الجزء الأول من كتاب - من هم المدافعون الجدد عن الماركسية وكيف يهاجمونها؟- نقد لعبد الله الحريف الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي


adil_mlm@yahoo.fr
خالد  صقر


يحدث الآن لتعاليم ماركس ما حدث أكثر من مرة في التاريخ لتعاليم المفكرين الثوريين وزعماء الطبقات المظلومة في نضالهم من أجل التحرر. ففي حياة الثوريين العظام كانت الطبقات الظالمة تجزيهم بالملاحقات الدائمة وتتلقى تعاليمهم بغيظ وحشي أبعد الوحشية وحقد جنوني وبحملات من الكذب والافتراء وقحة أبعد القحة. وبع وفاتهم تقوم بمحاولات لجعلهم أيقونات لا يرجى منها نفع أو ضرر لوضعهم، إن أمكن القول، ضمن قالب القانون، لإحاطة أسمائهم بهالة من التبجيل بقصد «تعزية» الطبقات المظلومة وتظليلها، مبتذلة التعاليم الثورية باجتثاث مضمونها الثوري وفي أمر «تشذيب» الماركسية على هذا النحو تلتقي البرجوازية الآن والانتهازية داخل صفوف العمال... حيال هذا الوضع، حيال انتشار تشويه الماركسية انتشارا منقطع النظير، يتلخص واجبنا قبل كل شيء في بعث تعاليم ماركس  للحقيقة .                       1

إن بعث تعاليم ماركس الحقيقية من جديد و إعادة نشر الماركسية كنظرية ثورية يستلزم طرح مهام عديدة على الجبهة الايديولوجية لدى الشيوعيين، والحال أن تجسيد هذه المهام لا يمكن أن يستقيم إلا بالدفاع المستميت عن أسس الماركسية وصد كل الهجمات التي تتعرض لها الماركسية سواء تلك التي تنطلق من المواقع الخارجية أو تلك التي تنطلق من المواقع الداخلية أي من القول بالماركسية من اجل النيل منها وتغيير مضامينها وأهدافها. ومادامت هذه الأخيرة أي "الداخلية" تشكل خطرا أكبر بكثير من كل الهجمات الأخرى كان  ضروري    الوقوف  عليها     عليها وكشف تناقضاتها وأهدافها المعلنة وغير المعلنة                          .

إن هذا العمل الذي بين يدي القارئ يندرج أساسا في هذا الاتجاه بالتحديد وقد ارتأينا فيه الوقوف على هجمات الاتجاهات التصفوية و التحريفية وخصوصا أو لنقل وأساسا الهجمة المنظمة التي يشنها تيار النهج الديمقراطي، مقتصرين على مقالة لكاتبه الوطني "دفاعا عن الجوهر الحي للماركسية" وهذا لن يمنعنا من استحضار بين الفينة والأخرى لبعض التيارات الأخرى التي لازالت تتلفظ بالماركسية، كما تجدر الإشارة إلى أننا قد استثنينا تيارا واحدا هو تيار اليسار الاشتراكي الموحد على اعتبار أن هجماته القذرة أصبحت تنطلق من خارج مواقع الماركسية كلـــيا ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى كتاب أحمد حررني على سبيل المثال( سيرة ماركس السياسية من الكمونة إلى الجماعة) للتأكد من ذلك أما القول بضرورة ا استحضار التيارات الأخرى داخل اليسار الاشتراكي الموحد فيمكن الجزم على أنه عندما ينتج هذا «الاشتراكي» المدافع الجديد عن الملكية بهذا الشكل ويأخذ منصبا قياديا داخل الحزب ودون أن يصدر أي موقف ضد ما قاله في كتابه، يمكن أن نفهم مغزى وخلفيات كل الذين يتشدقون بعدم إغفال تواجد التيارات داخل اليسار الاشتراكي الموحد لان هذا الواقع يؤكد أي إطار تتواجد داخله هذه التيارات وبالتالي أي تيارات هي تلك ربيع عندما يدافع  الكاتب  الوطني للنهجعندما
يدافع الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي عن الجوهر الحي للماركسية                             .
***************************************************

مداخل الهجوم على الماركسية                .          
حجج قديمة و آليات بالية                                           .
***************************
« دفاعا عن الجوهر الحي للماركسية» عبد الله الحريف
مقال مرفق ضمن كتاب "الاشتراكية أي مستقبل؟" و المقال عبارة عن رؤية الكاتب للماركسية ولأزمتها ومحاولة لشرح الشروط التي أنتجتها وتحديد سبل تجاوزها.يتكون المقال من 5 أقسام                                            :
القسم الأول يضم تقديما يبرز فيه الكاتب بعض مداخل الهجوم الحالي الذي تتعرض له الماركسية أما القسم الثاني فتحت عنوان «إن نظرية ماركس ليست كاملة ولا مقدسة" يؤكد فيه الكاتب أن الماركسية لا تقدم قوانين صالحة لكل زمان ومكان. أما القسم الثالث فهو معنون ب « الماركسية نقد علمي ونظري للرأسمالية» حاول خلاله الكاتب أن يبسط فيه فهمه للماركسية وأهم الإشكالات التي تواجهها راهنا. أما القسم الرابع فتحت عنوان « الماركسية تنطلق من مواقع البروليتاريا ومعالجتها الآنية والاستراتيجية، وفي هذا القسم يقدم الكاتب « مستجدات» التطور الرأسمالي التي يجب على الماركسية فهمها وتجاوزها. أما القسم الخامس ولأخير فهو يحمل عنوان: « الماركسية ترتكز على الجدل المادي» الجدل المادي أساس الماركسية»، وفي هذا القسم يبرز الكاتب فهمه للجدل المادي ويقدم خلاصة لمقاله                                           .
قد يتبادر إلى ذهن القرى من خلال عنوان المقال وعناوين أقسامه أنه بالفعل دفاع عن الماركسية، ومحاولة للمساهمة في إخراجها من الأزمة التي تعاني منها، لمن في الحقيقة لا يعدوا المقال أن يكون شكلا أو تعبيرا عن تلك الأزمة بالذات وهو ما سنحاول بسطه أمام القارئ                                                         .
وسوف نبدأ من القسم المعنون بـ"إن نظرية ماركس ليست كاملة ولا مقدسة" أما عن مضمون هذا القسم الذي لا ينفصل عن مضمون المقال ككل فيمكن للقارئ أن يستشفه من خلال العنوان، فهو محاولة أخرى لفتح المجال و شرعنة « حرية النقد على الطريقة المغربية» حرية نقد الماركسية بالتحديد. وإذا كان هذا الخطاب قديم ويرجع أساسا إلى بداية القرن 20 وبالتحديد انطلاقا من حملة برنشتاين على الماركسية فان الكاتب حاول أن يجدد في أسلوب وشكل هذا الهجوم.لكنه في اعتقادنا لم ينجح في مهمته هاته وسوف نوضح إلى أي مدى كان فشله دريعا حتى في هذا المجال أيضا.
يستشهد عبد الله الحريف بإحدى المقولات اللينينية التي لا زالت تحظى بأهميتها القصوى، خصوصا في الوضع الراهن الذي تعيشه الماركسية ببلادنا بما هو وضع التذبذب الإيديولوجي والبلبلة الفكرية. فالفقرة التي أوردها الكاتب، أو للدقة انتقاها هي من مقالة برنامجنا الذي كتبه لينين في النصف الثاني من سنة 1899، حيث كتب يقول آنذاك: « إننا لا نعتبر نظرية ماركس كشيء كامل
Achève ومقدس، بل على العكس نحن مقتنعون أن ماركس قد وضع فقط أحجار الزاوية للعلم الذي الاشتراكيين أن يطوروه في كل الاتجاهات حتى لا يتأخروا عن تطور الحياة. إننا نعتقد أن الاشتراكيين الروس يجب بكل تأكيد أن يطوروا بأنفسهم نظرية ماركس لان هذه الأخيرة لا تدل إلا على مبادئ موجهة عامة تنطبق بشكل مختلف في كل حالة خاصة، في إنجلترا بشكل مختلف عن فرنسا وفي فرنسا بشكل مختلف عن روسيا».1
إن هذه الفقرة الصحيحة إطلاقا والتي انتقاها لنا عبد الله الحريف ٍ هي كما سبقت الإشارة من مقال برنامجنا. فعن ماذا كان يتحدث لينين في هذا المقال، غالبا أن الكاتب قد اطلع على المقال، أما إذا كان قد انتقاها من كتاب آخر وردت فيه دون الإشارة إلى ذلك فسوف يضع نفسه في وضع محرج جدا، بل ومؤسف. لكن وبما أن الكاتب هو منظر « الماركسيين الجدد» ببلادنا فسوف نعتبره أورد الفقرة من النص الأصلي.
يبدأ لينين مقال برنامجنا بالحديث عن التذبذب الفكري الذي تعيشه الاشتراكية الديمقراطية العالمية آنذاك، ليؤكد على أنه إلى حدود الآن تعتبر نظرية ماركس و انجلز الأساس الصلب للنظرية الثورية ويضيف:» وفي الوقت الراهن ترتفع بعض الأصوات من كل الجهات لتعلن أن تلك النظريات غير كافية(
Isuffisants) ومتجاوزة (*périmées) . ها هي إذن الوقاحة تصل بأصحابنا – بل التفاهة- إلى درجة أنهم أصبحوا يوردون نصوصا من التراث الماركسي ليفضحوا أنفسهم بأنفسهم. ولأننا لا نؤمن بمقولة "تفسير الواضحات من المفضحات" ولأن هناك الكثير والكثير جدا من من لا يرى الواضحات، لذلك كله سوف نوضح. إن الماركسية أي نظرية ماركس و انجلز ولينين وماو تسي تونغ وغيرهم من الماركسيين تعلمنا طبعا أن لا نتعاطى مع النظرية بوصفها كلمات وجمل أو بوصفها قوالب جامدة ومن يفعل ذلك « هم من هواة جمع التحف الثمينة»                       2
إن الماركسية في نظرنا هي النظرية الأولى التي جعلت من الاشتراكية علما بعدما كانت اوطوبيا3 وهي التي اكتشفت طبيعة المجتمع الرأسمالي المعاصر4 وأوضحت كيف إن شراء قوة العمل يخفي استعباد ملايين من غير المالكين من طرف زمرة من الرأسماليين ومالكي الأراضي والمعامل والمناجم...الخ وأن فائض القيمة هو القانون الذي يقوم عليه كل المجتمع الرأسمالي، وأن كل نضال طبقي هو نضال سياسي5، وكل نضال سياسي هو نضال طبقي، وهي التي برهنت أن الصراع الطبقي هو محرك التاريخ، وأن ديكتاتورية البروليتاريا هي حتمية تاريخية6 ، وان الفلاحين هم حلفاء موضوعيون، بل ضروريون للطبقة العاملة، وان نضال البروليتاريا يجب أن يكون نضالا ذو أفق أممي، وهذه "النظرية غير الكاملة" هي التي كشفت عن الانتقال من الرأسمالية التنافسية إلى الإمبريالية أي الاحتكار وأن النضال ضد الإمبريالية إذا لم يقترن اقترانا وثيقا بالنضال ضد الانتهازية يكون لغوا فارغا، وهذه النظرية هي التي كشفت للبروليتاريا بأن النضال النظري هو شرط من شروط نجاحها في كسب الحرب ضد البرجوازية وهي التي أكدت على ضرورة التحليل الملموس للواقع الملموس» كما أنها هي التي كشفت عن العديد من القوانين التي تحكم المجتمعات التبعية حيث كشفت على طبيعة البرجوازية في هذه البلدان بما هي برجوازية كمبرادورية و برجوازية بيروقراطية. لكننا لن ننسى أن هذه النظرية هي التي علمتنا أيضا « أن الناس سيظلون ضحايا ساذجة في حقل السياسة إذا لم يتعلموا استقراء المصالح الطبقية من بين السطور والكراريس والشعارات..." ، لذلك ولكي نوضح أي مصلحة طبقية تكمن وراء سطور مقال عبد الله الحريف بما فيها عنوانه "دفاعا عن الجوهر الحي للماركسية" وعنوان القسم الأول منه « إن نظرية ماركس ليست كاملة ولا مقدسة»، سوف نتمم الرد الذي واجه به لينين برنشتاين في المقال الذي استشهد به "الماركسي" عبد الله الحريف على نفس الكلام الذي قاله الاثنان أي «إن نظرية ماركس غير كاملة»، "والآن ما الجديد الذي قدمه إلى هذه النظرية هؤلاء المجددين اللامعين الذين لا يتوانون عن الزعيق في الوقت الراهن، والملتفين حول الاشتراكي برنشتاين( ونحن نقول وحتى أولئك الذين لا يبحثون إلا على موقع على يساره) بالتأكيد لا شيء إنهم لم يقدموا خطوة، العلم الذي أوصانا ماركس و إنجلز بتطويره، إنهم لم يوضحوا للبروليتاريا أي أساليب جديدة للنضال، إنما تقهقروا فقط، مقتبسين من نظريات متأخرة، و مروجين بين صفوف البروليتاريا، لا نظرية النضال، بل فقط نظرية التنازل أمام أعداء البروليتاريا الألداء، أمام الحكومات و الأحزاب البرجوازية التي لا تكل في البحث عن وسائل جديدة لمطاردة الاشتراكيين"7
إن التاريخ عندما يعيد نفسه مرات عديدة لا يصبح هزيلا وفقط وإنما مملا وحقيرا أيضا. ورغم ذلك سوف نتساءل ماذا قدمه هؤلاء السادة من جديد للماركسية التي يدافعون عن جوهرها الحي؟ إنه اغتيال جوهرها الثوري                       .
الحريف "الماركسي" و ماركس المشعوذ الصوفي                         !
*******************************
يقول صاحبنا: "و إن ما يثير الانتباه هنا، هو أن ماركس و انجلز قد خصصا أغلب أعمالهما للنقد، نقد البرجوازية في كل تجلياتها، نقد واقع الرأسمالية، نقد الفلسفة، علما بأن أعظم عمل قدمه ماركس أي "الرأسمال" هو نقد للاقتصاد السياسي البرجوازي... و أن الماركسية أحدثت القطيعة مع الفكر التأملي و الميتافيزيقي و اعتبرت أن الأفكار السديدة تأتي من الممارسة العملية الهادفة إلى تغيير الواقع"
هكذا إذن يصبح الرأسمال، أي أعظم ما قدمه ماركس، عند الحريف مجرد نقد الاقتصاد السياسي البرجوازي بل إن أعظم أعمال ماركس و إنجلز لم تكن سوى نقد للبرجوازية وللفلسفة و... فهل بالفعل أن الكاتب على إطلاع بالرأسمال ولأعمال ماركس و إنجلز؟ فإذا لم يكن مطلعا عليها، فلا يحق له أن يدافع عن "جوهرها الحي" إلا إذا كان وقحا.إن كل امرئ تناول أعمال مؤسسي الماركسية لن يجد صعوبة في استشفاف مضمون وهدف تلك الكتابات والذي يكمن أساسا في «بناء نظرية البروليتاريا في التغيير».
فعلمية وثورية فلسفة ما، يمكن اكتشافها بالخط الأول انطلاقا من الواقع الاجتماعي في سياقه التاريخي الذي تشكل هذه الفلسفة وجهه النظري الواعي بهذا الشكل أو ذاك ولهذه الدرجة أو تلك. وعلمية وثورية الفلسفة الماركسية تمكننا بالدرجة الأولى من اكتشاف وتنظيم الدور التاريخي للطبقة العاملة والطبقات الكادحة الأخرى» بمعنى أن أهم ما في أعمال ماركس و إنجلز هي الكشف عن القوانين الموضوعية التي تحرك المجتمع ودراستها من أجل توجيه فعل وممارسة الطبقة العاملة نحو هدفها النهائي، فحسب إنجلز تعتبر غاية الاقتصاد السياسي بوصفه علما، اكتشاف تناقضات الواقع الموضوعي وتبيان كيفية حلها واستنباط العناصر الثورية القدرة على حلها8 وهكذا فالرأسمال الذي قال ماركس نفسه عن طريقة تناوله بأنه « منهج نقدي وثوري» ليس نقدا للاقتصاد السياسي البرجوازي وفقط وإنما تبيان حتمية زواله و أساسا الكشف عن العناصر الثورية القادرة على دك بنيانه                                                .
لكن، لننتبه مرة أخرى إلى هراء الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي و نعتذر للقارئ على إزعاجه كل مرة بتلك المقاطع الموسيقية الرديئة التي تعزف على الآلات البالية. يقول الحريف في مرافعته «لابد هنا من الإقرار بأن ماركس الذي قدم فهما علميا لجوهر الرأسمالية و تناقضاتها العميقة التي لا تتغير مهما تغيرت أشكال الرأسمالية( لاحظوا ذلك لان الكاتب سوف ينفيه فيما بعد)، لم ينج من إعلان بعض التقييمات «و التنبؤات» التي تجد أساسها في إضفاء صفة المطلق على الشكل الذي كانت عليه الرأسمالية في عهده ( أي الرأسمالية التنافسية) وما كانت تؤدي إليه من أزمات وانهيارات وما يصاحب ذلك من استغلال مكثف و تفقير للطبقة العاملة الشيء الذي يعتبر مصدر بعض التقييمات الكارثية(كذا) مثل الأزمة العامة والنهائية للرأسمالية» ليتساءل الحريف بعد ذلك بحيرة واندهاش "عن دور البروليتاريا في هاته الحالة إذا كانت الأزمة عامة ونهائية" قبل أن نجيب السيد عبد الله الحريف سوف نتساءل معه، أين سمعت أو اكتشفت المكان الذي أضفى فيه ماركس صفة المطلق على هذا الشكل من الرأسمالية؟ ولنتساءل معه: هل تعرف ماذا تعني كمونة باريس وثورة أكتوبر؟ وبأي معنى يتحدث ماركس عن الأزمة العامة والنهائية للرأسمالية؟ ووفق أي شروط؟
يقول السيد عبد الله الحريف « وخلافا للنظرة الماركسية السائدة آنذاك والمتعلقة بالرأسمالية التنافسية والمتمثلة في اعتبار الرأسمالية ستحول المستعمرات إلى دول رأسمالية متطورة على غرار دول أرويا الغربية، اكتشف لينين قانون التطور اللامتكافئ....» وهنا لا بد من التوقف قليلا. ففي الفقرة الأولى يقول بأن ماركس "أعطى صفة المطلق على الرأسمالية التنافسية" وأن ذلك "كان مصدر بعض التقييمات الكارثية مثل الأزمة العامة والنهائية للرأسمالية" وفي الفقرة الثانية يقول: "بأنه خلافا للنظرة الماركسية السائدة آنذاك ( وممثلاها الأساسيان طبعا ماركس وانجلز) المتعلقة بالرأسمالية التنافسية والمتمثلة في اعتبار أن الرأسمالية ستحول المستعمرات إلى دول رأسمالية متطورة على غرار دول أرويا الغربية». فهل يعقل أن يعتبر أي امرئ سليم العقل أن هناك «أزمة عامة ونهائية للرأسمالية» وفي نفس الوقت يقول بأن هذه « الرأسمالية ستحول المستعمرات إلى دول رأسمالية متطورة على غرار دول أروبا الغربية» إن أي إنسان سوف يتساءل كيف ذلك؟ هل سوف تخرج هاته الرأسمالية كالروح من جسد أرويا الغربية وينفخ الله بها في جسد الدول التبعية كما «نفخ بعيسى في جسد مريم»! فعلى كل حال هو على كل شيء قدير! أليس ذلك تفكير صوفي قح، أم أن هاته الرأسمالية التي تعيش أزمة عامة ونهائية "ستحول الدول التبعية إلى دول رأسمالية متطورة على غرار دول أرويا الغربية" في 24 ساعة وينهار الاثنان في صبيحة اليوم الموالي -فإذا كنت ستقطع فاقطع بقوة وسرعة- لكن ذلك أيضا مجرد شعوذة .فها هو إذن المحامي الفذ في دفاعه عن «الجوهر الحي للماركسية» يحول ماركس الشامخ، المادي الجدلي، إلى مجرد صوفي مشعوذ، صراحة لا أجد تعبيرا عن هاته التفاهة وهذا المأزق الذي وضع صاحبنا المحامي الفاشل نفسه فيه من ذلك التعبير الدارج رغم تخفضي على شكله « الله ينعل لي ماكيحشم» فهو يحمل الشفقة والتقزز في آن واحد، ولا أعتقد أن المرء لا يحس بهما الآن تجاه هذا المحامي المسكين المحب للمال. ففي رسالة إلى كارل كاوتسكي سنة 1882سوف يفضح إنجلز صاحبنا المحامي الذي قال بأن الماركسية تعتبر أن الرأسمالية ستحول المستعمرات إلى دول رأسمالية متطورة على غرار دول أرويا حيث كتب يقول « وإني أرى أن المستعمرات بكل معنى الكلمة أ ي البلدان التي يشغلها الأوروبيون، كندا والكاب واستراليا ستغدو جميعها مستقلة، أما البلدان المستعبدة فقط والتي يقطنها سكانها الأصليون الهند والجزائر والممتلكات الهولندية والبرتغالية و الاسبانية، فإنه يقتضي لها العكس ،أن تأخذ البروليتاريا في يدها لفترة من الزمن وتسير بها نحو الاستقلال. من الصعب القول كيف ستتطور هذه الحركة» ويضيف انجلز قائلا « ...ولكن أية أطوار اجتماعية وسياسية يترتب على هاته البلدان اجتيازها قبل أن تبلغ أيضا التنظيم الاشتراكي فهذا ما لا يستطيع اليوم، كما أعتقد أن نجيب عليه إلا بافتراضات لا طائلة تحتها                                   ."
أ ليس هذا الكلام للماركسية عن المستعمرات أيها المحامي غير الشريف ؟ فعلى ما يظهر أن الكاتب قد احتوته الإيديولوجية البرجوازية من رأسه حتى أخمص قدميه فتلك هي الطريقة المفضلة للبرجوازية أو الوحيدة للهجوم على الماركسية: أي تزويرالتاريخ.
و هذا التزوير سوف يصل مداه إلى أبعد مما بينا، حيث يضيف المحامي: «... لابد من الإقرار (كذا) أن ماركس كان يعتبر أن البروليتاريا هي البروليتاريا الصناعية بالأساس، ويرجع ذلك في رأينا إلى كون ماركس قد أضفى هنا، أيضا صفة المطلق على مرحلة معينة من تطور الرأسمالية وهي المرحلة التي كانت فيها الصناعة هي القطاع المهيمن على النشاط الاقتصادي والمتنامي باستمرار"9. قبل أن نتطرق إلى مفهوم الصناعة الذي يبتدله صاحبنا المحامي، سوف نقف عند نقطة "صفة المطلق" التي نسبها المحامي إلى ماركس للمرة الثانية. فالحريف يقول إن ماركس قد أضفى "صفة المطلق" على مرحلة معينة من الرأسمالية في اتجاهين                      .
1- صفة المطلق للرأسمالية التنافسية                              .
2- صفة المطلق لهيمنة الصناعة                         .
وقد تسائلنا من قبل مع هذا المحامي عن اسم المكان الذي اكتشف فيه ذلك، أما الآن فنحن ملزمون بتقديم بعض الإيضاحات في هذا الصدد.
وسوف ننطلق مما قاله إنجلز في كتاب "لودفينغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية" على الفلسفة الديالكتيكية التي تعد من ركائز الماركسية. "وكما أن البرجوازية تحطم عمليا، بواسطة الصناعة الكبيرة والمزاحمة والسوق العالمية كل المؤسسات القديمة المثبتة التي قدستها العصور، كذلك تحطم هذه الفلسفة الديالكتيكية جميع التصورات عن الحقيقة المطلقة النهائية، وعن أوضاع الإنسانية المطلقة المناسبة لها، فليس هناك بالنسبة للفلسفة الديالكتيكية، شيء نهائي، مطلق، مقدس، إنها ترى حتمية الانهيار في كل شيء، ولا يوجد شيء يستطيع الصمود في وجهها إلا المجرى المستمر للنشوء والزوال، للصعود اللامتناهي من أرض إلى أعلى، وهي نفسها ليست سوى انعكاس بسيط لهذا المجرى في الدماغ المعكر، ولها أيضا، في الحقيقة جانبها المحافظ، فهي تبرر كل مرحلة معينة من مراحل تطور المعرفة والعلاقات الاجتماعية في زمانها وظروفها، لا أكثر فالصفة المحافظة لهذه الطريقة في الفهم هي نسبية، وطابعها الثوري هو مطلق- وهذا هو الشيء الوحيد المطلق الذي تقبله الفلسفة الديالكتيكية» هكذا تكلم إنجلز عن الفلسفة الديالكتيكية فإذا كان ماركس قد أضفى صفة المطلق التي أقرها الكاتب فهذا يعني أن ماركس خان طريقته وكان يجب القول بذلك صراحة لكن جرأة الكاتب في إظهار سفالته لم تصل بعد إلى تلك الدرجة كما وصلت إليها مثلا عند احرزني الذي حاول أن يحاكم ماركس12 فجعل من نفسه أضحوكة حتى لتلامذته.
و إذا سألنا السيد الحريف أين أضفى ماركس صفة المطلق تلك، لن يقدم لنا أي جواب فكل محاكمته تلك يمكن أن ترد إلى الأمر التالي                                    :
فهو يأخذ على ماركس لماذا لم يتحدث عن الإمبريالية (رغم أن ماركس قد تنبه إلى ذلك). ولماذا لم يدرسها؟ ولماذا لم يتحدث عن المعلوميات ( المجال المفضل لصاحبنا المحامي)؟ ولماذا...؟؟ وهذا الأمر يمكن أن يرد هو الأخر إلى أن السيد الحريف يأخذ على ماركس لماذا لم يكن مشعوذا؟؟ فلو تحدث ماركس عن المعلوميات أو ذهب إلى دراسة الإمبريالية أو أي ظاهرة أخرى لم تحدث بعد فلن يكون طبعا سوى كذلك، فهذا المحامي لم يكتفي بجعل ماركس صوفي و مشعوذ بل و يأخذ عليه كذلك لماذا لم يعطيه الفرصة وهو المحامي الفذ ليثبت بأنه كذلك. لقد أشار إنجلز ذات مرة قائلا: « ولكن الاعتراف بها أي (المادية الجدلية) قولا شيء وتطبيقها شيء آخر، وإذا تمسكنا دائما في البحث بوجهة النظر هذه فإن طلب الحلول الحاسمة والحقائق الخالدة يفقد بالنسبة لنا كل معنى إلى الأبد، ونحن لا ننسى أبدا أن كل معارفنا المكتسبة محدودة بالضرورة وتحددها الظروف التي نكتسبها فيها»10. هكذا قال إنجلز عن ماركس وعن نفسه وهو ما لم ينفيه ماركس ذاته بل على العكس من ذلك أكده. و بالتالي يظهر أن صاحبنا ليس بمدافع عن "الجوهر الحي للماركسي" بل وإنما مهاجم غير شريف، وأن المبتذلين الذين أخذوا على عاتقهم «الدفاع عن الماركسية وتجديدها» لم يتجاوزا في شيء حدود تعاليم معلميهم. " و الواقع أن كل طبقة وحتى كل مهنة، لها أخلاقها الخاصة بها، وهي فضلا عن ذلك تخالفها كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا دون أن تتعرض إلى العقاب".11
أما عن الهراء الذي تحدث به هذا المحامي عن الصناعة فهو لا يعدوا أن يكون ابتذالا لهذا المفهوم، فماركس و إنجلز و لينين وغيرهم قد اعتبروا أن الرأسمالية تحول الزراعة نفسها إلى صناعة، أي أن الزراعة الرأسمالية هي صناعة وبهذا المفهوم تتحدث الماركسية عن الصناعة، فقد كتب لينين في هذا الصدد يقول: « فغني عن البيان أن انفصال الصناعة الإنتاجية عن صناعة استخراج المواد الأولية وانفصال الصناعة عموما عن الزراعة يحولان الزراعة نفسها إلى صناعة، أي إلى فرع اقتصادي ينتج سلعا»12 .
أما عن مفهومك أنت، أيها المهاجم، عن الصناعة، فهو مبتذل فعندما تقول: «... لذلك يكون لوسيانسيف على صواب في نظرنا عندما يطرح أن عند ماركس « أفقا شيوعيا للعصر الصناعي
Une perspective communiste de l’age industriel بينما نشهد حاليا « أفق شيوعي للعصر المعلوماتي Une perspective communiste de l’ age informatiqueفإنك أنت و لوسيان لا تثبتان سوى أنكما لم تفهما حتى الألف باء الاقتصاد السياسي الماركسي.
فماذا تعني الصناعة؟ وما هو المفهوم العلمي للمصنع؟ يقول لينين في هذا الصدد: « قبل أن نتناول الصناعة الآلية (أي المصنعية) الكبيرة لا بد أن نؤكد أن المفهوم العلمي لهذا المصطلح لا يتطابق على الإطلاق مع معناه الشائع المتداول يوميا ففي إحصاءاتنا الرسمية، وفي أدبياتنا عموما (كما هو حالنا نحن أيضا) يؤخذ المصنع على أنه أي مؤسسة صناعية كبيرة إلى هذا الحد أو ذاك تضم عددا كبيرا إلى هذا الحد أو ذاك، من العمال المأجورين أما بالنسبة لنظرية ماركس فمصطلح الصناعة الآلية (المصنعية) الكبيرة ينطبق على طور معين من تطور الرأسمالية في الصناعة هو طورها الأعلى. والسمة الأبرز والأهم لهذا التطور هي استخدام نظام الآلات في عملية الإنتاج ( رأس المال المجلد1) والانتقال من المانيفاكتورة إلى المصنع هو بمثابة ثورة تقنية كاملة، تطيح بالمهارة اليدوية للحرفي التي استغرق اكتسابها قرونا من الزمن، ولابد أن يعقب هذه الثورة التقنية التدمير الشامل لعلاقات الإنتاج الاجتماعية والقطيعة النهائية بين الفئات المختلفة للمساهمين في الإنتاج وبانقطاع كامل عن التقاليد وبتكثيف وتوسيع للجوانب المظلمة للرأسمالية، وفي نفس الوقت يعقب هذه الثورة التقنية التشريك الجماعي للعمل من قبل الرأسمالي، وهكذا فإن الصناعة الآلية الكبيرة هي أحدث مبتكرات الرأسمالية، أحدث « عناصر التقدم الاجتماعي» (رأس المال المجلد1 ص499) وعناصر التقهقر التي تحملها هذه الرأسمالية"13. بهذا المعنى بالضبط تتحدث الماركسية عن الصناعة وعن «الأفق الشيوعي للصناعة» أما محاولة اختزال مسألة تطور الصناعة بمجرد إحصائيات عن عدد العمال والمصانع فقد قال عته لينين بأنه منطق سخيف14 لكن حتى إذا نظرنا إلى التطور الهائل للمعلوميات هذه الحقيقة التي تفقأ الأعين، هل يعني ذلك أن الرأسمالية قد دخلت عصرا غير صناعي بل معلوماتي؟ إن من يقول بذلك لا يفعل سوى أنه يجعل من الماركسية مجرد كاركاتور لا أكثر. فعندما يكون الهدف معالجة المسائل النظرية، لا يجب إطلاقا استعمال المفاهيم الضيقة الأفق. لكن الحريف لا يقف إلى هذا الحد بل يستمر ويقول: "بينما كانت الخدمات في أغلبيتها الساحقة لا تخضع مباشرة للرأسمال بل كانت تعتبر ميدانا لنشاط فئات برجوازية صغرى». فهل هناك تشويش نظري أكثر من هذا؟ فالخدمات كانت لا تخضع مباشرة للرأسمال، طيب، ولنقبل تجاوزا لهذه الفكرة فإلى ماذا كانت تخضع إذن؟ حسب الحريف كانت تعتبر « ميدانا لنشاط فئات برجوازية صغرى». لكن أليست هاته الفئات البرجوازية الصغرى في آخر المطاف برجوازية، وإذا كانت كذلك، أليست ميادين أنشطتها هي بالضرورة ميادين رأسمالية أي تخضع للرأسمال ؟                                           ؟
سوف نتمم مع الكاتب ما قاله في هذا الصدد "إن قطاع الخدمات يجمع خليطا من الأنشطة منها المنتجة وغير المنتجة كما هو حال جزء كبير من المعلومات( هاهو ذا وصل مرة أخرى إلى الميدان المفضل لديه، فلاحظوا بماذا سيتفوه هذه المرة) التي تساهم في تطوير الإنتاجية عبر تطوير البحث العلمي وإشاعة المعارف والمعلومات وتحسين طرق وأساليب الإنتاج وتنظيم العمل، ومنها أنشطة أخرى منتجة تتعلق بتحويل العديد من الأعمال المنزلية إلى أعمال اجتماعية تتداول في السوق، وهناك أنشطة غير منتجة لكنها تبقى ضرورية لإعادة إنتاج قوة العمل الترفيه والرياضة مثلا (أأدركتم ذلك!) إضافة إلى أنشطة أخرى ذات طابع طفيلي كالمضاربات المالية والتجارية وغيرها»15 ليضيف "هكذا إذن فإن الجزء الأكبر لقطاع الخدمات يعد قطاعا منتجا يتم فيه انتزاع فائض القيمة من المأجورين....وعلى هذا الأساس نعتبر أن مفهوم البروليتاريا لم يعد يقتصر على البروليتاريا الصناعية بل أصبح يضم اغلب العاملين في قطاع الخدمات...»16 فياله من عقل نافذ وذكاء وقاد لا يجعلنا إلا أن نتساءل كيف يمكن لهذا العقل أن يحل ذلك اللغز؟! ورغم ان ماركس في نظر الكاتب قد أعطى صفة المطلق على مرحلة معينة من تطور الرأسمالية معتبرا أن البروليتاريا الصناعة بالأساس و... و...، فلم يجد الكاتب منفذا إلا العودة إلى ماركس بالذات فكتب يقول « غير أن تحليل البروليتاريا في هذه التشكيلات الاجتماعية( أي ما أسماه الكاتب ببلدان المحيط الرأسمالي) يقتضي الرجوع لتحاليل ماركس».                   .17
أمام كل هذا لا يمكن للمرء إلا أن يتساءل هل هناك وقاحة أكثر من هذه، فلا تبصق في البئر فقد تعطش وتحتاج إلى مائه، لكن هناك من لا يملون من شرب المياه العكرة، بل و يجدون متعة في ذلك                        .
****************************
هوامش                           :
1. ليــنين: من كتاب الدولة والثورة                 .                   .
2. لينين: برنــامجنا ص                                      499                                                            .        .
*. أوردنا هنا الكلمات بالفرنسية أيضا، لان الكاتب يورد هو أيضا الكلمات بالفرنسية في محاولة منه للتأكيد                       .
3. ماو تسي تونغ                                       .
4. لينين: برنــامجنا                                    .
5. ماركس الأسعار والأجور                                 .
6. ماركس انجلز: البيان الشيوعي                                      .
7. من ماركس الىيوسف فيدرمان  .1859                         .                 .
8. .لينين برنامجنا ص 498                                 ..
9. . إنجلز: أنتي دوهرينغ                                      .
10. . عبد الله الحريف: نفس المرجع                             .
* . أحمد أحرزني سيرة ماركس السياسية من الكمونة إلى الجماعة                               . 
11. .انجلز المرجع السابق ص    43.                           .                   .
12. نجلز: لودفيغ قيورباخ و نهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية               .
13. لينين: "تطور الرأسمالية في روسيا، ص 30.                    .
14. لينين: نفس المرجع السابق، ص 257-258.                        .
15. . لينين: نفس المرجع السابق                                   .
16. .ع الحريف نفس المرجع                              .
17. . ع الحريف نفس المرجع                                            .
18. . ع الحريف نفس المرجع