تعقيم الروح بالفنون         بقلم / توفيق أبو شومر
قال لي أحدهم غاضبا :
 أسكن بجوار أحد الدجّالين ممن يدعون السحر وإشفاء المرضى من أمراضهم، وأنوي أن أبيع بيتي وأرتحل إلى مكانٍ آخر، فنحن لا نحظى في بيتنا بفترة راحة قصيرة، كثيرون يتهافتون على بيته، في الصباح وفي المساء ليعالجهم من أمراضهم الجسمية والنفسية  وبخاصة بعد الغزو الإسرائيلي الأخير، وهذا جعلني أتساءل :
تُرى ما صفاتُ المجتمعات التي يكثر فيها الدجَّالون؟ وعلامَ يدلُّ انتشار الدجل والشعوذة في مجتمع من المجتمعات؟
إن المجتمعات تُصاب بالأمراض، كما يُصاب البشر تماما، وأمراض المجتمعات، تتراوح بين أمراض طفيفة، تشفى بجرعات من الدواء،  وأخرى خطيرة،لا تشفى بوصفات الأطباء وأدويتهم ،بل  تُدخل الأوطان، في غرف العناية المركزة، ولعل أخطر أمراض المجتمعات وأشدها فتكا مرض الدجل والشعوذة الناتج عن نقص الجرعة الثقافية في الأوطان، فتصاب الأوطان بهشاشة العظام، وبمرض نقص المناعة ، وتتحول أبدانُ سكان الأوطان المصابة من عضلاتٍ تبني وتعمر إلى هياكل تتكاثر فيها الجرائيم والفيروسات، مما يحولها بعدئذٍ إلى عالات تتغذى على الدورة الدموية لبقية العاملين المخلصين في الوطن.
وفي ظلَّ الحالة التي يمرُّ بها المجتمعُ الفلسطيني، والتي يعرف تفاصيلَها كلُّ سكان المعمورة، فإن المجتمع الفلسطيني عرضةٌ للإصابة بأمراض عديدة منها مرض الشعوذة الخطير.
 ومن الأمثلة التي أعرفها:
 لجوء رجلٍ معروف بسعة أفقه وعقله إلى رجلٍ أُميٍّ  يدّعى أن قادرٌ في مجال الطب الجسدي والنفسي أيضا، بعد أن أقنعه صديقه المحسوب على الصفوة بقدرات هذا الرجل على إشفاء الأمراض وإعطاء وصفات طبية أفضل من الأطباء المختصين الحاذقين.
ومن الأمثلة أيضا صورة أخرى لفتاة حصلت على شهادة البكالوريوس منذ سنوات ولم يتقدم لها عريس، أي عريس، بعد أن تجاوزتْ سن الخامسة والعشرين، وهو الخط الأحمر لمنسوب سن الزواج في وطننا، ومنسوب السن هذا ينطبق فقط على الفتيات، أما الرجال، فلا خطوط حمراء على سنوات أعمارهم لأنهم رجال !
هذه الفتاة لجأت بعد يأسها إلى عجوزٍ أُميّة صنعت لها حجابا وأقنعتها بأن هذا الحجاب سيجعل الشبان يصطفون أمام باب بيتها زرافاتٍ ووحدانا !!
أما عن النتائج ، فإن الرجل الأول قد ابتلع أخلاطا من أدوية المشعوذ، مما جعله يضيف إلى مرضه القديم مرضا ثانيا جديدا ناتجا عن وصفات المشعوذ.
وأما الفتاة فقد ظفرتْ بعريسٍ ، أرغمها أهلها وذووها أن تقترن به، وأن تصبح الزوجة الثالثة ،في بيت عريسها الذي يبلغ عمره أكثر من ضعف عمرها، بحجة الستر، ستر عرض ( الولايا) جمع (وليه) وهي المرأة !
كثيرون قد لا يعتبرون هذه الأقاصيص ظواهر خطيرة ، فهي موجودة في كل مكان !!
 غير أنني أرى بأنها أعراضٌ لمرضٍ اجتماعي وثقافي خطير ، فالنموذجان السابقان وغيرهما من النماذج تؤشر على خلل في البنية الثقافية الفلسطينية الناتجة عن كثرة مصائبنا وكوارثنا  وعدم متابعتنا الأمراض المجتمعية متابعة إحصائية، لأن بعضهم يرون بأنها تكشف عوراتنا، وتجعلنا هزؤا بين العالمين، وآخرون يظنون بأن الزمن والدعم الخارجي وإيفاء الدول بالتزاماتها نحونا !! كفيلٌ بإشفائنا من أمراضنا، وجماعة ثالثةٌ  يرون بأن إحصاء أمراض المجتمع وتشخيصها بجرأة يعدّ إساءة إلى تاريخنا النضالي الطويل ويعتبرون إحصاء الأمراض المجتمعية في فلسطين عملا يدخل في إطار الجوسسة والعمالة لأعداء الوطن!
ما نزال نرقص في تقاليدنا القديمة، على وقع موسيقانا التقليدية، وهي الموسيقى السياسية، موسيقى الأحزاب والتنظيمات، التي حولت الجمهور الفلسطيني إلى جماعات  وفرق وطوائف وقبائل وفصائل، لا تتنافس لإنعاش الوطن ورفعته، بل تتصارع على تمزيق بقاياه، والأبشع أن بعض الأحزاب لا تعتبر ظاهرة الشعوذة،مرضا خطيرا، بل إنها تعتبره ناتجا مربحا لها لتكثير جماهيرها وأتباعها !
فما نزال مقصرين في علاج أمراضنا المجتمعية بالطريقة التي أثبتتْ التجاربُ بأنها هي الطريقة المثلى، ألا وهى النظام التربوي والتعليمي، فما يزال التلقين هو التعليم المفضل، وما تزال المدارسُ روضاتٍ هدفها إبعاد الأبناء ساعات عن الآباء كي يرتاحوا، وما تزال المعاهد والجامعات دفيئات لتفريخ الموظفين والموظفات، في بلدٍ يخلو من الوظائف .
وما تزالُ أعداد المثقفين في وطننا في تناقصٍ مستمر،ومن بقي منهم  يعيش حالة رعبٍ وخوف تمنعه من آداء دوره في تثقيف أبناء مجتمعه.
وما نزال نخشى أن ننشر غسيلنا، حتى لا نرى عيوبنا وأقذاءنا.
 فما نزال نخاف أن ننشر عدد حالات الطلاق في المجتمع الفلسطيني ونسبة حالات الطلاق بالمقارنة مع السنوات الفائتة ، وما نزال نخاف أن نُدخل أبناءنا اختبارات المستوى العالمي ، حتى لا نصاب بالإحباط، وما نزال نخشى أن نتعرض لجرائم الجنس والسفاح، وما نزال نرى بأن العيب كل العيب أن نُحصي حالات العنوسة ، حتى لا نُسيء إلى وطنيتنا وانتمائنا، وما زلنا نخشى أن نحصي أعداد الراغبين في الهجرة من بلدهم  !
كتبتُ كثيرا عن الواجبات الملقاة على عاتق الجامعات والمعاهد، في متابعتها لتلك الحالات، وعن الجمعيات التي يمكنها أن تتابع أمراضنا وترصدها .
أما عن بعض وصفات العلاج لكثير من أمراضنا فإنها تكمن في إعادة إحياء روح العمل التطوعي  أي في الاستفادة من الطاقات المخزونة عند الفلسطينيين ، وهي بالمناسبة طاقاتٌ خلاّقة، لندحض المؤامرة الواقعة علينا، والتي تهدف إلى جعلنا مجتمعا مُعوَّقا، يعيش على الإحسان والصدقات، وينتظر الهبات والمنح والكوبونات والمخصصات التموينية والحياتية، فلم أعد أرى شبابا متطوعين يقومون بتنظيف الشوارع مثلا ، أو أن أرى الأطفال يغرسون الفسائل والأشتال.
كما أن المجتمعات التي لا تُقدر الفنون، ولا تحترمها تكون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الخطيرة الفتّاكة،وهناك عددا كبيرا من الفلسطينيين يعتبرون الفنون بكل أشكالها فسقا وفجورا وخروجا عن الدين والعادات والتقاليد، فيحظرون على أبنائهم أن يتعلموها، أو يمارسوها  !
 وهذا أيضا يجعلني أعتقد بأن الشُّح في مجالات الفنون، بل ندرتها في المجتمع الفلسطيني، تجعل المجتمع هدفا سهلا للأمراض النفسية الخطيرة، ومعروفٌ بأن( الترويح) عن النفوس بالفنون هو العلاج الوحيد المُجرَّب الذي أنقذ شعوبا كثيرا من الاندثار.كما أن الفنون تقوم بتعقيم النفوس مما علق بها من أدرانٍ وأمراض وعقدٍ وتُضفي على الأوطان روح الحياة وبشائر المستقبل . 
 8/4/2009