماسة نضاليين. على ذلك ، كان وجود عناصر بورجوازية  ــ جديدة داخل الحزب الشيوعي ، مهتمة بمكاسبها و امتيازاتها أكثر من اهتمامها بالثورة، عائقا أمام السياسة الماوية. و عند كل خطوة سيكون المشروع معرقلا من مسؤولين، يحبذون طرائق تقليدية، و قد أتعبتهم  الحماسة و الحملات الثورية الكبرى. لقد سبق و أن عانت " القفزة الكبرى إلى الأمام" عام 1958 من عدد من العوائق   البيروقراطية. و منذ ذلك الوقت لم يكف ماوتسي تونغ عن رؤية المعارضة لسياسته تغدو جسورة و متصلبة.

   و كانت إعادة الميليشيا الشعبية و السياسة العسكرية الجديدة عام 1958 مناسبة لخلاف مع وزير الدفاع بنغ ته ــ هيه ، الذي كان يدعو إلى بناء جيش في الصين من نمط كلاسيكي تقريبا ، يعطي الأولوية للتقنية و التسلح، و يتخلص من آثار زمن حرب العصابات. غير أن ذلك يستدعي  مساعدة كثيفة من الاتحاد السوفياتي ، و بالتالي تفاهما مع خروتشوف.  و هذا ما لا يريده ماو. و قد وجت هذه القضية نهايتها عام 1955 في لوشان، خلال اجتماع اللجنة المركزية. حيث أقيل بنغ ته ـ  هيه ، و أبدل بلين بياو. ( لهذا الحدث علاقة بإعلان الثورة الثقافية، كما سنرى).

  رغم ذلك ، لم تفقد المعارضة أسلحتها. فقد أتاحت تقلبات " القفزة الكبرى إلى الأمام"  و السنوات اللاحقة، التي زاد من صعوبتها الكوارث الطبيعية و سحب الخبراء السوفيات، أتاحت الفرصة أمام عدد من قادة الحزب لاعادة وضع السياسة المتبعة من ماوتسي تونغ، حتى ذلك الحين موضع الشك. ( فكان موضع اتهام الذاتية و الاستعجال المبالغ) . و قيل عن ديماغوجية و" حكاك ثوري". و شبهت الكومونات الشعبية بأخويات فورييه. و قيل عن عودة الاشتراكية الطوباوية. تميزت في هذه الجوقة ثلاثة أصوات: صوت رئيس الجمهورية ليو شاوشي،  و صوت الأمين العام للجنة المركزية تنغ هزياوــ بنغ. و صوت محافظ بيكين بنغ شينغ.

   في عام 1962، رأى بنغ تيه ــ هيه أن الوقت ملائم لطلب إعادة اعتباره . و نشرت مؤلفات أدبية تحمل نقدا مبطنا للحزب. و عمل ليو شاوشي ، من جهته، على إعادة طبع كتابه المسمى: " كي تكون شيوعيا جيدا" ، لم يقتصد فيه  في التهجم على "يساريين" لم يذكرهم، و طالب ب"السلام" داخل الحزب. كما تضمن تلميحات تستهدف ماوتسي تونغ، يقال عنها الآن في الصين أنها كانت تريد إعداد الرأي العام لعملية سياسية شبيهة بالتي قام بها خروتشوف ضد ستالين. أما المسؤول عن التربية ، لو تنغ ــ يي ، فقد انتقد بشدة ، من جهته ، عددا من الإجراءات التي تمت بمبادرة من ماو، خلال " القفزة الكبرى"، و بالتحديد إنشاء مدارس العمل ــ الدراسة. و قد جهد لو تنغ ـ يي، الذي غالبا ما دعا في السابق إلى تقليد التربية السوفياتية، جهد منذ عام 1960 في التضييق من مجال العمل اليدوي و السياسة في البرامج المدرسية. و بمبادرة منه أعيد إدخال مبادئ تحسين الخط الكلاسيكي في التعليم الابتدائي.

      هل كان ماو قد فقد السلطة حينذاك؟ كما يزعم أحيانا في الخارج و بصورة مبالغ بها. إن ذلك بعيد الاحتمال كثيرا. لأن خط الحزب الشيوعي الصيني، الداخلي و الخارجي لم يتغير طيلة هذه الفترة. و نعلم اليوم ، بالإضافة إلى ذلك، انه في الدورة العاشرة العامة للجنة المركزية المنعقدة في أيلول 1962، نجح ماو بإدانة اتجاه منتقديه ، على أنه انحراف يميني.

    رغم أن ذلك لم يتم إبعاد هؤلاء و لا التقليل من صلاحيتهم، لأسباب ما تزال صعبة التمييز. و تابع ماو الحكم ، مع معارضة  كانت قد برهنت على قوتها و صلابتها.

    و كان لماو  أن تقدر تصلب المعارضة و ظواهر الخلافات التي تكاثرت، لم تكن بريئة من الهجوم  العلني الذي قام به خروتشوف ضد نظامه، في نهاية عام 1961.  و من المحتمل أنه كان يرى إلى جانبه في قيادة الحزب ظل التحريفية الخروتشوفية المقيت. حتى ذلك الوقت  أتاح له نفوذه و درايته أن يخنق ذلك التيار . لكن ، بعد موته ، أيكون بالمستطاع منع خروتشوف جديد من أن يصنع في الصين، ما عمله خروتشوف في الاتحاد السوفياتي؟

  و لن يطول رد ماو . فسيقوم منذ عام 1963 بإطلاق حركة التربية الاشتراكية، المحاولة التي تؤذن بالثورة الثقافية ، و القائمة جزئيا على مبادئ مشابهة . تلك الحركة كانت ترمي إلى مكافحة تأثير التراث و الفردية، لقطع المجال أمام إفسادهما للنظام الثوري. ذلك الفساد الذي يسمى التحريفية.

  و كان عدد من المؤشرات قد غدا منذرا بالخطر. فخلال السنوات التي سبقت، من عام 1959 حتى 1962 ، ظهر عدد من الانحرافات : كشف من عدد من محاولات التلاعب بالأموال في الإدارة، و كذلك عن عودة لاستغلال من نمط رأسمالي في الأرياف، كان يشجعه عدد من قادة الحزب.

   في عام  1964 ، نظمت معارض في عدد كبير من المناطق الريفية، بعضها من أجل التشهير بحالات ظلم أو نهب، و الآخر لحكاية قصة الحياة في المجتمع القديم بطريقة تساعد على تربية الشباب . و تذكرهم بخطر العودة إلى تلك الأحوال ، إذا لم تلغ الممارسات المذكورة. و كان المثقفون و الكوادر يرسلون على التوالي إلى الريف حسب خطة مسبقة. كان الهدف ثلاثيا : ينبغي أن يعدوا التقارير عن ظروف الحياة الريفية، و أن يعدوا أنفسهم بنفس الوقت، عبر احتكاك بالوقائع الملموسة، و أن تساعد ممارسة العمل اليدوي، كعنصر تربوي ، على جعلهم بروليتاريين بالمعنى السياسي و الأخلاقي للكلمة.

  و في المدن، أتمت صحف الحزب نشر عدد كبير من المقالات ، ذات طابع نظري. و شدد مرارا على أن أية محاولة ثورة أو ثورة مضادة سيكون انطلاقها من الحقل الأدبي و الفني. و في هذا السبيل، أقيمت سلسلة كاملة من البراهين على الطابع الطبقي للثقافة، و على أولوية المقاييس السياسية على المقاييس الأدبية. و في هذه الفترة، تم تحويل أوبرا بكين، فأصبح هذا الشكل الفني واسطة للموضوعات الثورية المعاصرة. و كانت قد أعدت ، في الفترة السابقة، مؤلفات مثل " الهجوم على كتيبة النمر الأبيض" التي تحكي حادثة الحرب الكورية، و باليه تسمى: " الفرقة النسائية الحمراء" و هي تمثل حادثة من الحرب الأهلية في جزيرة هاينان.

  في عام 1964، مثلت مشاهد من المجتمع القديم بنصوب من الفخار بالحجم الطبيعي. فكانت بذلك  تبعث من جديد ، أمام الأجيال الجديدة ، ذكريات الماضي المريرة. و كان أحد هذه المعارض يسمى : "ساحة الكراء" حيث يشاهد فيها فلاحون يكرهون على تسليم جزء من محصولهم لمالك الأرض، الذي ينزل بهم كل أنواع القساوات و المذلات. و قد لقيت هذه المعارض دعاية كبيرة. و أقيمت معارض متنقلة لصور و أفلام عن تلك المشاهد، فشكلت عنصرا هاما للتربية الإيديولوجية، ومثلا على الفن في خدمة الشعب.

 و يبدو أن حركة التربية الاشتراكية كانت جزءا من خطة تغيير تهدف ، بالدرجة الأولى إلى توطيد أسس الاشتراكية في الريف (6)، و هذا ما كانت ترمي إليه حركة "التطهيرات الأربعة"، التي كانت من ضمنها، في الميادين السياسية و الإيديولوجية و الثقافية و الاقتصادية، و التي جرت بشكل أساسي في المناطق الزراعية. وكان المقصود مجابهة التطور النسبي للحوافز المادية، و الاختلاس و السوق السوداء و المحسوبية و العصبية، بقدر ما كانت تضاعف الاتجاه حتما نحو ظهور فلاحين أغنياء أو شبه أغنياء، من جديد. و قد أشير إلى حوادث استبداد و لا أخلاقية عند عدد من القادة. و حصلت حالات تعسف بيروقراطي. و كان تسلسل السلطة يعبر عن واقع أن السلطة قد بدأت تفلت من أيدي الشعب. و درج بعض الكوادر في عدد من الكومونات على تحديد أجورهم بما يساوي المعدل الوسطي لأرفع أجور ثلاثة فلاحين.

  على ذلك ، عمد إلى إحياء المنظمات الجماهيرية، كجمعية الفلاحين الفقراء و المنظمات النسائية. و في تقرير أمام الجمعية الوطنية الشعبية، في الأول من كانون الثاني عام 1970، قال شو آن لاي أن النقطة الجوهرية من اجل المضي بحركة التربية الاشتراكية  هي تعبئة الجماهير. فقد كان على الشعب ، من أدنى إلى أعلى ، أن يتفحص سلوك الكوادر و يشهر بحوادث التعسف المحتملة. وشكلت فرق من كوادر حزبية و عسكرية لتذهب إلى الكومونات  و تحقق في الإدارة الاقتصادية و تعدلها. فكانت هذه الفرق تقوم بجمع الناس، فيعرضون شكواهم، و تحسم الخلافات المعلقة، و تقيل عند الحاجة بعض الكوادر الفاسدة أو ذات الحماس الثوري الناقص. و قد شجع على قيام حركة واسعة لدارسة مؤلفات ماوتسي تونغ ، على صلة بممارسة هذا الصراع الطبقي، بشكل يؤمن تربية حية ومتكاملة.

   و شجع كذلك على "الخلقية"التي امتحنتها السنوات الصعبة في بعض الأمكنة، و على نقد بعض أوجه التكيف الثقافي للمجتمع، ذات الأصل الإقطاعي. و قد ذكرت "يومية الشعب" لعبة " ورق" منتشرة بين الفلاحين الشباب، و هي نموذجية في هذا الصدد : تسمى هذه اللعبة ب"السيد" و من ينتهي أولا يسمى سيدا و الذي يليه فلاحا غنيا و الأخير هو الفلاح الفقير، الذي عليه أن يدفع ضريبة لهما.

  و خلال حركة التربية الاشتراكية، تضاعفت محاكمة الخزعبلات و في عام 1964 تم منع بيع الأدوات المخصصة لممارستها.

   و بدأت الحركة عام 1964 بالامتداد إلى المدن. و كتبت مقالات نقدية عديدة في الأدب و الفن. فانتقد عدد من الشعراء مثل توفو و تشيو هوو ــ شنغ، كما نشرت كتابات كثيرة تعالج مسائل السينما و الأدب في بداية القرن العشرين. و ضوعفت في الجامعات و المدارس الساعات المخصصة للنقاشات الإيديولوجية و النضال ضد التحريفية.

 و أرسلت إلى المصانع فرق مراقبة و تحقق. و ترك عدد من سكان المدن  مدنهم ليعملوا في الريف و يشاركوا في حركة " التصحيحات الأربعة"، خلال فترات تبلغ السنة أحيانا . و أرسل ما يقارب أربع أسداس عناصر بعض الوحدات في الريف. و قد شارك في هذه النشاطات ما يقارب الخمسة ملايين شخص.

   ليس مدهشا أن نشير إلى أن هذه الحملة الواسعة لم تجر دون معارضة من أخصام ماو.

   إن المعلومات عن نضالات هذه الفترة غامضة. و بالنسبة للسطور التي تلي، فقد كان مرجعي نصوصا نشرتها مجموعات ثورية خلال الثورة الثقافية. هذه النصوص ، بالإضافة إلى أنه غير رسمية فلا تلزم إلا المجموعات التي كتبتها، تشوبها العمومية. و رغم هذه التحفظات فإنها تحمل معلومات هامة. و يبدو على الأخص، أنها تبين أن الخلافات التي ظهرت خلال حركة التربية الاشتراكية كانت طليعة تلك التي عرفتها الثورة الثقافية فيما بعد.

    في أيار 1963 كتب ماوتسي تونغ وثيقة من عشرة نقاط مخصصة لتوجيه مسيرة حركة التربية الاشتراكية. و قد أشار فيها إلى أن المسألة هي صراع طبقي من جهة، و أنها تستهدف من جهة أخرى عددا من المسؤولين السائرين لا في طريق الاشتراكية، بل في طريق العودة إلى الرأسمالية. و كانت التعبئة الجماهيرية بقيادة عناصر الحزب الثورية ، ضرورية برأيه، لفضح المسؤولين المعنيين. و هكذا، إن الجماهير، تبعا لمفهومه الذي سوف نراه مفصلا خلال الثورة الثقافية، تتربى بمجابهتها المشاكل الملموسة و بانغماسها في ممارسة النضال الطبقي، و بنفس الوقت تطهر منظمات الحزب و تعمق خصائص النظام الثورية. و الوصول إلى هذا الهدف، باللجوء إلى تعبئة الجماهير الشعبية و تفضيله على إجراءات إدارية تتخذها قيادة الحزب، هو من مميزات تفكير ماوتسي تونغ، و هو الذي سيتحكم أيضا بإعلان الثورة الثقافية.

 و لم يتوان المسؤولون الرئيسيون عن الرد، حسب النصوص التي أشرت إليها، و شرع ممثلهم الرئيسي ليو شاوشي بنفسه بقيادة الحركة في منطقة تاويان. وكان ينبغي جريا على عادة دارجة في الصين، أن يقوم بتجربة ، يأخذ بعد ذلك بمدها إلى مناطق أخرى. و كانت خطته أن لا يجابه وجها لوجه حركة التربية الاشتراكية، بل أن يؤثر على قيادتها حيثما يستطيع، لتحويلها عن مراميها. و سنشهد تجدد حالات مشابهة طيلة الثورة  الثقافية. و يبدو من المقالات التي اعتمدتها أن مجموعات العمل التي نشطت في تاويان كانت بقيادة زوجة ليو شاوشي: وانغ كوانغ مي. و قد سارت في اتجاه لا يتفق مع اللنقاط العشرة التي حددها ماوتسي تونغ، و يكشف بالواقع عن أهداف تتعارض معها. و قد تجنبت " مجموعة العمل" تحريك فلاحي الكمونة لمنعهم من المشاركة في النقاشات و التحقيقات. فتمت هذه ضمن أبواب مقفلة و بشكل شبه سري. و كانت كوانغ ـ مي  نفسها ، تقيم متخفية في المنطقة، توجه النضال ضد مجموعة كبيرة من كوادر الحزب في مراتب وسطية و دنيا. فهوجم العديد منهم و تمت إقالتهم. و بذلك طمست المرامي الحقيقية.  و امتد هذا الأمر إلى مناطق أخرى، ما إن بدا يعرف نتيجة تجربة تاويان. كان على ماوتسي تونغ أن يتدخل، فكتب وثيقة ثانية من ثلاثة و عشرين بندا، شدد فيها من جديد على الطبيعة الطبقية للنضال الجاري، و دعا الفلاحين للتعبئة، و حدد أن أقلية من الكوادر سائرة في الطريق الرأسمالي، هي التي ينبغي استهدافها. و وصفت طريقة ليو شاوشي و أدينت باعتبارها" يسارا في الظاهر و يمينا في الواقع".

   تظهر مقالات الحرس الأحمر و المجموعات الثوري ة، كمسألة محسومة بوضوح، التعارض بين خطين متجسدين في أكبر قائدين للحزب، وجود تناقض جذري بين أسلوبيهما. و يمكن لنا، دون شك، أن نقدر أن ليو شاوشي قد استعمل نفوذه، مواجهة تارة و مداورة تارة أخرى، للحد من سياسة ماوتسي تونغ.  وبذلك يبدو معقولا أن الخلاف في نهاية 1965، عشية الثورة الثقافية ، بين القائدين الصينيين كان قد بلغ مرحلة الحرب الجنينية ، بعد أن كان كامنا خلال سنوات عديدة.

    في ذهنية ماوتسي تونغ، لم يكن مستقبل النظام مضمونا. و اليقظة إزاء الأعداء الخارجيين لم تكن تكفي، فالأمر كله يتعلق بالاتجاه الذي سوف تتخذه قيادة الحزب، في المستقبل.

  كان الصراع بين ماوتسي تونغ و بين أخصامه يتبلور و يتجلى في هجومات و هجومات مضادة متكررة. و أصبح منذ ذلك الحين، لا مناص من مجابهة حاسمة.

 و يرفع الستار عن الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى   .

 

 

إحالات صاحب الكتاب :

 1 ــ مجتمع لا مساواة لا يعني بالضرورة مجتمع امتيازات. فإذا طبق بحزم مبدأ: لكل حسب عمله، سيكون هناك فروقات ناشئة عن تنوع المقدرات و الحاجات، و ليس امتيازات. و تبقى الفروقات الاجتماعية ضعيفة حتما في مثل هذه الحالة. إن هذا التحديد لا غنى عنه لفهم التحليل أعلاه.

 2 ــ  يؤكد ذلك تروتسكي نفسه في " الثورة المغدورة"، الكتاب الذي يمثل تفكيره جيدا، كما تبين هذه الاستشهادات :

 " يفرض أن تتبدى أيضا الاتجاهات البيروقراطية، و التي تخنق الحركة العمالية، في كل مكان بعد الثورة  البروليتارية.           

لكنه واضح تماما أنه كلما كان المجتمع الناشئ عن الثورة فقيرا، كان على هذا "القانون"  أن يتجلى بقسوة أكثر، ودون مواربة، و كان على البيروقراطية أن ترتدي أشكالا وحشية و ان تكون لأكثر خطرا على تطور الاشتراكية".

 " إن قاعدة السلطة البيروقراطية هي الفقر في أدوات الاستهلاك و صراع كل ما ينتج عنه".

  " إن معنى ال" ترميدور" السوفياتي بدأ يتحدد أمامنا ، ففقر الجماهير و جهلها يتجسدان من جديد بأشكال منذرة لقائد مسلح بعصا ضاربة".

3 ــ مقابلة نشرت في الملحق الأدبي لصحيفة الفيغارو تحت عنوان " لقائي مع ماو" و قد ألحقت بمؤلف أندره مالرو المعنون " المذكرات المضادة" ( باريس ــ غاليمار1967) . و قد وزع نص هذه المقالة في الصين، بشكل غير رسمي، مجموعات ثورية، عام 1967.

4 ــ mandarins : لقب يطلق على القادة المدنيين و العسكريين في الصين القديمة.

5 ــ في أوروبا الشرقية ، تسمى " محلات ذات ستائر بيضاء" المحلات التجاري ة المخصصة فقط لكبار الموظفين و لعائلاتهم، حيث يمكن التزود بسلع أجود، غالبا ما يكون مصدرها الخارج، و لا يمكن العثور عليها في السوق العادية.

6 ــ  و قد حددت الثورة الثقافية التي تبعتها ، معالجة المسائل المطروحة في المدن كهدف لها ( أنظر الملاحق : إعلان البنود الستة عشر، البند 13 الفقرة الأولى) .